الجمعة 17 أبريل 2026
على امتداد القارة الأفريقية، تعكس نتائج الانتخابات خلال السنوات الأخيرة صورة مزدوجة: نجاحات لافتة للمعارضة في بلدان ذات مؤسسات قوية نسبيا، مقابل تعثرات خطيرة في دول ما تزال محكومة بعقلية الانقلابات أو بعزائم سلطوية راسخة. شهدت أفريقيا في السنة الماضية (2024)، ما اعتبره بعض المحللين جزءا من "الموجة المناهضة للأنظمة الحاكمة"، إذ خسر الحزب الديمقراطي في بوتسوانا أغلبيته البرلمانية، لأول مرة، منذ 58 عاما، كما اضطر حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا إلى الدخول في ائتلاف بعد أن فقد أغلبيته للمرة الأولى، منذ نهاية الفصل العنصري، وامتدت مكاسب المعارضة إلى دول مثل: السنغال وغانا وموريشيوس، ما دل على مرونة الطلب الشعبي على الديمقراطية، وعلى استمرار حيوية المجتمع المدني والإعلام المستقل.
غير أن هذا التفاؤل سرعان ما قُيّد بانتكاسات موازية في بلدان مثل: موزمبيق وتشاد وجزر القمر، حيث جرى توظيف أدوات الدولة والجيش لإعادة إنتاج السلطة، ومنع أي تغيير حقيقي؛ هذا التباين بين مناخات الانفتاح والانسداد يكشف أن مستقبل الديمقراطية الأفريقية لا يمكن اختزاله في مسار خطي، بل يتأرجح بين فرص التحول ومخاطر النكوص.
تندرج التجربة الغينية بوضوح ضمن معسكر الدول التي اصطدمت فيها الآمال الديمقراطية بجدار عسكرة السلطة، فانقلاب سبتمبر/أيلول 2021 الذي قاده العقيد مامادي دومبويا، أدخل البلاد حالة انتقالية اتسمت بتشدد أمني وتضييق واسع على المعارضة؛ فمطلع عام 2025، حل دومبويا حكومة برنارد غومو بشكل مفاجئ وعيّن حكومة جديدة برئاسة مامادو أوري باه، دون تقديم مبررات، ما عكس هشاشة المؤسسات المدنية أمام قرارات المجلس العسكري.
في السياق ذاته، عملت السلطات على تفكيك البنية الحزبية عبر حل أكثر من خمسين حزبا سياسيا، وتعليق نشاط العشرات بدعوى مخالفات تنظيمية، فيما جرى اعتقال قادة بارزين من قوى غينيا الحية والجبهة الوطنية للدفاع عن الدستور، وتعرض بعضهم للتعذيب أو الاختفاء القسري.
بموازاة ذلك، استمرت الانتهاكات ضد الصحافة المستقلة؛ إذ ألغيت تراخيص قنوات وإذاعات عديدة، واعتقل صحفيون مثل: حبيب مروان كامارا الذي اختفى قسرا في ديسمبر/كانون الأول. وقد أفاد ساديبو مارونغ مدير مكتب منظمة مراسلون بلا حدود في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، بأن عائلة الصحفي لم تتلق أي أخبار عنه منذ ذلك الحين.
تندرج التجربة الغينية ضمن معسكر الدول التي اصطدمت فيها الآمال الديمقراطية بجدار عسكرة السلطة، فانقلاب سبتمبر/أيلول 2021 بقيادة العقيد مامادي دومبويا، أدخل البلاد حالة انتقالية اتسمت بتشدد أمني وتضييق واسع على المعارضة
ووفقا لتقرير "الحرية في العالم 2025" الصادر عن منظمة فريدوم هاوس، يمكننا أن نلاحظ أن غينيا تصنف ضمن الدول "غير الحرة" بحصولها على 30 من 100 في التقييم الإجمالي، منها 7 من 40 في الحقوق السياسية و23 من 60 في الحريات المدنية، بعد أن كانت تصنّف قبل عام 2021 ضمن الدول "الحرة نسبيًا"؛ كما يشير نفس التقرير إلى أن ربع السكان فقط يرى أن حرية الصحافة متوفرة، فيما يرى نصف المستطلَعين أن الأفراد يمكنهم التعبير عن آرائهم الشخصية بشأن القضايا السياسية أو غيرها من المواضيع الحساسة دون خوف من المراقبة أو الانتقام. أما فيما يتعلق بالحقوق النقابية والتنظيمية، فيرى ربع المستطلعين فقط أن حرية التجمع محمية، كما تجيب نفس النسبة (1/4) على سؤال حول وجود حرية للمنظمات غير الحكومية، وخاصة تلك العاملة في مجال حقوق الإنسان.

تعكس هذه المؤشرات تراجعًا واضحا في حرية الصحافة والحقوق النقابية والتنظيمية، حيث يهدد القمع المستمر للصحفيين والنقابيين والقيود المفروضة على حرية التعبير والتنظيم إذ أفادت منظمة هيومن رايتس ووتش أن المجلس العسكري حظر الاحتجاجات في مايو/ آيار 2022، وقد استخدمت القوات الأمنية القوة المفرطة، بما في ذلك الغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية، لتفريق من خالفوا الحظر، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 59 محتجًا ومواطنا آخر منذ 2022، منهم ما لا يقل عن 20 عام 2024، وفقا لـ الجبهة الوطنية للدفاع عن الدستور (FNDC)، وهي ائتلاف من مجموعات المجتمع المدني الغيني والأحزاب المعارضة.
كما وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش مقتل ما لا يقل عن ثمانية أشخاص على يد القوات الأمنية، بينهم ثلاثة أطفال، خلال الاحتجاجات في كوناكري منذ يناير/ كانون الثاني، مع اعتداء بعض المحتجين على الشرطة والدرك. وللإشارة فإن هذا المسار القمعي لم يقتصر على المعارضة المدنية، بل شمل المؤسسة العسكرية نفسها، كما في حالة الجنرال ساديبا كوليبالي الذي توفي في ظروف غامضة بعد اعتقاله. هكذا، وجدت غينيا نفسها أمام مشهد سياسي مقفَل، تدار فيه المرحلة الانتقالية من قِبل العسكر عبر منطق السيطرة لا التوافق، ما زاد من فقدان الثقة المجتمعية في أي حديث عن عودة إلى الحكم المدني.
إن الوضع لا يختلف على الوضع في مالي، فوفقا لتقرير الصادر عن منظمة فريدوم هاوس، حصلت مالي على 24 من 100 نقطة، مما يضعها ضمن فئة "غير حرة"، توزعت هذه النتيجة على 6 من 40 نقطة في الحقوق السياسية، و18 من 60 نقطة في الحريات المدنية.

في أبريل/نيسان 2024، أصدرت الحكومة العسكرية في مالي مرسوما يقضي بتعليق جميع أنشطة الأحزاب السياسية، مما أثر بشكل مباشر على الصحافة المستقلة. تم رفع هذا التعليق في يوليو، لكن الصحفيين ظلوا يواجهون تحديات كبيرة في ممارسة عملهم بحرية. في يونيو/ حزيران 2024، تم اعتقال 11 من قادة المعارضة بشكل تعسفي بتهم تتعلق بـ"التآمر ضد سلطة الدولة"، مما يعكس تراجعا في حرية التعبير وحقوق الصحافة. في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، قام الرئيس الانتقالي، الكولونيل أسيمي غويتا، بإقالة رئيس الوزراء المدني شوجيل مايغا بعد انتقاده لتأجيل الانتخابات، ما أدى إلى تركيز السلطة في يد الجيش. هذا التوجه يهدد استقلالية المؤسسات الإعلامية ويزيد من القيود المفروضة على الصحافة.
في يوليو/ تموز 2025، قدّمت السلطات الانتقالية مسودة دستور جديد لاستبدال دستور 2020، والميثاق الانتقالي المعلّق منذ الانقلاب؛ المشروع حمل في طياته بعض البنود الطموحة مثل إنشاء برلمان بغرفتين، وتحديد الولاية الرئاسية بفترتين كحد أقصى، والاعتراف بحقوق بيئية واجتماعية جديدة، إلى جانب استحداث محكمة خاصة لمحاكمة الرئيس والوزراء في قضايا الخيانة أو الفساد. كما فتح الباب أمام مشاركة المستقلين في الانتخابات، وهو تطور بدا في ظاهره مشجعا.
غير أن نقاطًا أخرى في المشروع أثارت جدلاً واسعا: تمديد مدة الولاية الرئاسية إلى سبع سنوات، ومنح رئيس الجمهورية سلطة تعيين ثلث أعضاء مجلس الشيوخ، والأهم من ذلك غياب أي نص يمنع دومبويا نفسه من الترشح، خلافا للميثاق الانتقالي لعام 2021.
تقف غينيا على مفترق طرق حاسم بين مسارين متباينين: فإما أن يشكل الاستفتاء الدستوري المرتقب في سبتمبر/أيلول 2025 لحظة تأسيسية لانتقال منظم نحو حكم مدني أكثر توازنًا، أو يتحول إلى مجرد واجهة تمنح شرعية شكلية لاستمرار الحكم العسكري
هذه التناقضات غذّت مخاوف المعارضة من أن يكون الهدف الحقيقي من الدستور هو "شرعنة" استمرار الحكم العسكري في ثوب مدني، وقد حُدد يوم 21 سبتمبر/أيلول 2025 موعدا للاستفتاء الشعبي، وسط حملات حكومية واسعة للترويج للمسودة، يقابلها موقف رافض من المعارضة التي ترى أن العملية تفتقر إلى الشفافية والمشاركة المجتمعية، الشيء الذي جعلها تدعو إلى تنظيم مظاهرات شعبية اعتبارا من 5 سبتمبر/أيلول، حيث أعلنت "قوى الحراك الحي في غينيا"، وهي تكتل يضم أبرز الأحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني، في بيان صدر مساء الأحد، رفضها القاطع للاستفتاء المقرر، معتبرة أنه "يهدف إلى شرعنة مشروع دستور يعفي الجنرال من التزاماته ويمنحه رئاسة مدى الحياة"، وفق تعبيرها.
إن الاستفتاء يمثل لحظة فاصلة: نجاحه قد يفتح الباب أمام انتخابات في 2026، لكنه سيكرّس في الوقت نفسه دور المجلس العسكري مهندسا وحيدا للانتقال؛ أما فشله أو مقاطعته على نطاق واسع، فسيضع البلاد أمام فراغ دستوري جديد وتأجيل إضافي للعودة إلى الحكم المدني.
إذا كان عام 2024 قد أظهر أن قطاعات واسعة من الناخبين الأفارقة باتت أكثر جرأة في محاسبة أحزاب السلطة، فإن مسار 2025 في غينيا يختبر حدود هذه الحيوية الديمقراطية في بيئة مقموعة، فالسؤال الجوهري لم يعد فقط عن صياغة دستور جديد، بل عن مدى قدرة القوى المدنية على فرض توازن حقيقي يحد من عسكرة السياسة. لا شك أن التجربة الغينية التاريخية تثبت أن النصوص الدستورية لطالما عجزت عن وقف منطق الانقلابات وإعادة إنتاج الحكم الشخصي، من لانسانا كونتي إلى داديس كامارا وصولا إلى دومبويا.
تقف غينيا على مفترق طرق حاسم بين مسارين متباينين: فإما أن يشكل الاستفتاء الدستوري المرتقب في سبتمبر/أيلول 2025 لحظة تأسيسية لانتقال منظم نحو حكم مدني أكثر توازنًا، أو يتحول إلى مجرد واجهة تمنح شرعية شكلية لاستمرار الحكم العسكري. إن المعطيات الحالية التي بين أيدينا -من القمع الواسع للمعارضة والصحافة، وحل الأحزاب، إلى تركيز السلطة بيد دومبويا- ترجّح أن البلاد تتجه نحو سيناريو الانتقال المنضبط تحت هيمنة العسكر أو سيناريو إعادة إنتاج السلطوية في ثوب مدني (السلطوية الهجينة)، حيث تصاغ مؤسسات جديدة لكنها محكومة عمليا بالجيش. هذه النتيجة لا تقتصر على غينيا وحدها، بل تنعكس على مستقبل الديمقراطية في أفريقيا جنوب الصحراء، باعتبارها مؤشرا على قدرة الحركات المدنية على مقاومة عسكرة السياسة.
في المقابل، تبقى سيناريوهات أخرى ممكنة وإن كانت أقل ترجيحًا: الفراغ الدستوري في حال مقاطعة واسعة للاستفتاء، أو الانفجار الاجتماعي إذا تصاعدت المواجهات بين المعارضة والسلطة، وهو ما قد يفتح الباب أمام اضطرابات عنيفة، وحتى تدخل إقليمي أو دولي. أما السيناريو الأكثر إيجابية -الإصلاح الانتقائي تحت ضغط خارجي- فيظل مشروطًا بمدى استعداد الاتحاد الأفريقي وECOWAS والداعمين الدوليين لاستخدام أدوات الضغط بصرامة.
إن مستقبل غينيا في السنوات المقبلة لن يُحسم بنصوص الدستور وحدها، بل بميزان القوة بين مجتمع مدني يسعى لانتزاع مساحات حرية، ومجلس عسكري يصر على إعادة إنتاج سلطته عبر أدوات قانونية وأمنية، دون أن ننسي ضرورة الحد من التدخل الخارجي المتنامي.