تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 16 مايو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
كتب

في نقد الإثنوفلسفة وتحديات التأسيس المعرفي الأفريقي

2 مايو, 2025
الصورة
book
Share

منذ منتصف القرن العشرين، برزت الفلسفة الأفريقية بوصفها حقلا معرفيا ناشئا، يسعى إلى استعادة الفضاء الفكري الأفريقي من تهميش مزدوج: خارجي يتمثل في الاستعمار وخطاب الهيمنة المعرفية الغربي، وداخلي يتمثل في تردد بعض المفكرين الأفارقة عن الاعتراف بقيمة التقاليد الثقافية المحلية، بوصفها مصادر معرفية وفلسفية. وقد مثلت الإثنوفلسفة؛ أي الفلسفة المستنبطة من العادات والتقاليد والأمثال والأساطير الأفريقية، محور جدل حاد بين تيارين: تيار يدعو إلى تأصيل الفلسفة الأفريقية من داخل موروثها الثقافي، وآخر يرفض هذا المسار بدعوى غياب الطابع العقلاني والنقدي في ما يُسمى "الإثنوفلسفة".

كان بولان جي. هونتونجي من أبرز المنتقدين للإثنوفلسفة، معتبراً إياها خطابًا وصفياً يخلط بين الأنثروبولوجيا والفلسفة، ويكرّس صورة جامدة وجماعية عن العقل الأفريقي، دون أن يفتح المجال لتعدد الآراء والنقد العقلاني الفردي. وقد شكّلت أطروحة هونتونجي أساساً لما يُعرف بـ"نقد الإثنوفلسفة"، الذي أصبح أحد أهم المحاور في الجدل حول مشروعية الفلسفة الأفريقية.

غير أن هذا النقد، رغم مساهمته في حثّ المفكرين الأفارقة على تطوير خطاب فلسفي عقلاني ومنهجي، لم يخلُ من إشكالات. فقد ساهم أحياناً في تعميق نوع من القطيعة بين الفلسفة والموروث الثقافي الأفريقي، وأعاد إنتاج منطق التبعية للمعايير الغربية في تقويم ما هو فلسفي. فالاشتراط المسبق بضرورة التماهي مع النماذج الغربية للفكر النقدي قد يحول دون الاعتراف بأشكال بديلة من العقلانية، ويغفل البعد السياقي والتاريخي الذي تتجلى فيه الفلسفة في المجتمعات غير الغربية.

في هذا السياق، يدعو مفكرون معاصرون مثل: باسكا مونغويني إلى مقاربة أكثر توازناً، لا تسقط في فخ التمجيد غير النقدي للموروث، ولا في استبطان معايير الإقصاء الغربية. فالفلسفة الأفريقية، كما يرى مونغويني، ليست في حاجة إلى إثبات أهليتها بناءً على النموذج الغربي، بل إلى إعادة بناء ذاتها من خلال الاعتراف بتعدد أشكال العقلانية، وتفعيل الإمكانات الفلسفية الكامنة في الممارسات الثقافية والتقليدية الأفريقية. وهذا ما يتطلب تفكيكاً نقدياً لمفهومي "الكونية" و"الفلسفة" أنفسهما، وإعادة التفكير في شروط الاعتراف المعرفي العادل.

برزت الفلسفة الأفريقية بوصفها حقلا معرفيا ناشئا، يسعى إلى استعادة الفضاء الفكري الأفريقي من تهميش مزدوج: خارجي يتمثل في الاستعمار وخطاب الهيمنة المعرفية الغربي، وداخلي يتمثل في تردد بعض المفكرين الأفارقة عن الاعتراف بقيمة التقاليد الثقافية المحلية بوصفها مصادر معرفية وفلسفية

من هنا، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه مشروع التأسيس المعرفي الأفريقي ليس فقط استعادة الصوت الأفريقي في الخطاب الفلسفي العالمي، بل أيضاً مساءلة البُنى التي تُقصي هذا الصوت أو تختزله في أنماط معرفية غير قابلة للنقد أو التطوير. ولعلّ المدخل الأجدى لهذا التأسيس هو الانطلاق من تجارب الشعوب الأفريقية وتقاليدها الحية، لا بوصفها جاهزة للتقديس أو الرفض، بل بوصفها مادة أولية للتفكير النقدي والتأمل الفلسفي المستمر.

إنّ نقد الإثنوفلسفة، بما له وما عليه، يجب أن يتحول من موقف سلبي إقصائي إلى أداة تفكيك بنّاءة، تفتح أفقًا لفلسفة أفريقية قادرة على الإنصات لذاتها، ومساءلة تاريخها، والتفاعل مع باقي الفلسفات العالمية دون شعور بالدونية أو رغبة في التقليد. وفقط حينها، يمكن الحديث عن تأسيس معرفي أفريقي يُنهي مرحلة الدفاع عن "وجود الفلسفة الأفريقية"، وينطلق إلى إنتاجها في تعددها وتاريخها، وإمكاناتها التحررية.

في كتابه "الفلسفة الأفريقية: التحرر والممارسة" الصادر عام 2022 عن دار منشروات بلومسبوري، يقدّم الفيلسوف الجنوب أفريقي باسكا مونغويني، تحليلاً عميقًا لـ"الاندفاع التحرّري في ممارسة الفلسفة الأفريقية"، وذلك في سياق المظالم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي عانت منها أفريقيا نتيجة الاستعمار والاستعمار الجديد. 

يُعبّر مونغويني في هذا الكتاب عن قلق بالغ إزاء تهميش أفريقيا فكريًا، وهو تهميش لا يتجلى فقط في إنكار وكالتها المعرفية، بل أيضًا في تردد العديد من الأفارقة في المساهمة بإنتاج معرفة متجذرة في تقاليدهم الثقافية. فالكتاب، في جوهره، يسعى لمواجهة الظلم المعرفي الذي يواجهه المفكرون الأفارقة في سعيهم لفهم ذواتهم في ضوء السياقات الثقافية والتقليدية المتنوعة في أفريقيا. يُنبّه مونغويني إلى أن إقصاء معرفة شعب ما من عمليات إنتاج المعنى، يُعد شكلًا من أشكال الظلم المعرفي. ويظهر ذلك، بحسبه، في ازدراء الممارسات الثقافية التقليدية في أفريقيا، واعتبارها "إثنوفلسفة".

الفلسفة الأفريقية، كما يرى مونغويني، ليست في حاجة إلى إثبات أهليتها بناءً على النموذج الغربي، بل إلى إعادة بناء ذاتها من خلال الاعتراف بتعدد أشكال العقلانية، وتفعيل الإمكانات الفلسفية الكامنة في الممارسات الثقافية والتقليدية الأفريقية

يرى مونغويني أن التراث الشفهي للفلسفة الأفريقية ما زال مُهمّشًا، مقارنة بكمّ الكتابات الفلسفية التي ظهرت في منتصف القرن العشرين. في مقدمة الكتاب، يُجري مراجعة نقدية جادة للأدبيات المتعلقة بالفلسفة الأفريقية، منتقيًا منها نصوصًا من مختلف أنحاء القارة، تساعده على دحض المناهج الفرضية، التوحيدية والوصائية التي طغت على سردية الفلسفة الأفريقية، مبرزا من خلالها البُعد التحرّري الذي تحمله هذه الفلسفة. إذ يرى أن "الفلسفة يجب أن تسهم في تحرير أفريقيا"، وهي رؤية تُشكّل الإطار المفاهيمي العام للكتاب، وتُبرز ارتباط الفلسفة الأفريقية بالنضالات التاريخية التي خاضتها الشعوب الأفريقية.

من المهم الإشارة إلى أن تاريخ الفلسفة الأفريقية ظلّ حتى وقت قريب مقترنًا بالإقصاء والنفي والجدل والشك. لذا، يستهل مونغويني الفصل الأول بتحليل خريطة تطور هذا الحقل المعرفي، ثم يعرض للمناظرات والخلافات التي شكّلت مسار تطور الفلسفة الأفريقية، خاصة "نقد الإثنوفلسفة" الذي أطلقه بولين هوتوندجي. 

يسعى مونغويني إلى ترسيخ الأسس المنهجية والمعرفية للفلسفة الأفريقية باعتباره حقلا مستقلا، وبالموازاة مع ذلك يسلّط الضوء على ما يعتبره شكًا ذاتيًا، وتردّدًا في تأكيد الهوية الفلسفية الذاتية، نتيجة النقد العنيف للإثنوفلسفة، بخلاف التعدديّة والانقسامات التي ميّزت الفلسفة الغربية. 

تبرز آثار هذا النقد في استبعاد العديد من التقاليد الفلسفية الأفريقية من دائرة الفلسفة "الشرعية"، رغم إقراره بأن النقد نفسه ساهم في تحفيز النقاشات الفلسفية، ورفض النزعات التوحيدية والتمركز حول الآخر. مع أن نقد الإثنوفلسفة ساعد على رفض التصورات الخارجية المفروضة، إلا أن آثاره السلبية على مسار الفلسفة الأفريقية لا يمكن تجاهلها. 

نقد الإثنوفلسفة، بما له وما عليه، يجب أن يتحول من موقف سلبي إقصائي إلى أداة تفكيك بنّاءة، تفتح أفقًا لفلسفة أفريقية قادرة على الإنصات لذاتها، ومساءلة تاريخها، والتفاعل مع باقي الفلسفات العالمية دون شعور بالدونية أو رغبة في التقليد

يُناقش مونغويني في الفصل الثاني قضايا الهوية والفهم الذاتي، كقضايا أخلاقية في جوهرها، ويقترح استراتيجيات تفكيك استعمارية لمواجهة الخوف من التعبير الفلسفي التقليدي الأفريقي. يربط بين هذا الخوف وبين آثار الاستعمار والنموذج التحليلي الغربي، معتبرًا أن هذا الواقع أسهم في إضعاف الاهتمام بالفلسفات الشفوية والممارسات الثقافية التي من شأنها تعميق الفهم الذاتي والتاريخي والمعرفي. من هنا، يرى مونغويني أن دراسة الثقافات والتجارب المعاشة للأفارقة تُعدّ "مهمة وفعالة لإعادة بناء الفلسفة الأفريقية"، ويُشدد على أهمية استخدام اللغات الأفريقية في هذا المسعى.

أما الفصل الثالث، فيُركّز على مركزية الحوار الفلسفي كأداة لمواجهة الهيمنة المعرفية الغربية، والتقاليد "الضيقة والإقصائية". فالفلسفة الأفريقية تمتلك القدرة على الإسهام في الفلسفات العالمية، وأن الحوار بين التقاليد الفلسفية يُوسّع آفاق الفهم المتبادل، ويُعمّق التجربة الإنسانية. ويُصرّ على أنه لا توجد تقاليد فلسفية تحتكر الحقيقة أو تزعم الكونية، في عالم يتسم بتعدّد الرؤى والتجارب، وكلها مشروعة وجديرة بالاهتمام.

يُعيد مونغويني في الفصل الرابع طرح قضية استعمار المعرفة باعتبارها مشكلة لم تُحلّ بعد. ويُشدّد على أن "تفكيك الاستعمار والتحوّل والأفرقة" باتت ضرورة ملحة لمواجهة إخضاع المعارف الأفريقية. كما يرى أن هذه العملية تتطلّب إعادة تموضع أفريقيا في مركز السرد المعرفي، لتتمكن من الاستفادة من معارفها في حل مشكلاتها الخاصة، وتتحرر من الهيمنة والتهميش اللذين فرضتهما نظريات الكونية الغربية التي سعت لتقزيم مساهمة الشعوب الأخرى في الحضارة. 

مع إقراره بأن المؤسسات الأفريقية تواجه تحديات كبيرة في هذا المسار، يُشبّه مونغويني عملية تفكيك استعمار المعرفة ببناء سفينة وأنت لا تزال على متنها، إلا أنه يرى أن الحاجة لهذه العملية أصبحت أكثر إلحاحًا في ظل تصاعد الأصوات المطالبة بالتحرر في أفريقيا والشتات الأفريقي.

في الفصل الخامس والأخير، يُؤكّد مونغويني أن تقديم بعض التقاليد الفلسفية المهيمنة كمرجعية كونية يجب أن يُراجع ويُنتقد. فالفلسفة بوصفها ممارسة إنسانية عالمية لا بد أن تنفتح على التعدّدية الثقافية والمعرفية. ويُذكّرنا بأن الفلسفات المختلفة يجب أن تُفهَم كجداول فكرية تجوب أراضي متعددة، تحمل في طياتها التراث التأملي للبشرية رغم اختلاف المواقع. ويختم باستحضار فلسفة "أوبونتو" الأفريقية، كفلسفة إنسانية تسعى لتحقيق العدالة والكرامة والاحترام والعيش الكريم، وتُجسّد في الوقت نفسه قدرة التقاليد المختلفة على المساهمة في الفلسفات العالمية، والبقاء متجذّرة في سياقاتها المحلية.

الفلسفة بوصفها ممارسة إنسانية عالمية لا بد أن تنفتح على التعدّدية الثقافية والمعرفية. ويُذكّرنا مونغويني بأن الفلسفات المختلفة يجب أن تُفهَم كجداول فكرية تجوب أراضي متعددة، تحمل في طياتها التراث التأملي للبشرية رغم اختلاف المواقع

يرى الباحث موناماتو شمهورو في مقال مراجعة لكتاب مونغويني أنه يتميّز بالحذر في استخدام المفاهيم والمصطلحات المثيرة للجدل مثل: "الفهم الذاتي" و"تفكيك الاستعمار" و"التمركز حول الآخر" و"الخارجية المعرفية". لكنه أحيانًا يستخدم عبارتي "الفلسفة في أفريقيا" و"الفلسفة الأفريقية" بشكل متبادل، مع أن الأولى قد تُفهم بشكل أوسع يشمل ممارسة الفلسفة الغربية في أفريقيا، وهو ما قد لا ينسجم تمامًا مع موقفه النقدي من النزعات الغربية. 

كما يذكر مونغويني أن "السبعينيات وبداية الثمانينيات كانت من أهم الفترات في تشكّل الفلسفة الأفريقية وظهورها في المناهج الجامعية". إلا أن هذا الطرح قد يبدو متناقضًا مع دعوته لتأصيل الفلسفة الأفريقية في التقاليد المحلية، إذ يفترض أن هذه الفلسفة كانت موجودة قبل تلك المرحلة، لكن مونغويني يوضح أن ما حصل في تلك الفترة هو بدء تقنينها أكاديميًا.

في المجمل، يُعدّ هذا الكتاب من أبرز الأعمال التي تناقش قضايا الظلم المعرفي في الفلسفة الأفريقية بعمق وجدية. ومن المؤكد أنه سيكون مرجعًا لا غنى عنه لكل من يهتم بالفلسفة الأفريقية المعاصرة أو بالفلسفات العالمية. فقد نجح مونغويني في توضيح أهمية الفهم الذاتي، وضرورة الاستفادة من التقاليد الفكرية الأفريقية، باعتبار ذلك السبيل نحو التحرّر المعرفي، والانخراط النقدي البنّاء مع التقاليد الثقافية والفلسفية الأفريقية، بما يتيح للفلسفة الأفريقية أن تتجاور وتتفاعل مع سائر الفلسفات العالمية.