تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الاثنين 9 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

في ظل تصاعد الفوضى.. لماذا لم تعدّ الأمم المتحدة كافية؟

24 يناير, 2026
الصورة
في ظل تصاعد الفوضى.. لماذا لم تعدّ الأمم المتحدة كافية؟
Share

يشهد النظام الدولي بقواعده ومؤسساته، في العقود الأخيرة، لحظة توترٍ عميق في بنيته الكلية الذاتية تتجاوز توصيفها كمرحلة انتقالية عابرة، أو تجسيد لفكرة "التحوّل" أو "إعادة التوازن" التي درجت الأدبيات السياسية على استخدامها عند كل أزمة كبرى. حيث بات يعاني من جدلية النشوء وإعادة التركيب بشكلٍ أصبح يقلق العالم بأسره، ولا سيما دول الجنوب العالمي التي كانت وما تزال تتكيء على قوة وحماية الدول الكبرى سواء عبر التحالفات السياسية أو التكتلات الاقتصادية أو المساعدات التنموية.

ما يتكشف منذ منتصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين هو إنذار مبكر لنهاية مركّبة لنسختين من النظام العالمي: الأولى التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية 1945 على أنقاض الدمار الشامل، والثانية التي تشكّلت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 تحت ضغط مظلة الهيمنة الأمريكية الأحادية. هذا التفكك التدريجي لا يحدث بفعل صعود قوة بديلة واحدة، إنما نتيجة تآكل داخلي في أسس الشرعية الدولية، وتراجع القدرة على إنفاذ القواعد والقانون الدولي، وصعود خطاب سياسي عالمي يشرعن القوة والصفقة والأمر الواقع بوصفها أدوات حكم مشروعة.

في هذا السياق، تأتي خطابات قادة غربيين في دافوس عند المنتدى الاقتصادي العالمي الذي انطلق في 19 يناير/كانون الثاني الجاري، وورقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الصادرة في ديسمبر/كانون الأول 2025، وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المثيرة للقلق والجدل في ولايته الثانية، بوصفها مؤشرات لا على أزمة طارئة، إنما على تحوّل بنيوي في تصوّر العالم لنفسه بشكل تدريجي، وفي الطريقة التي تُدار بها العلاقات بين الدول وكيف يُدار الإزمات ولاسيما المصيرية.

كما هو واضح من خلال الأحداث الكبرى التي باتت تظهر وتحدث باستمرارٍ، لم يعد القانون الدولي، ولا المؤسسات متعددة الأطراف، ولا منظومة التحالفات التقليدية، تشكل شبكة أمان حقيقية للدول، خصوصاً المتوسطة والصغيرة منها. ما نشهده اليوم هو انتقال متسارع من عالم تحكمه القواعد ـ ولو نظرياً ـ إلى عالم تحكمه القدرة على الفرض والتهديد والعقاب وإدارة الأزمات بدلاً من حلّها.

وهم الاستقرار وتحوّل العقيدة الأمريكية

منذ بداية الحرب الباردة، ساد افتراض مركزي في الفكر السياسي الغربي مفاده أن نهاية هذه الحرب تمثّل انتصاراً نهائياً للنظام الليبرالي القائم على القواعد وصعود الرأسمالية وحدها. ولم يكن هذا الافتراض مجرد سردية أكاديمية، إنما كانت تحاول أن تصبح أساساً لسياسات دولية، وتوسعات مؤسسية، وتدخلات عسكرية واقتصادية جرى تبريرها باسم حماية النظام الدولي ذاته مثل غزو العراق. غير أن هذا النظام يبدو أنه كان هشاً في جوهره، لأنه قام على اختلال فادح في موازين القوة، وعلى افتراض قبول دائم من بقية العالم بالهيمنة الأمريكية بوصفها ثمناً للاستقرار والحماية. كما اتضح أن الحديث عن "نهاية التاريخ" لم يكن شعاراً فلسفياً فحسب، إنما غطاءً أيديولوجياً لتمديد نموذج سياسي واقتصادي بعينه بوصفه النموذج الوحيد الممكن.

يلخص منطق المرحلة: من لا يملك أدوات القوة أو التحالف الفعّال، يصبح موضوعاً للابتلاع والاستهداف والالتهام. فالعالم أصبح، حسب خطاب كارني، يستخدم سلاسل التوريد والبنية المالية والتكامل الاقتصادي أسلحة

اليوم، يتهاوى هذا الوهم. ليس لأن قوة بديلة فرضت نظاماً جديداً، إنما لأن القوة المهيمنة نفسها قررت الانسحاب من دور "الضامن" والانتقال إلى دور "المستفيد السريع". وأبرز المحطات الشاهدة؛ صفّت إدارة ترامب الوكالة الدولية للتنمية، وانسحبت من أفغانستان في اللحظة الحرجة، وحوّلت الصراع في الكونغو الديموقراطية إلى مجرد ملف أمني اقتصادي دونما أي مطامح لحماية النظام السياسي، وتعزيز قيم الديمقراطية. وكما هو ماثل فإدارة ترامب في ولايتها الثانية لا ترى في الحفاظ على النظام الدولي والتحدّث عن إرساء الديمقراطية، عبئاً أخلاقياً أو أهدافًا ومصالح استراتيجية بعيدة المدى فحسب، إنما تكلفة غير مبررة يجب التخلّص منها لصالح صفقات قصيرة الأجل تحقق مكاسب طائلة مباشرة.

يمثّل ترامب في ولايته الثانية، ظاهرة مختلفة جذرياً عن ولايته الأولى. في الفترة السابقة، كان محاطاً بمؤسسات ووزراء استطاعوا ـ ولو جزئياً ـ كبح اندفاعه نحو قرارات تهدّد بنية التحالفات والمؤسسات التقليدية. أما اليوم، فهو يقود تياراً سياسياً متطرفاً، يبدو متماسكاً داخل الحزب الجمهوري، هو تيار "ماغا" (فلنجعل أمريكا عظيمة مجددً) الذي يرى أن التزامات الولايات المتحدة تجاه الحلفاء تقيد حريتها، وتستنزف مواردها دون مقابل مباشر. ففي هذه العقيدة الجديدة، لا مكان لفكرة "القيادة العالمية المسؤولة". من هنا، يصبح إصرار ترامب بضم غرينلاند، أو ممارسة ضغوط غير مسبوقة على كندا وأوروبا، أو استخدام التعريفات الجمركية سلاحا سياسيا، أفعالاً منسجمة تماماً مع تصور يعتبر القوة حقاً طبيعياً لمن يمتلكها.

أوروبا بين الصدمة والبحث عن بدائل

التصعيد الخطابي والسياسي لإدارة ترامب نحو ضم الجزيرة الدانماركية وغيرها من الملفات الكبرى داخل أسوار الأمم المتحدة، وضع أوروبا أمام مأزق أمني وجودي حاسم. فالقارة العجوز التي بنت أمنها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على المظلة الأمريكية، تجد نفسها بغتةً أمام حليف يتعامل معها بوصفها عبئاً أو خصماً محتملاً. فبات يسود في بريطانيا وألمانيا وفرنسا خطابٌ متزايد القلق من انهيار حلف الناتو أو تحوّله إلى إطار فارغ من المضمون.

إن مثل هذا النمط من المؤسسات لا يعالج الظلم أو يعيد التوازن، بل يشرعن الإكراه ويحوّل السلام إلى وظيفة إدارية تُدار من قبل القوى القادرة، فيما تُقصى الدول الأضعف من التأثير الحقيقي في القرار

تجسدّ كلمة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، لحظة وعي نادرة من دولة حليفة تقليدية للولايات المتحدة. حين يقول إن "النظام القديم لن يعود"، فهو لا يعلن موقفاً سياسياً ظرفياً، إنما يقرّ بنهاية إطار كامل من العلاقات الدولية ذات الصبغة التقليدية التي قامت عقب نهاية الحرب العالمية الثانية. فتحذيره بأن القوى المتوسطة إن لم تكن على الطاولة ستكون على "قائمة الطعام"، يلخص منطق المرحلة: من لا يملك أدوات القوة أو التحالف الفعّال، يصبح موضوعاً للابتلاع والاستهداف والالتهام. فالعالم أصبح، حسب خطاب كارني، يستخدم سلاسل التوريد والبنية المالية والتكامل الاقتصادي أسلحة.

لم تعد التحالفات التقليدية صالحة بوصفها ضمانة تلقائية للأمن. فمفهوم التحالف في صورته الجديدة لم يعد قائمًا على الثقة أو الخطاب القيمي، بل على تقاسم الكلفة والمخاطر والقدرة على التعطيل المتبادل. التعاون بين القوى المتوسطة على وجه الخصوص، لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة استراتيجية لرفع كلفة الإكراه التي تمارسها القوى الكبرى، وخلق هامش مناورة يمنع التحول إلى كيانات تابعة أو مُدارة.

مخاطر نشوء "مجلس السلام" وتصاعد الشعبوية

في ظل عجز الأمم المتحدة ومجلس الأمن عن فرض قرارات ملزمة، واتخاذ اجراءات حاسمة، ولاسيما حول العديد من النزاعات المعقدة والمتجددّة ووسط الانتقادات المتكررة لهيكلها الجامد وغير العادل وقواعد اتخاذ القرارات وتنفيذها، برزت أفكار لإنشاء أطر بديلة؛ فكرة إنشاء "مجلس السلام" التي جاءت عقب قمة شرم الشيخ في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2025 برئاسة مشتركة بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترمبومشاركة قادة أكثر من عشرين دولة، ولا زال ترامب يمطط الأمر ليحوّله إلى منظمة دولية، تشبه عمل مجلس السلم والأمن الأممي، وفي ذلك مخاطر جسيمة محتملة على مستقبل الأمم المتحدة ووكالاتها المختلفة، خاصة إذا ذهب هذا المجلس، والذي تم التوقيع على ميثاقه بانضمام العديد من الدول أبزرها تركيا وإسرائيل والأرجنتين وأغلب دول الخليج العربي بعيدًا في تداخلاتها في النزاعات الماثلة في العالم اليوم مثل: غزة وأوكرانيا والسودان والكونغو الديموقراطية.

التحرك المبكر لم يعد ترفًا، إنما شرط البقاء. فالواقع العالمي الجديد، ستكون القوة فيه ليست عيباً فحسب، إنما لغة وخطاب وسردية. والسؤال لم يعد كيف نعيد القواعد، بل كيف نعيش في عالم لم تعدّ فيه القواعد هي الحكم النهائي

حاليًا، وحسب تصريحات ترامب، يُقدَّم هذا الطرح للمجلس بوصفه حلاً عملياً لإدارة الأزمات مثل غزة، ثم الذهاب نحو بقية الأزمات. لكنه في جوهره يمثل خطراً بنيوياً على ما تبقى من الشرعية الدولية، ومؤسسية منظمة الأمم المتحدة كمظلة دولية جامعة على فكرة منع تكرار الحروب عبر إطار قانوني جماعي عالمي، وحل الأزمات وإنهاءها في كل أرجاء العالم. كما تتجلى في تحركات إدارة ترامب المثيرة للجدل وتدخلاتها العالية الكلفة، والعقلية الشعبوية المتطرفة التي تمثّلها خطابات ترامب، يبدو أن هذا المجلس لا يسعى إلى حل النزاعات، بل إلى إدارتها.

يبقى الأكثر إثارةً هو تزامن فكرة تأسيس مجلس السلام مع صعود خطاب إدارة ترامب الذي يتسم بنزعة شعبوية هجومية غير مسبوقة في العلاقات الدولية، لا يستهدف الخصوم فقط، إنما الحلفاء أيضاً، ويقوم على الإهانة العلنية والضغط المباشر ورفض الدبلوماسية التقليدية. الأمر الذي أصبح يخلق بيئة عالمية عالية التوتر، حيث تُستبدل اللغة الدبلوماسية بلغة التهديد، والنتيجة هي تطبيع الصراع بوصفه حالة دائمة، وتآكل الثقة بوصفها أساس أي تحالف مستقر. وعليه فإن مثل هذا النمط من المؤسسات لا يعالج الظلم أو يعيد التوازن، بل يشرعن الإكراه ويحوّل السلام إلى وظيفة إدارية تُدار من قبل القوى القادرة، فيما تُقصى الدول الأضعف من التأثير الحقيقي في القرار.

التداعيات والاقتصاد والاعلام كأدوات ضغط

تفتح تحولات السياسة الأمريكية الأبواب واسعةً أمام قوى إقليمية ودولية لإعادة رسم الحدود الجيوسياسية، ولاسيما تلك التي تعاني من تصدع ونزاعات متجددّة بالقوة بدل التفاوض ولغة المساومة. الصين تراقب تايوان عن كثبٍ بل ذهبت إلى أن إجراء مناروات عسكرية وفرض عقوبات على حلفائها، في ظل غياب استعداد أمريكي لتحمل كلفة مواجهة طويلة. روسيا ترى في تردد الغرب فرصة لتكريس مكاسبها في أوكرانيا وربما أبعد من ذلك. والصراع الإقليمي والدولي حول إقليم صوماليلاند التي باتت تتحرك باستقلالية أكبر بعد الإعلان الإسرائيلي الاعتراف بها دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، وتداعياتها الكبرى على القرن الأفريقي. في هذا السياق، يصبح منطق الردع التقليدي أقل فاعلية، لأن غياب الالتزام الأمريكي يخلق فراغاً استراتيجياً يشجع على المغامرة في كل الأصعدة والجبهات.

لم يعد الاقتصاد وموارد الجغرافيا السياسية بعد الآن، مجالًا محايدًا، بل تحوّل إلى ساحة صراع مركزية، لدرجة أن أصبح أحد أبرز ملامح النظام الجديد هو عسكرة الاقتصاد. التعريفات الجمركية والعقوبات الاقتصادية والحروب التجارية والتحكم في سلاسل التوريد والطاقة والغذاء والتكنولوجيا، أصبحت أدوات ضغط مركزية: أدوات مباشرة لإخضاع الدول الضعيفة والممانعة وإعادة ترتيب سلوكها السياسي. الدول التي لا تملك حدًا أدنى من السيطرة على مواردها الحيوية أو شبكة تحالفات اقتصادية متينة تصبح عرضة للابتزاز، بغض النظر عن قوتها العسكرية أو موقعها الجغرافي. هذا التحوّل بات يضرب بعنف الدول التي تعتمد على الانفتاح الاقتصادي دون امتلاك بدائل داخلية. والنتيجة هي عالم أكثر انقساماً، تتراجع فيه العولمة لصالح كتل متنافسة، وتصبح فيه القدرة على الصمود الاقتصادي شرطاً للبقاء السياسي.

إلى جانب ذلك، يلعب الإعلام دورًا حاسمًا في تطبيع منطق القوة وصناعة الشرعية، مثلما بات الإعلام الامريكي يتحدث وفي التوازي تصرخ الصحف الاوروبية. السيطرة على السرديات، وتوجية الرأى العام، وتطبيع استخدام القوة، وإعادة تعريف ما هو مقبول أو مشروع، أصبحت جزءًا لا يتجزأ من أدوات الردع والضغط والعقاب السياسي وباتت عناصر أساسية في إدارة الصراعات. من ينجح في صناعة الرواية، ينجح في تقليل كلفة استخدام القوة، وتحويل الاعتراض الدولي إلى ضجيج أخلاقي بلا أثر سياسي فعلي. القوة لم تعد فقط ما يُمارس على الأرض فحسب، إنما ما يُقنع الجماهير بقبوله أو تجاهله أو التطبيع معه قسرًا بمنطق الأمر الواقع.

هكذا، كأن العالم بات يدخل تدريجياً، مرحلةً لا مكان فيها للأوهام. القواعد لم تختفِ، لكنها لم تعدّ توفر حماية حقيقية. المؤسسات لم تنهَر، لكنها فقدت القدرة على منع الابتلاع أو فرض الالتزام. السيادة لم تعدّ مفترَضة، إنما تُنتزع بالقوة والقدرة الاقتصادية والسياسية والاعلامية. من لا يمتلك أدوات الردع والتحالفات الصلبة لن يكون فاعلاً، بل مجرد موضوع للسياسات والقرارات التي يفرضها الأقوياء.

إن جوهر المعركة ليس مواجهة القوى الكبرى عسكرياً، إنما بناء شبكات ردع متعددة المستويات، وتعزيز الاكتفاء الذاتي، وتشكيل كتل قادرة على رفع كلفة الإكراه. وعليه فالتحرك المبكر لم يعد ترفًا، إنما شرط البقاء. فالواقع العالمي الجديد، ستكون القوة فيه ليست عيباً فحسب، إنما لغة وخطاب وسردية. والسؤال لم يعد كيف نعيد القواعد، بل كيف نعيش في عالم لم تعدّ فيه القواعد هي الحكم النهائي. وحينها لا يعود العالم إلى ما كان عليه، ليس لأن ترامب وحده قوي، إنما لأن بنية النظام القديم فقدت شروط استمرارها، في نظام مغاير ماضٍ ليتشكّل، لا توجد فيه سلطة عليا ضامنة، ولا قوانين قادرة على فرض الالتزام، بل توازن هش بين قوى تمتلك القدرة على الإيذاء، وأطراف تحاول النجاة ضمن فضاء ضيق من الخيارات.