تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 7 يونيو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
كتب

في "رجال الأقدار": نظيفة محمد تستعيد ماضي بريطانيا العنصري عبر مصير بحّار صومالي

18 مايو, 2026
الصورة
في "رجال الأقدار": نظيفة محمد تستعيد ماضي بريطانيا العنصري عبر مصير بحّار صومالي
Share

في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2019، سمعتُ عن رواية جديدة تتتبع الرحلة المأساوية للبحّار الصومالي محمود متان إلى حي تايغر باي في كارديف خلال القرن العشرين؛ ذلك الرجل الذي أُدين ظلما بقتل ليلى فولبرت، ثم اقتيد إلى المشنقة في سبتمبر/أيلول 1952. المثير في الأمر أن جدّي عاش هو الآخر في كارديف في تلك الفترة، لهذا سارعت إلى التواصل مع الكاتبة نظيفة محمد لأسألها عمّا إذا كان له حضور في الرواية. أكدت لي أنه مذكور فيها، ولكن "في موضع عابر جدا". كنت سأشتري الرواية في كل الأحوال، غير أن هذه المعلومة زادت من حماستي لها؛ فليس مألوفا أن يعثر المرء على قريب له بين صفحات رواية مرشحة لجائزة البوكر.

وُلدتُ في كارديف ونشأتُ فيها، لذلك فوجئت حين اكتشفت أن جدّي الأكبر، الذي يظهر في الرواية باسم "دوعالّيه الشيوعي"، كان حاضرا في محاكمة محمود متان. كان رجلا ناشطا وبارزا، ومصدر إزعاج دائم لشرطة جنوب ويلز، التي رأت، بحسب أرشيفها، أنه كان "يخالط الشيوعيين من دون وعي". وبينما كنت أقلّب سجلاتهم عنه، لم أتمالك نفسي من الضحك: هل كانوا يظنون حقا أنه لا يعرف ما ترمز إليه المطرقة والمنجل؟

مع ذلك، عشتُ معظم حياتي من دون معرفة أن آخر رجل صدر بحقه حكم بالإعدام في بريطانيا كان صوماليا، وأنه شُنق في المدينة التي كبرت فيها، وربما كان يعرف أحد أقاربي. لكن الأكثر إدهاشا هو أن هذه القصة طُمست بهدوء، وتُركت عمدا للنسيان، إلى أن أعادتها نظيفة محمد إلى الضوء، وساعدت في إيصالها إلى جمهور عالمي من خلال روايتها "رجال الأقدار". صحيح أن متان بُرّئ بعد وفاته عام 1998، لكن ذلك لم يكن ليخفف كثيرا من ألم أصدقائه وأبنائه، ومنهم من تلقّى ما كُشف عن والده بمرارة شديدة، ولا من حزن زوجته المفجوعة، لورا.

لا يبدو التنبيه إلى "حرق الأحداث" ضروريا في هذه الرواية؛ فكثيرون كانوا يعرفون سلفا كيف ستنتهي حكاية بطلها. ومع ذلك، تمنح الرواية قرّاءها الكثير، وتنجح الكاتبة ببراعة في أمرين أساسيين: فمن ناحية تلملم شتات قصة حياة محمود متان، وتعود إلى محاكمته ببحث دقيق يكاد يكون جنائيا، وفي الوقت نفسه ترسم المشهد الذي جرت عليه هذه المأساة، حتى نفهم السياق الأوسع الذي أحاط بها. فقد كانت تايغر باي، الميناء الرئيسي في كارديف، منذ وقت مبكر واحدة من أكثر مناطق بريطانيا تنوعا وانفتاحا، حيث تشكّل فيها مجتمع نابض بالحياة، متعدد الخلفيات، شديد الثراء في تفاصيله، جاء أفراده من أنحاء مختلفة من الإمبراطورية.

لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تضع القارئ أمام سؤال أوسع يتعلق بماذا يبقى من العدالة حين يُجرَّد الإنسان من حقه الأساسي في أن يُعامل بوصفه إنسانا؟

تكشف أوصاف نظيفة محمد كيف تحوّلت كارديف من مدينة هادئة ومتجانسة في جنوب ويلز إلى حاضرة صغيرة صاخبة، جريئة، وغنية ثقافيا: موكب من رجال ضخام أشبه بالفايكينغ، بلحى شقراء وقمصان ممزقة ملطخة بدماء العراك؛ وفرق من جيش الخلاص تبحث عن سكارى كي تنقذهم؛ ويمنيون وصوماليون يرتدون الجلابيب ويمشون احتفالا بالعيد؛ وجنازات فخمة لآخر القباطنة الأثرياء في ميدان لَوندون؛ وأطفال كاثوليك يرتدون الأبيض في عيد جسد المسيح، يتقدمهم قائد طبول يلوّح بعصاه؛ وفرق كاليبسو مرتجلة تعزف في الشوارع لتجمع ما يكفي من المال للقيام بجولة في البلاد؛ وألعاب نرد في الأزقة تنتهي أحيانا بضحكات سعيدة، وأحيانا بتهديدات قاسية؛ ونساء من بائعات الهوى أشبه بالعصافير، يهيئن أنفسهن لاقتناص زبون عابر… تلك هي تايغر باي القديمة، التي أُسيء إليها كثيرا، وديعة في النهاية كأسد في سيرك.

لم تكن الأحواض تمتد على أكثر من ميل مربع واحد، وكانت محاصرة ومعزولة عن بقية المدينة. لكنها كانت، على ضيق مساحتها، تضم العالم كله. ومن ذلك العالم خرجت أسماء وشخصيات تركت أثرها في المدينة وخارجها. فقد استضافت كارديف المغني والناشط والرياضي بول روبسون، وقدّمت شيرلي باسي وباتي فلين. وفيها أيضًا عاش الشيخ سعيد إسماعيل؛ أشهر إمام في ويلز، وهو ابن بحّار يمني وأم إنجليزية، وظل يخدم مجتمعه في كارديف أكثر من خمسين عامًا، إلى أن توفي عام 2011.

أما جدّي الأكبر، فكان من أوائل أعضاء رابطة الشباب الصومالي، التي كان لها فرع نشط في كارديف حتى قبل مقديشو، وكان على صلة بالاشتراكية المعروفة والمناضلة من أجل حق المرأة في التصويت سيلفيا بانكهرست، التي اهتمت بعمق بسياسات شرق أفريقيا.

في روايتها الأخيرة "رجال الأقدار"، والتي اختيرت ضمن القائمة القصيرة لجائزة بوكر عام 2021، تعيد نظيفة محمد بناء ذلك العالم بعناية لافتة؛ عالم واسع يضم طيفا من الشخصيات الغريبة والآسرة، جمعتها تيارات الحياة وحملتها إلى كارديف، من دون أن تمنحها القدرة على التحكم بمصائرها.

غير أن هذا الثراء الإنساني والثقافي كان يتحرك في ظل واقع بالغ القسوة في بريطانيا الخمسينيات، حيث كانت العنصرية جزءا من الحياة اليومية. كانت الألفاظ العنصرية تُتداول بلا حرج، والاضطرابات العرقية تتكرر، فيما كانت الصحافة تنشغل بتوبيخ الأقليات والسخرية منها بقدر انشغالها بمساءلة الحكومة والسلطات. فقد نددت صحيفة ساوث ويلز ديلي، على سبيل المثال، بما وصفته بـ"التدفق الكبير للأعراق الأصلية".

في الرواية، يختصر ضابط شرطة متعصب نظرة كثيرين في كارديف إلى تايغر باي آنذاك، حين يصف الموانئ بأنها "جلدنا المتشقق"، الذي تتسلل عبره، بحسب تعبيره، "كل أصناف المثليين والسود والبلطجية والشيوعيين والخونة". وبعد صدور الحكم على محمود متان، بلغ التحقير ذروته حين وصفه محاميه نفسه بأنه "نصف طفل من أبناء الطبيعة، ونصف همجي شبه متحضّر".

كانت تعرف، عبر تاريخ عائلتها وتجربة والدها، شيئا من العنصرية التي واجهها متان، ومن شعور الاقتلاع الثقافي، ومن الإهانات اليومية، ومن صعوبة بناء حياة في بيئة عدائية، بعيدة كل البعد عن ألفة الوطن وطمأنينته في الصومال

في مواجهة هذا المناخ العنصري، يظهر محمود متان في الرواية شخصية صلبة، لا تنحني بسهولة ولا تقبل المساومة. وحين يحرمه أحد حرّاس السجن من الماء، وهو على الأرجح ينتظر حكمًا قد يفضي به إلى المشنقة، يردّ عليه بعبارة غاضبة وفجّة، كأنه يرفض حتى في تلك اللحظة أن يؤدي دور الضحية المستكينة. وفي لحظة أكثر هدوء، يتأمل موقفه من العالم، ورفضه أن يكون ذلك المهاجر الصامت، المهذب، الممتن على الدوام. عندها يصل إلى خلاصة حادّة: إن ما يتبقى له، وسط كل هذا الظلم، هو كبرياؤه ورغبته في ردّ الاعتبار.

لكن نظيفة محمد لا تتعامل مع متان كدمية روائية تضع في فمه ما تشاء، ولا تحرّكه من بعيد لتصنع منه بطلا على مقاس فكرة مسبقة. قربها منه أعمق وأكثر تعقيدا. فوالدها، الذي استلهمت سيرته في روايتها الأولى فتى المامبا السوداء، كان هو الآخر بحّارا صوماليا، وجاء إلى بريطانيا في سن قريبة من السن التي جاء فيها متان. بهذا المعنى، الكاتبة ليست غريبة عن هذه الحكاية، ولا عن ظلالها الممتدة. كانت تعرف، عبر تاريخ عائلتها وتجربة والدها، شيئا من العنصرية التي واجهها متان، ومن شعور الاقتلاع الثقافي، ومن الإهانات اليومية، ومن صعوبة بناء حياة في بيئة عدائية، بعيدة كل البعد عن ألفة الوطن وطمأنينته في الصومال.

تصف محمد النزعة الفلسفية لدى متان بأنها تنتمي إلى "مدرسة المقهى الفكرية"؛ أي ذلك المزيج من الحكم البدوية المكثفة التي كان يسمعها من رجال صوماليين مسنين، وهم يجلسون حول أكواب الشاي ويتأملون الحياة وخيباتها. جوهر هذه الحكمة بسيط وقاس: الحياة مليئة بالمشقة، ولا شيء يدوم، ولا ينبغي للمرء أن يعلّق قلبه كثيرا بهذه الرحلة القصيرة والمحفوفة بالمخاطر. ومن هذا المنظور، لا يبدو متان مسؤولا وحده عن كل ما آل إليه مصيره. فكلما حاول أن يستجمع نفسه، وأن يجد طريقا مستقرا لكسب رزقه، أغلقت الأبواب في وجهه؛ مرة لأن اسمه بدا غريبا، ومرة لأن بشرته كانت، في نظر الآخرين، أغمق مما ينبغي.

حتى عودته إلى الإيمان جاءت في لحظة مواجهة قاسية مع النهاية، وهو ينتظر حكما قد يودي بحياته. في زنزانته، حاول في يأسه الأخير أن يخترق صمت الجدران الخرسانية، وأن يمدّ صوته إلى الله طلبا لمعجزة. لكن النداء بقي معلّقا بلا جواب، وكأن الواقع يعيده بعنف إلى حجمه الإنساني الهش، بعد أن كان قد بدّد أيامه بين التباهي والحياء، ناسِيًا أن الحياة يمكن أن تنكسر بسهولة غصن تحت قدم. عند تلك الحافة، بدا له أن في الانكسار نوعًا من التواضع، وأنه صار يرى حكمة الله بوضوح لم يعرفه من قبل.

مع ذلك، لا تحاول نظيفة محمد أن تصنع من محمود متان قديسًا، ولا أن تبرر أخطاءه أو تغضّ الطرف عن تناقضاته. حتى علاقته بأمه لم تكن علاقة دافئة أو مستقرة. ولهذا لا تبدو الرواية حملة دفاع متحمسة عن رجل أُريد له أن يستعيد سمعته فحسب؛ بل هي أعمق من ذلك وأكثر تعقيدًا. فهي لا تبرّئه أخلاقيًا بقدر ما تسائل العالم الذي حاصره، والقانون الذي خذله، والمجتمع الذي لم يره إنسانًا كامل الحقوق.

استحوذت هذه القصة على نظيفة محمد منذ عام 2004، حين عثرت على قصاصة صحفية تتناول إعدام محمود متان، بعنوان مؤلم يقول إن امرأة - هي لورا، زوجته - بكت بينما كان حكم الشنق يُنفَّذ بالرجل الصومالي. غير أن صدور الرواية جاء في زمن منح الحكاية دلالات إضافية؛ إذ ظهرت بعد عام واحد من موت جورج فلويد على أيدي ضباط شرطة في مينيابوليس. وفي المدينة نفسها التي تدور فيها أحداث الرواية، توفي محمود حسن عام 2020، بعد وقت قصير من خروجه من عهدة شرطة جنوب ويلز، وكانت آثار العنف ظاهرة عليه. وكان التحقيق في تلك القضية لا يزال جاريًا آنذاك.

في لحظة أكثر هدوء، يتأمل موقفه من العالم، ورفضه أن يكون ذلك المهاجر الصامت، المهذب، الممتن على الدوام. عندها يصل إلى خلاصة حادّة: إن ما يتبقى له، وسط كل هذا الظلم، هو كبرياؤه ورغبته في ردّ الاعتبار

كما في حالة متان، تعرّض الرجلان لسوء معاملة على أيدي سلطات كان يُفترض أن يكونا في حمايتها. ومن هذه المسافة الدقيقة تحديدًا، بين الإنسان، أيًا تكن أفعاله أو خلفيته، وبين حقوقه التي يكفلها القانون، تتكشف الدلالة العميقة للرواية. فهي لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تضع القارئ أمام سؤال أوسع يتعلق بماذا يبقى من العدالة حين يُجرَّد الإنسان من حقه الأساسي في أن يُعامل بوصفه إنسانًا؟

بنبشها هذه الحكاية المنسية، تعيد نظيفة محمد كارديف إلى الحياة في لحظة كانت فيها مدينة متقدمة على زمنها، وتعيدها كذلك إلى الخريطة بوصفها مسرحًا لتاريخ بريطاني شديد التعقيد. وهي تفعل ذلك عبر حكاية رجل واحد، كان يمكن أن يظل في نظر التاريخ شخصًا عابرًا بلا شأن. لم يعش محمود متان حياته وهو يظن أن قصته ستصبح ذات معنى عالمي، لكن القدر باغته ووضعه في قلب حكاية أكبر منه. تصفه محمد بأنه شبح، أو ظل إنساني في حركة. وما تفعله الرواية أنها تمنح هذا الظل لونًا وملامح، وتمنح قصته معنى عميقًا، وتكسو باللحم هيكلًا عظميًا حاولت كارديف طويلًا أن تخفيه في خزانتها.

بنبش هذه الحكاية المنسية، تعيد نظيفة محمد الحياة إلى كارديف في لحظة كانت فيها مدينة سبّاقة على زمنها، وتعيدها أيضًا إلى الخريطة بوصفها مسرحًا لتاريخ بريطاني بالغ التعقيد. تفعل ذلك من خلال حكاية رجل واحد، كان يمكن أن يظل في هامش الذاكرة، شخصًا عابرًا لا يلتفت إليه أحد. لم يعش محمود متان حياته وهو يظن أن قصته ستكتسب يومًا معنى عالميًا، لكن القدر باغته، ودفع به إلى قلب حكاية أكبر منه بكثير.

تصفه الكاتبة بأنه "شبح"، أو "ظل إنساني في حركة". وما تفعله الرواية، في جوهرها، أنها تمنح هذا الظل لونًا وملامح، وتعيد إلى قصته معناها ووزنها الإنساني. إنها تكسو باللحم هيكلًا عظميًا حاولت كارديف طويلا أن تخفيه في خزانتها.