السبت 7 مارس 2026
أعلنت الرئاسة الجنوب أفريقية شكرها وامتنانها لنظيرتها الروسية، لدورها في إعادة مواطنين جنوب أفريقيين كانوا محاصرين في معارك دونباس، بعد أن تم استدراجهم للقتال كمرتزقة إلى جانب الجيش الروسي، وجاءت استجابة لاستغاثة أطلقوها في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي يطالبون فيها بإعادتهم لبلدهم مؤكدين تعرضهم للخداع.
هذه المستجدات أعادت للواجهة الملف الشائك للمقاتلين الأجانب في الحرب الروسية الأوكرانية، بعد الحديث عن الآلاف الشباب المجندون لصالح موسكو من مناطق كثيرة؛ من سوريا إلى كوريا الشمالية ثم دول أفريقية عديدة، حيث أظهرت تقارير وجود مجندين أفارقة آخرون محاصرون في جبهات القتال الأمامية، وأسرى لدى أوكرانيا.
أخبار عودة الشباب الجنوب الأفريقيين والإعلان عن أسر ومقتل آخرين، أحيا ملف التجنيد بطرق احتيالية للقتال إلى جانب الجيش الروسي، حيث يتم وعدهم بوظائف في مناطق أجنبية مثل الخليج وأوروبا، ثم يجرى تسفيرهم إلى روسيا. ويتبخر الحلم حين يجدون أنفسهم في جبهات القتال الأوكرانية. وتتضح معالم القصص المتشابهة عن مصير شباب أفارقة وقعوا ضحية الاحتيال، من شبكات تجنيد تنقلهم إلى ساحات المعارك من جنوب أفريقيا صعودا إلى زيمبابوي فكينيا ونيجيريا وغيرها. تكشف التقارير الصحفية والاستخباراتية خداع هؤلاء الشباب وتسفيرهم لجبهات القتال بأوكرانيا، كاستراتيجية روسية غير معلنة لسد نقص في القوات، والتخفيف عن جنودها المنهكون من ضراوة المعارك.
تنفي موسكو بشدة مزاعم تجنيد المرتزقة الأجانب، وأكدت غير ما مرة بأنها ليست بحاجة للمقاتلين الأجانب، بالرغم من أن القانون الروسي يسهل حصول الأجانب على الجنسية في حال تعاقدهم مع الجيش لأكثر من عام. كما تفضح تسجيلات جنودها من قلب المعارك والجبهات مشاركة الأجانب في هذه الحرب الممتدة؛ أخرها مقطع فيديو متدوارل قبل أيام، على وسائل التواصل الاجتماعي، يظهر مواطنا أفريقيا يرتدي الزي العسكري مع لغم أرضي مربوط بصدره، وتعاليق روسية عنصرية تستهزئ منه واصفا إياه "بأداة لفتح الطريق"، ويقصد به إرسال أمثاله من المجندين إلى المواقع والتحصينات الأوكرانية لتفجيرها أو اختراقها.
يتم استدرج الشباب المحلي وإيهامه بإغراءات مالية ووظائف، لكن دون أن يدري أن مقبلة على رحلة بلا عودة، ويتأكد معها أن الهشاشة وقود للحروب في الداخل كما في الخارج
في جنوب أفريقيا تجري أشواط محاكمة ثلاثة أشخاص من بينهم، دودوزيل زوما-سامبودلا، ابنة الرئيس الجنوب الأفريقي السابق جاكوب زوما، متهمة بتجنيد مواطنين لصالح الجيش الروسي، وجاءت بعد ادعاءات اتهامية ضدها بتهمة بخداع أشخاص والاتجار بهم مقابل وعود احتيالية بوظائف خارج البلاد، ليجدو أنفسهم في ساحات المعارك. وللمفارقة أن تحقيق الشرطة انطلق بعد اتهام أختها غير الشقيقة بالضلوع إلى جانب شركاء لها في التجنيد والتحايل، أغلبهم من عائلة زوما إلى خارج البلاد، تحت حجة تدريبهم في مجال الأمن، ليجدو أنفسهم بمحاور القتال لصالح الجيش الروسي، ورغم نفيها لهذه الاتهامات، فقد استقالت من منصبها عضوة في البرلمان.
تعقيدات الملف ستتضح معالمها أكثر في نيروبي، إذ كشفت المخابرات الكينية في تقرير قدم إلى البرلمان عن تجنيد أكثر من 1000 كيني أغلبهم خدعوا، واضطروا للتوقيع على عقود عسكرية، والحديث عن وجود أكثر من 89 على خط المواجهة و39 مصابون في مستشفيات و28 مفقود. أعلن وزير الخارجية الكيني، موساليا مودافادي، في 10 فبراير/شباط الجاري، إعادة أكثر من 20 مواطنا من الحرب، وأكد بأن حكومة بلاده تعارض استخدام مواطنيها للقتال، وعزمه القيام بزيارة إلى موسكو للتباحث حول هذا الملف.
كشف وزير الخارجية الأوكراني عن تجنيد روسيا لأكثر من 1780 أفريقي بطرق احتيالية واستدراجهم لمناطق القتال
في سياق متصل، أشارت تقارير غربية ذات الصلة إلى أن مسلسل التجنيد يتأسس على وجهين: الاحتيال والخداع في شبكات الأنترنيت كما في الميدان، وترعاه وكالات توظيف مجهولة بتواطؤ مع موظفين بالمطارات وأفراد من السفارة الروسية في نيروبي. وسارعت هذه الأخيرة لنشر بيان على حسابها في منصة إكس ينفي صحة هذه الادعاءات، مؤكدة عدم مشاركتها في عمليات التجنيد غير القانوني المزعومة.
يبدو بأن مثل هذه البيانات لا ينفي وقائع الميدان؛ ففي أواخر السنة الماضية، فككت الشرطة الكينية شبكة للاتجار بالبشر، كما تمكنت من إنقاذ أكثر من 20 شخص تم استدراجهم للعمل في موسكو، وتمت مصادرة وثائق وخطاب تتضمن عروض للعمل وهمية. وأكد الضحايا توقيعهم عقود مع وكالة توظيف خارجية ودفع مبالغ لقاء التأشيرات والإقامة وغيرها، كانت ستنتهي بهم وسط أزيز المعارك الضارية.
يتكرر النمط ذاته بعد كشف استهداف مواطنين أوغنديين ونيجيريين، وفي زيمبابوي وغانا والسنيغال والكاميرون واللائحة تطول مع استمرار هذه التقارير الاستقصائية، ومعها الأرقام صادمة، لكن يصعب تدقيقها. فالتقديرات الأوكرانية تشير بأنهم أكثر من ألف مقاتل، وينحدرون من أكثر من 36 دولة أفريقية، وكشف وزير الخارجية الأوكراني عن تجنيد روسيا لأكثر من 1780 أفريقي بطرق احتيالية واستدراجهم لمناطق القتال.
تختلف قصص الضحايا لكن الطريقة واحدة، استقطاب من شبكات التهجير بعد إغوائهم بعروض عمل مغرية، تتجاوز حدود الإغراءات المالية إلى وعود براقة بالعمل في مهن مدنية بكافة المجالات التجارية والأمنية وغيرها، ثم تعهدات بالحصول على الجنسية الروسية. فعادة ما يتم الاستدراج بطريق احتيالية للعمل خارج البلاد بوعود مغرية، أجور عالية وحياة جديدة. لكن بمجرد الوصول إلى روسيا، يتم الضغط عليهم لتوقيع عقود باللغة الروسية، ليتم التنقيل على عجل إلى معسكرات التجنيد، حيث يخضعون لتدريب سريع على القتال، وأخيرا، إقحامهم في الخطوط الأمامية للمعارك.
تشير تقارير عديدة إلى ارتفاع عدد الأفارقة المجندين بالجيش الروسي من 177 شخص عام 2023 إلى 592 عام 2024، ليصل العام الماضي إلى 647 شخصا. فيما تشير التقديرات الأوكرانية إلى أكثر من ذلك، إذ صرح وزير خارجيتها، في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بأنهم عددهم يتعدى أكثر من ألف مواطن أفريقي. طبعا لم تأتي هذه اّلأرقام من فراغ، إنما جاءت كمحصلة لتحركات شبكات الاستدراج، والتي تستثمر في كافة المحاور من أجل تجنيد الشباب الأفريقي وإقناعهم بالسفر للأراضي الروسية، تنتهي الرحلة سريعا بالالتحاق القسري بجبهات القتال.
يظهر مواطنا أفريقيا يرتدي الزي العسكري مع لغم أرضي مربوط بصدره، وتعاليق روسية عنصرية تستهزئ منه واصفا إياه "بأداة لفتح الطريق"، ويقصد به إرسال أمثاله من المجندين إلى المواقع والتحصينات الأوكرانية لتفجيرها أو اختراقها
تتنوع وسائل التجنيد والاستدراج، حيث تشكل تطبيقات التواصل الاجتماعي محطة أساسية للاستدراج والإغراء، ويعد تطبيق المراسلة (تيليغرام) الذي يستخدم على نطاق واسع في روسيا وأوكرانيا محطة أساسية. توقف تقرير عن شبكة تتزعمها روسية نجحت في تجنيد أجانب، بعد إقناعهم بصرف مبالغ مالية ووعود تشغيلية مغرية من خلال هذه المنصة. زيادة عن شبكة التواصل الاجتماعية الروسية الشهيرة (VKontakte)، التي تعد منصة أخرى للاستدراج، وتنشر مقاطع فيديوهات تجنيدية وتحفيزية، وفي باقي المنصات؛ (لينكدان والفايسبوك وتيكتوك وغيرها)، فضلا عن الانفتاح على المؤثرون الأفارقة للترويج لهذه الفرصة-الوهم.
كما سجل انفتاح على غيرها من المنصات الإلكترونية، فقد تم توثيق استخدام (منصة ديسكورد) الخاصة بالتواصل بين هواة الألعاب الإلكترونية لذات المهمة، حيث تم التواصل مع شابين من جنوب أفريقيا أثناء لعبهم لعبة المحاكاة العسكرية، وبعد محادثات معمقة تم ترتيب سفرهم إلى روسيا، بعد إقناعهم بوعود العمل والحصول على الجنسية، وانتهى بهم المطاف في جبهة القتال، وتأكد مقتل أحدهم فيما بقي مصير الآخر مجهولا.
تتجاوز الأساليب الإقناع الإغراءات المادية إلى الاحتيال في كافة المجالات، فقد صرح الرياضي الكيني ايفانز بأنه وقع ضحية احتيال، واستدراج بعد ايهامه بالمشاركة في مهرجان رياضي لألعاب القوى بسانت بطرسبرغ، وتم دفع التكاليف الكاملة للرحلة الرياضية المزعومة إلى جانب رياضيين آخرين، تم عرضت عليه فرصة عمل مزيفة ووقع العقود الخاصة، لكنه سيجد نفسه في جبهات القتال ثم أسيرا إلى جانب العشرات لدى الجيش الأوكراني.
كل من سقط في حبال هذه الشبكات ينتهي إما مفقودا بعد أن تنقطع الاتصالات مع أفراد عائلته أو يعلن جريحا أو مقتولا، والمحظوظ من يسقط أسيرا في معسكرات الأسرى الأوكرانية. تشير تقارير ميدانية عن إحصاء مئات المحتجزين من جنسيات أفريقية متعددة في معسكرات الأسر في انتظار تقرير مصيرهم.
تستمر الظاهرة رغم الإنكار الروسي، وتفضح هذه الأساليب استغلال التحديات التي تواجه المجتمعات الأفريقية؛ عدم الاستقرار السياسي والمجتمعي والأوضاع الاقتصادية المتردية والبطالة والبحث عن فرص لتحسين الأوضاع المعيشية...، حيث يتم استدرج الشباب المحلي وإيهامه بإغراءات مالية ووظائف، لكن دون أن يدري أن مقبلة على رحلة بلا عودة، ويتأكد معها أن الهشاشة وقود للحروب في الداخل كما في الخارج.
القوات الأوكرانية إلى جانب حديثها عن إدانة هذه العمليات التجنيدية، -رغم أنها أيضا تنتقد لتجنيدها رعايا أجانب للقتال لصالحها-، تتعهد بأنها ستعامل من يقاتلها كمقاتل عدو إلا في حالة الاستسلام، واعدة بالتعامل معهم كأسرى حرب. ومع ارتفاع أعداد هؤلاء الأسرى، تصرح باستعدادها فتح مفاوضات مع البلدان الأصلية لهؤلاء الأسرى من أجل تسليمهم لبلدانهم، أو إدراجهم في ترتيبات عمليات تبادل الأسرى مع روسيا.
في هذا السياق، نجحت بعض التحركات الأفريقية في إعادة مواطنيها المخدوعون كجنوب أفريقيا وكينيا وغيرها، وتعهد وزير الخارجية الغاني عزم بلاده استثمار منصة الاتحاد الأفريقي من أجل التوعية والتحذير من خطر هذه الشبكات وأساليبها الخداعية. وبشكل استباقي، استطاعت بعض الدول أن تحبط عمليات للتجنيد، ففضحت أساليب شبكات الاستدراج، لكن ذلك يبقى محدودا أمام قدرة هذه الشبكات على تنويع وسائلها وتغيير طرقها وإغراءاتها.
بالنهاية، بعد أربع سنوات من الحرب والدمار المتبادل بين موسكو وكييف ومسلسل المفاوضات الصعبة، تستمر المعارك بين الجانبين وتفضح استقطاب المقاتلون الأجانب، الغرباء من افريقيا وغيرها، باستغلال حاجتهم وسعيهم لتحسين ظروفهم، فيجدون أنفسهم أسرى في مواجهات لا قبل لهم بها، ليتحولوا لوقود لأطول حرب في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، ولتفتح هذه المواجهات وجها آخر من مأساة الأفارقة الممتدة داخل بلدانهم وخارجها.