السبت 11 أبريل 2026
تصر غانا على مواجهة رياح الاستبداد القادمة من جارتها الشمالية بوركينافاسوا، بتنظيم تاسع محطة انتخابات في البلاد، منذ إعادة العمل بنظام التعددية الحزبية عام 1992، حيث شهدت البلاد يوم السبت 7 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، انتخابات عامة؛ رئاسية وتشريعية، تنافس فيها 12 مرشحا على منصب رئيس الجمهورية، في واحدة من أطول قوائم الترشيح في تاريخ غانا، بحسب مجموعة "غلوبال إنفو إناليتكس- أكرا"، بالرغم من انحصار دائرة التنافس بين أقلية من المرشحين فقط.
يتداول حزبين بشكل سلمي على السلطة في غانا، منذ بداية الجمهورية الرابعة مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وهما: الحزب الوطني الجديد (NPP) وحزب المؤتمر الوطني الديمقراطي (NDC)، في ديمقراطية متفردة، فلم يسبق لحزب أن فاز بأكثر من ولايتين في تاريخ غانا الانتخابي. وذلك ما أكدته محطة السبت الماضي، التي آلت نتائجها لصالح مرشح المعارضة على حساب نائب الرئيس الحالي، نانا أكوفو أدو (2017-2024)، الذي أنهى ولايتين في الحكم باسم الحزب الوطني الجديد.
تثبت هذه النتائج استمرارية التناوب الديمقراطي الغاني على نفس الإيقاع، لأزيد من ثلاثة عقود، وتقطع دابر توقعات تكهنت باحتمالية انتهاء الثنائية الحزبية في هذه المحطة، وراهنت بالتحديد على رجل الأعمال الشاب نانا كوامي بيدياكو (44 عاما)؛ الذي كان بلا خلفية سياسية، وصاحب شعبية رقمية بين الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أدار حملة انتخابية رقمية في هذا الاستحقاق. كان سند هؤلاء في هذا الرهان، تقديرات مراقبين تفيد بأن الحسم سيكون بيد الشباب (18-35 عاما)، فهؤلاء يمثلون 10,3 ملايين من كتلة ناخبة تقدر ب 18,7 مليون مسجلا في اللوائح الانتخابية.
احتدمت المنافسة في السباق الرئاسي بين مرشح عن حزب المؤتمر الوطني الديمقراطي، جون ماهاما (65 عاما)؛ الرئيس السابق الذي حكم غانا لولاية رئاسية واحدة (2012-2016)، ثم خسِر في مساعيه لكسب ولاية ثانية أمام الرئيس المنتهية ولايته؛ نانا أكوفو-أدو، وبين محامدو باوميا (61 عاما) نائب الرئيس الحالي، باسم الحزب الوطني الجديد، الخبير الاقتصادي الذي شغل منصب المحافظ السابق للبنك المركزي.
كان النزال في هذه الاقتراع بين التجربة السياسية للرئيس السابق ماهاما في مواجهة الخبرة الاقتصادية لنائب الرئيس باوميا، فاستغل الأول إخفاقات الحزب الحاكم للعودة إلى الحياة السياسية، مركزا في حملته الانتخابية على مقارنة الأداء الحكومي خلال فترته الرئاسية بإخفاقات حكومة الرئيس الحالي ونائبه؛ منافسه الأقوى في السباق الانتخابي. وكان تراجع مؤشرات الأداء الاقتصادي خلال الولاية الثانية للرئيس الحالي، نقطة قوة استثمرها الرجل لكسب الانتخابات دون الحاجة إلى جولة ثانية.
خاض الخبير الاقتصادي باوميا الذي ينحدر من الأقلية المسلمة في البلاد الانتخابات من موقعه نائبا للرئيس، منصب لم يخدم مصالحه كثيرا، فقد تضرر من الأزمة الاقتصادية الحادة التي دخلتها غانا منذ سنوات، ما جعل الكثير من الغانيين يرون فيه المرشح العاجز عن المساهمة في إيجاد حلول للأزمة بصفته نائب الرئيس، فكيف سيكون واقع الحال حين يصبح رئيسا للبلاد.
يعود جون ماهاما، بعد ثمان سنوات من المعارضة، إلى القصر الرئاسي في أكرا بواحدة من أضعف نسب المشاركة في تاريخ غانا السياسي الحديث، بعد نيله 56 ٪ من أصوات الناخبين (3,4 مليون)، مقابل 41 ٪ من الأصوات (2,4 مليون) لمرشح الحزب الحاكم، بفارق كبير بين المتنافسين منذ الجولة الأولى، بخلاف ما كان يحدث في انتخابات سابقة. ففي رئاسيات عام 2008 مثلا، كان الفارق، في جولة الإعادة بين المرشحين، أقل من نصف نقطة مئوية. بالموازاة مع ذلك، يعود الرئيس الجديد بأغلبية برلمانية مهمة، فمن إجمالي المقاعد البالغة 275، نال حزبه 185 مقعدا.
أعلن محامودو باوميا في مؤتمر صحفي، قبل الإعلان الرسمي عن نتيجة الانتخابات، في مشهد ديمقراطي قلما نراها في القارة الأفريقية، عن أن "شعب غانا صوت من أجل التغيير"، وهو يحترم هذا القرار بكل تواضع، متعهدا بعدم الطعن في النتائج درءا لأي توتر أو صراع. وأضاف تأكيدا على أن الإجماع قائم على قداسة قواعد اللعبة الديمقراطية في البلد، "لقد اتصلت للتو بفخامة جون ماهاما لتهنئته كرئيس منتخب لجمهورية غانا".
خطوة مهمة من جانب مرشح باسم حزب حكم غانا لولايته امتدت ثمان سنوات، ويرنو إلى ولاية ثالثة مع الرجل، تؤكد الحرص الشديد من جانب كافة القوى السياسية على الانتقال السلمي للسلطة، لضمان الاستقرار في منطقة غارقة في الاضطراب والعنف؛ فقد شهدت المنطقة منذ عام 2020، نجاح خمسة انقلابات (غينيا وبوركينافاسو ومالي والنيجر والجابون). في المقابل دعى مرشح المعارضة الفائز أنصاره إلى التحلي بالهدوء خلال الاحتفالات، تفاديا لأي صدام أو عنف محتمل مع أنصار الحزب الوطني الجديد الخاسر.
أجمع المتنافسون والمراقبون على الأجواء التنافسية والطابع السلمي الذي طبع الانتخابات، فقد أكدت مفوضية الانتخابات في غانا على أن "العملية الانتخابية موثوقة، وتتسم بالشفافية"، خاصة مع اعتمادها نحو 10 آلاف صحفي، ومنح وسائل الإعلام حق الوصول إلى المركز الوطني لجمع الأصوات لأول مرة في تاريخ البلاد. وسجل المراقبون أيضا احتراما لمواعيد افتتاح وإغلاق المكاتب، بل وحتى جدول الفرز والإعلان عن النتائج في تجربة إفريقية نوعية.
يحافظ الغانيون على ديمقراطيتهم الراشدة التي أتمت عقدها الثالث؛ 32 عاما منذ عودة التعددية الحزبية إلى البلد، في وسط مضطرب تتقادم الانقلابات العسكرية والاضطرابات السلطوية. واختاروا في هذه المحطة الانتخابية الانضمام إلى موجة الدول الأفريقية مثل: كينيا وجنوب أفريقيا والسنغال وبوتسوانا... التي اختار شعوبها إسناد مقاليد الحكم إلى المعارضة.
يعود جون ماهاما إلى القصر الرئاسي، بعد ثمان سنوات من الغياب، وفي يده براءة ذمة من مزاعم فساد لاحقت حكومته، ما اعتبره مراقبون أحد أسباب عدم التجديد له لولاية ثانية. لكن مياه كثيرة جرت تحت الجسر، فخلال فترة حكم الرئيس نانا أكوفو أدو اهتزت غانا، وتراجع العديد من المؤشرات مقابل اعتراف أخرى، لتهوى البلاد سحيقا في أتون أزمة اقتصادية قاسية.
أعلنت غانا إفلاسها رسميا في ديسمبر/ كانون الأول 2022، بعد عجزها عن سداد ديون تقدر بنحو 30 مليار دولار، وبعد مفاوضات شاقة وعسيرة مع البنك الدولي توصل في مايو/ آيار 2023 إلى اتفاق بشأن حزمة انقاذ بقيمة 3 مليارات دولار، ترافقه جملة من الالتزامات الأخرى مثل: هيكلة الديون وإصلاحات ضريبية... ما سوف يشكل لا محالة ضغطا واضحا على الحكومة الجديدة.
يعود ماهاما لحكم رابع أكبر دولة أفريقية مديونية لصندوق النقد النقد الدولي، سجلت نسبة تضخم وصلت إلى 40,3٪ في عام 2023، وتباطئ لقيمة العملة المحلية السيدي الغاني بنسبة 60٪ عام 2022، وبلغ مستوى الدين العام 84,9٪ من الناتج المحلي الإجمالي في العام الماضي. وارتفعت البطالة في البلد إلى 14٪، وقفزت في صفوف الشباب (15-24 عاما) إلى نسبة 65٪ في عام 2023. هذه الأرقام زجت بقرابة 850 ألف مواطن غاني في براثن الفقر في عام 2022، ينضافون إلى ستة ملايين شخص الذين يعيشون فعليا في حالة فقر.
تنضاف هذه المشاكل إلى هيمنة القطاع غير الرسمي على سوق الشغل في غانا، فنحو 75٪ من اليد العاملة في البلاد تعمل في القطاع غير الرسمي، ما يشكل عائقا حقيقا أمام أي فرص لتحقيق نمو اقتصادي. زيادة على مشكلة التعدين غير القانوني للذهب (جالامسي) التي تؤثر بدورها على موارد غانا، فالبلاد تحتل المرتبة الأولى أفريقيا والسادسة عالميا من حيث الإنتاج. فضلا عن أزمة الطاقة التي تصل الديون فيها إلي نحو ملياري دولار، ناهيك عن تدهور قطاع صناعة الكاكاو.
وقبل ذلك، تنتظر سادس رئيس للبلاد في الجمهورية الرابعة معركة استعادة الثقة، فوفق استطلاع مؤسسة أفروباروميتر، يشعر 82٪ من الغانيين أن بلادهم تسير في المسار الخاطئ. وهذا تحديدا ما أكدته نتائج الاقتراع الأخير، فمن أصل 18 مليون ناخب، بالكاد شارك في الاستحقاق قرابة 6 ملايين شخص، ما يحتم على ماهاما الاشتغال على جبهتين بالتوازي؛ جبهة التقدم في الميدان الاقتصادي، وجبهة استعادة الثقة السياسية.
أيا تكن التحديات التي تواجه غانا، تظل البلاد قلعة ديمقراطية شامخة ترفض الانسياق وراء الرياح السلطوية التي تهب على المنطقة من حين لآخر، وما قبول ترشح محامودو باوميا المسلم الديانة، باسم الحزب الوطني الجديد، ثم حصوله على نسبة 41 ٪ من إجمالي أصوات الناخبين في بلد تقطنه أغلبية مسيحية؛ أزيد من 70٪ من السكان، سوى دليلا على أن تشبع الغانيين بقيم ومبادئ الديمقراطية.