تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 10 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
فكر

غربة الإنسان في فضاء بلا ذاكرة أو أزمة التخطيط العمراني الأفريقي

27 أغسطس, 2025
الصورة
Geeska Cover
Share

إذا ما استحضرنا نماذج لمدن تاريخية، مثل فاس العتيقة بمآذنها وأزقتها الملتوية التي تفيض بحياة الحرفيين والأسواق، أو مراكش برياضاتها وحدائقها التي تعكس فلسفة معمارية تجعل من الطبيعة جزءًا من نسيج البيت، أو تونس العتيقة ببيوتها ذات الأفنية الداخلية التي تحقق الخصوصية والانفتاح في آن واحد، أو القيروان التي جمعت بين البعد الروحي والوظيفة العمرانية، فإننا نقف أمام فلسفة مغايرة تمامًا: عمران منسجم مع البيئة، ومشبع بالرمزية الثقافية، ومصمم لإدامة الروابط الاجتماعية أكثر من كونه مجرد هياكل للسكن. ولعل الأمر نفسه ليس بعيدًا عن المنطق الذي أنشئت به مدن أفريقية أخرى، مثل: تمبكتو العريقة أو لاليبيلا بأديرتها المحفورة في الصخر، حيث يمثل العمران امتدادًا للذاكرة والتاريخ، وانعكاسا للإنسان بطبيعته وثقافته.

من هنا، يبدو جليًا أن المقارنة بين هذه التجارب التاريخية وبين واقع المدن المعاصرة تكشف تحوّلًا عميقًا في معنى "التمدن"؛ حيث صار ظاهرة كونية تتسارع وتيرتها بفعل النمو الديمغرافي والتحولات الاجتماعية والاقتصادية. لقد غدت المدن في كثير من البقاع مجرد تجمعات عمرانية إسمنتية صمّاء، تتكدس فيها البنايات دون أن تستبطن روح المجتمع أو تراعي حاجاته الفعلية. ولئن كان "العمران" الحديث يُقدَّم في الأدبيات الرسمية على أنه انعكاس للتقدّم والتنظيم والتخطيط، فإنه في العمق يخفي وراءه أزمة عميقة تمس جوهر فكرة "المدينة" بوصفها فضاء للتساكن والتراحم.

وإذا ما انتقلنا إلى التجربة الأفريقية، فإننا نجد مثالًا صارخًا لهذه الإشكالية. لقد جاء الاستعمار الأوروبي ليعيد تشكيل المدن الأفريقية وفق حاجاته، فارضًا عليها تقسيمًا مكانيًا صارمًا: مركز منظّم للأوروبيين وضواحٍ مكتظة للسكان الأصليين. وبعد الاستقلال، استمر أثر هذه الرؤية في مشاريع "التحديث"، التي تبنّت النمط الغربي بوصفه النموذج الأعلى للتمدّن، متجاهلة النسيج الاجتماعي العريق لهذه الحواضر. هكذا، لم يعد التخطيط الحضري يراعي ضرورات المجتمع، بل صار مسعىً لمطابقة صورة نمطية مستوردة. والنتيجة: مدن تتسع عدديًا، ولكنها تضيق بالمعنى، وتتحول من فضاءات للتساكن إلى مجرد أوعية للسكن.

لقد غدت المدن في كثير من بقاع مجرد تجمعات عمرانية إسمنتية صمّاء، تتكدس فيها البنايات دون أن تستبطن روح المجتمع أو تراعي حاجاته الفعلية

وفي السياق نفسه، تكشف التجربة المغربية بوضوح عن عمق هذا المأزق. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، بذلت الحكومات المتعاقبة جهودًا كبرى لمواجهة أزمة الإسكان عبر ما يُعرف ب"السكن الاجتماعي أو الاقتصادي" موجهةً إياه لمحدودي الدخل. بيد أن هذه المشاريع – على الرغم من أنها حلّت معضلة "الأمن الاجتماعي" عبر تمكين الأسر من امتلاك شقق – أهملت جانبًا آخر بالغ الأهمية: "الأمن النفسي". لقد جرى التعامل مع البيت بوصفه "سلعة اقتصادية" لا بوصفه حاضنة للإنسان ذلك "الكائن الثقافي". بذلك، صار آلاف المواطنين يقطنون مساكن قد تضمن لهم مأوى وسقفا، لكنها لا تضمن لهم استقرارًا داخليًا أو شعورًا بالأمان. فرداءة مواد البناء وتأخر تسليم المشاريع، وغياب المرافق الثقافية والاجتماعية الموازية، كلها عوامل تحوّل هذا "الحل" إلى عبء جديد على الأسر، يضعها في مواجهة التشرد مرة أخرى أو في دوامة احتجاجات ونزاعات قضائية، بل وحتى في حالات مأساوية تصل إلى الانتحار.

وعليه، فإن أزمة التمدن ليست تقنية محضة بقدر ما هي أزمة فلسفة توجّه التخطيط العمراني ذاته. فالمدينة الحديثة تُشيّد وفق منطق استثماري واقتصادي محض، السكن فيها هو الغاية، بدل أن يكون وسيلة لبناء "التساكن". فهذا الانحراف يجعل العمران عاجزًا عن أداء وظيفته الاجتماعية والثقافية، لأنه يفتقر إلى العمران المبني على القرابة والجوار والذاكرة المشتركة. وفي الوقت نفسه، فإن هذا العمران الجديد لا يفي بالغرض إيكولوجيًا، لأنه يقصي الطبيعة من قلب النسيج الحضري، ويحوّل الإنسان إلى كائن غريب داخل فضاء إسمنتي خانق.

وتزداد خطورة هذه المعضلة حين ندرك أن المشاريع العمرانية غالبًا ما تأتي استنساخا أعمى لنماذج غربية، لا تراعي خصوصية السياق الثقافي والاجتماعي المحلي. فبينما تشكّل "المدينة" في الثقافة العربية والإسلامية، على سبيل المثال، امتدادًا لفكرة الجماعة وتبادل المنافع والتآزر الاجتماعي، نجد أن الأبراج الحديثة والتجزئات السكنية تفرغ هذا المفهوم من محتواه، لتُنتج فضاءات يغيب عنها التفاعل الحميمي، ويهيمن عليها طابع العزلة والانكماش. لقد كان البيت التقليدي، بحوشه وحديقته ومجلسه المفتوح على الجوار، تجسيدًا لفلسفة "السكن بوصفه فعل مشاركة"، بينما غدا "السكن الاقتصادي" اليوم صندوقًا مغلقًا يرسّخ الفردانية، ويقوّض الروابط الاجتماعية.

أزمة التمدن ليست تقنية محضة بقدر ما هي أزمة فلسفة توجّه التخطيط العمراني ذاته

وأمام هذا الوضع الكارثي، نجد أنفسنا إزاء سؤال جوهري: كيف يمكن إعادة تعريف التمدن بحيث لا يكون مجرد تراكم للأبنية، بل فعلًا ثقافيًا واجتماعيًا يعبر عن روح الجماعة؟ كيف يمكن للمدينة أن تستعيد وظيفتها الأصلية بوصفها "نسيجًا حيًا" لا مجرد بنية صلبة؟ هذه الأسئلة تختزل جوهر الأزمة الراهنة، التي لا تقتصر على المغرب أو أفريقيا، بل تشمل العالم بأسره حيث يتسارع التمدن بوتيرة لا تسمح بإعادة التفكير في معناه وجدواه.

عندما نتحدث عن أزمة التمدن فذلك لا يعني رفضا للتحديث أو الحنين الرومانسي للماضي، بل هو محاولة لتصحيح المسار. فالتحديث الحقيقي لا يتحقق عبر استنساخ أبراج زجاجية أو مدن "ذكية" تدار بالحواسيب، وإنما عبر القدرة على التوفيق بين البعد التقني والبعد الإنساني. وإذا كان السكن حقًا اجتماعيًا أساسيًا، فإن هذا الحق لا يكتمل إلا حين يقترن بالأمان النفسي والجودة المعيشية، وحين يتيح للناس فضاءً يحترم ثقافتهم، ويدعم تفاعلهم ويضمن لهم حياة كريمة.

من هنا تبرز الحاجة إلى سياسات عمرانية جديدة تتبنى مقاربة شمولية، تنظر إلى المدينة بوصفها نسيجا ثقافيا واجتماعيا وبيئيا في آن واحد، وليس مجرد بناء عمراني. وهذا يقتضي إشراك الساكنة في صنع القرار، والاعتراف بذكاء المجتمعات المحلية في ابتكار أنماط عيشها الخاصة، بدل فرض نماذج جاهزة عليها. كما يستلزم الانتقال من منطق كمي يقيس عدد الشقق المبنية إلى منطق نوعي يقيّم جودة الحياة التي يتيحها هذا السكن.

بالعودة إلى العمران التقليدي في العالمين العربي والأفريقي، يتضح الفرق بجلاء. فقد كان هذا العمران يقوم على انسجام مع الطبيعة والبيئة المحيطة، حيث استُعملت مواد محلية الصنع كالحجر والطين والخشب. لذلك كان البيت/السكن يوفر اعتدالًا مناخيًا صيفًا وشتاءً، عبر هندسة تراعي حركة الشمس والرياح وتوزيع الظلال، دون حاجة إلى وسائل تبريد أو تكييف مرهقة.

عندما يتحرر التمدن من وهم النمو الكمي ويعود إلى جوهره الإنساني،يغدو العمران فعل تساكن وتراحم، واستثمارًا في الإنسان والطبيعة معًا

أما العمران الحديث، ومع هيمنة المواد الاسمنتية والحديد والزجاج، فقد فُقِدَ هذا التوافق، ليظهر ما يمكن تسميته بـ"التوحش الإسمنتي". حيث صارت المساكن أكثر استهلاكًا للطاقة، وأشد اعتمادًا على التبريد الاصطناعي بسبب غياب التهوية الطبيعية والظلال، لتتحول من فضاءات مريحة بأبسط الوسائل إلى أعباء اقتصادية وطاقية تثقل كاهل الأسر والمجتمعات.

ولم يقتصر التغير على المساكن، بل شمل الفضاء العام أيضًا. ففي المدن التقليدية، كانت الحدائق والساحات المظللة بالأشجار الورافة جزءًا أساسيًا من النسيج الحضري، تشكل متنفسًا طبيعيًا ومجالًا للتلاقي الاجتماعي فيما يسمى بالمنتزهات. أما اليوم، فكثير من هذه الفضاءات استبدل بمشاريع عقارية أو ترك للإهمال، إلى أن فقدت المدن توازنها البيئي تدريجيًا فغدت مجرد فضاءات خانقة.

الفارق إذن لا يقتصر على المواد أو التقنيات، بل على الفلسفة ذاتها: فالعمران التقليدي انبنى على رؤية إنسانية تستحضر المناخ وراحة الإنسان، بينما ركّز العمران الحديث على الكمّ والربح، ولو كان ذلك على حساب البيئة وصحة السكان. وهكذا تحولت المدن الحديثة إلى فضاءات تستنزف الطبيعة وتضاعف هشاشتها أمام التغيرات المناخية.

لقد تجاهلت السياسات العمرانية في العالم العربي والأفريقي، في كثير من الأحيان، الحقائق الميدانية الدقيقة. فبدل أن تُبنى الخطط على الواقع المحلي وأنماط العيش اليومية، جرى استيراد نماذج غربية وفرضها كما هي، دون مراعاة اختلاف المناخ أو العادات أو البنية الاجتماعية. لم يكن هذا خيارا تقنيا، بل أيديولوجيا حضرية تعكس تصورًا واحدًا عن "المدينة الحديثة"، تصورًا كثيرًا ما عزّزه الإعلام الذي ضخّ صورًا مثالية لأبراج شاهقة وطرقات واسعة ومراكز تسوق لامعة، حتى صار السكان أنفسهم أسرى لهذا الخيال، يلهثون وراء نسخة من باريس أو نيويورك ولو على حساب واقعهم.

والنتيجة كانت ميلاد ما يمكن تسميته بـ"المدينة ذات الوجهين": مدينة رسمية أنيقة، مرسومة بعناية على الخرائط، لكنها خالية من الروح، وأخرى غير رسمية، مكتظة بالحياة، غنية بروابطها الاجتماعية والاقتصادية، لكنها موصومة بالفوضى وغير معترف بها قانونيًا. هذه الازدواجية لا تنتج فقط انقسامًا في الفضاء العمراني، بل تكرّس كذلك شعورًا بالاغتراب لدى السكان وتضعف ثقتهم في المؤسسات الرسمية.

العمران الناجح لا يفرض من فوق، بل يُصاغ مع الناس لا ضدهم، ويقوم على إدماج الثقافة والذاكرة والاقتصاد الشعبي في صلب التخطيط الحضري

مع ذلك، أظهرت بعض التجارب أن طريقًا آخر ممكن. ففي دار السلام بتنزانيا، جرى اعتماد مقاربة "التنظيم من الداخل"، حيث شارك السكان في رسم خرائط أحيائهم، وتحديد أولوياتهم بأنفسهم، مما خلق ثقة أكبر بين الدولة والمجتمع. وفي كيب تاون بجنوب أفريقيا، حاولت برامج الإسكان الاجتماعي تجنّب أخطاء "الترحيل القسري"، فحافظت على الروابط الاجتماعية والتجارية للأحياء الشعبية في مشاريعها الجديدة. أما في لومي، فقد جرى الاعتراف بالأسواق الشعبية كجزء أصيل من النسيج الحضري، وتطويرها بمرافق أساسية دون المساس بهويتها، فبقيت مساحة نابضة بالحياة والذاكرة الجماعية في آن واحد.

هذه التجارب توضح أن الحل لا يكمن في استنساخ كوبنهاغن أو دبي، بل في الإصغاء إلى النظم المحلية، وفهم منطقها الداخلي، ثم تطويرها تدريجيًا من الداخل. فالعمران الناجح لا يفرض من فوق، بل يُصاغ مع الناس لا ضدهم، ويقوم على إدماج الثقافة والذاكرة والاقتصاد الشعبي في صلب التخطيط الحضري.

وفي النهاية، تبقى المدينة كائنًا حيًا لا مجرد إسمنت وحديد. فهي تتنفس بتاريخ ساكنيها، وتزدهر بتفاعلهم اليومي، وتستعيد توازنها بقدر ما تحترم الطبيعة التي تحتضنها. وعندما يتحرر التمدن من وهم "النمو الكمي" ويعود إلى جوهره الإنساني، يغدو العمران فعل تساكن وتراحم، واستثمارًا في الإنسان والطبيعة معًا. عندها فقط يمكن للمدينة أن تنهض من مأزقها الحالي، لتصبح فضاءً للعيش المشترك، حيث لا يُختزل السكن في جدران صمّاء، بل يُعاد إلى أصله: بيت واسع بالمعنى، رحب بالعلاقات، متصالح مع محيطه.