الأربعاء 15 أبريل 2026
طغت قدرة رواد منصات التواصل الاجتماعي على إنتاج قضايا وجدل يومي، في بيئة سياسية واجتماعية مضطربة على ما عداها من مؤسسات الفكر التقليدية. وكان من أحدث مظاهر ذلك، ما أثاره هؤلاء في مصر من انتقاد منح مهرجان القاهرة السينمائي (نوفمبر/تشرين الثاني 2024) المخرجة السنغالية الشابة ماتي ديوب جائزة أفضل فيلم أفريقي، عن فيلمها الأخير "داهومي" Dahomey (2024). قام الانتقاد على خلفية انتمائها لتيار "الأفروسنتريك". وبعد أسبوع تقريبًا وُجهت انتقادات مماثلة لأطروحة علمية (جامعة القاهرة، 2016) عن التيار وأحد أبرز رواده شيخ أنتا ديوب؛ لتبنيها وجهة نظر الأفروسنتريك تمامًا.
لكن ما يلاحظ هو تجاهل الجذل لمضمون فيلم داهومي، أو مجمل مشروع المخرجة ديوب بالغ الطموح سينمائيًا، فإن تناول الأطروحة العلمية قدم قراءة سريعة لنصها، وإشارات مهمة لخلاصات الأطروحة، ودوافع وضع نتائجها لخدمة تصور سياسي مسبق؛ وهي قراءة افتقرت للأخذ بفرضية أساسية ألا وهي: ضرورة تقدير الحرية الأكاديمية ومناقشة الأطروحات المختلفة وأفكارها بأطروحات مغايرة أو ناقدة. لكن المثالان يبرزان تراجعًا ملموسًا في النقد والحرية الفكرية، في ظل حالة "الانكشاف المعرفي" الراهنة، التي يعاني منها حقل الدراسات ذات الصلة بتيار الأفروسنتريك تاريخيًا وفكريًا.
حققت المخرجة السنغالية الشابة ماتي ديوب (مواليد 1982) نجاحات سينمائية ملفتة؛ توجتها في العام الجاري بنيل فيلمها الأخير "داهومي" جائزة دب برلين الذهبي؛ بعد أن نالت عام 2019 جائزة لجنة التحكيم الكبرى بمهرجان كان السينمائي عن فيلهما Atlantics؛ لتجمع بين جائزتين عالميتين كبيرتين في فترة وجيزة، ما مثل إنجازًا لم يسبقها إليه مخرج أفريقي.
كان هذا الإنجاز دافعًا لإدارة مهرجان القاهرة السينمائي، في دورته الأخيرة (نوفمبر/تشرين الثاني 2024)، لتكريمها، ومنحها "جائزة أفضل فيلم أفريقي" وفق برنامج "أفريقيا بلا فلتر" Africa No Filter. المستحدث في هذه الدورة. وعن حيثيات منح لجنة التحكيم الجائزة للفيلم نقرأ بأن "الطريقة المؤثرة التي يعرض بها هذا الفيلم موضوع استرداد التراث الثقافي كوسيلة لاستعادة التاريخ الأفريقي، ومعالجته بشكل مهم آثار الاستعمار: لقد قدمت المخرجة هذه القضايا بحساسية وذكاء؛ مما يجعل الفيلم تأملًا قويًا في التاريخ والحاضر".
أرسلت ديوب بدورها رسالة خطية للمهرجان أكدت خلالها تعبير سينماها "عن مقاومة المعاناة الأفريقية (المستمرة)، وضرورة الفخر بجذورنا"، وسعيها إلى تقديم "سرد أفريقي"؛ قبل اقتباسها عن شيخ أنتا ديوب مقولة عن الأصول الأفريقية- الزنجية للحضارة الإنسانية بدءًا من وادي النيل، وإسهامات الأفارقة في جميع مناحي الحضارة العالمية.
لكن بمجرد التقاط متابعين على صفحات التواصل الاجتماعي ذكر اسم شيخ أنتا ديوب، ثم تأكيد البعض زورًا أنها ابنة شيخ أنتا ديوب المتوفَي عام 1986، سرت موجة احتجاج سيبراني على تلك الصفحات، لما اعتبرته تكريمًا لشخصية داعية "للمركزية الأفريقية"، ومتبنية لفكر أنتا ديوب الذي يرجع أصل الحضارة المصرية لشعوب "أفريقية".
وصلت الهجمات حد المطالبة بإقالة رئيس المهرجان حسين فهمي، وباستقراء عدد من التعليقات لوحظ ترديد عبارات متشابهة من قبيل تعرض مصر لهجمة مخططة من تيار الأفروسنتريك، وأن هناك غياب حكومي عن الرد على مثل هذه الحملات؛ مما يؤشر إلى جنوح نحو تعميم مألوف في الآونة الأخيرة عند إثارة مثل هذه القضايا، فيما لم تتطرق التعليقات لفيلم داهومي، وما يثيره من قضية تهم أغلب الدول الأفريقية، وفي مقدمتها مصر، ألا وهي: مسألة سرقة الآثار والتراث الأفريقي ومحاولات استردادها.
في مفارقة مهمة -في النقاش الحالي- شهدت السينما المصرية تجربة مبكرة مماثلة لفيلم داهومي لماتي ديوب، لكن قبل أكثر من خمسة عقود، عندما قدم المخرج الراحل شادي عبد السلام (التلميذ النجيب للمخرج الإيطالي روبرتو روسيليني) فيلمه الأيقوني "المومياء" عام 1969؛ حول حكاية كشفت خبيئة مومياوات الدير البحري بالأقصر نهاية القرن 19، ومسألة سرقة أجانب للآثار المصرية بالتعاون مع بعض الأهالي؛ الذين وصفهم الفيلم بالخونة. واختتم الفيلم بمشهد مهيب ينقل توابيت الخبيئة المكتشفة إلى القاهرة، عبر باخرة نيلية في موكب آسر يليق بملوك حقيقيين، ووسط حفاوة شعبية أصيلة متمسكة بجذورها.
حظي الفيلم عند عرضه في مهرجانات سينمائية أوروبية بتقدير نقدي بالغ، ربما لم يحظ به فيلم مصري آخر؛ لاسيما لجهة لغته السينمائية، وإنتاجه الفني ورؤيته البصرية، التي عززتها الموسيقى التصويرية بتوقيع الإيطالي ماريو ناشيمبيني، ما أضفى جوًا استشراقيًا بامتياز، وجد قبولًا حارًا لدى المشاهدين الأوروبيين. واعتبر الفيلم من قبل نقاد كثر، من بينهم إليوت جولا "Elliot Golla" في دراسته عن الفيلم والدولة الوطنية المصرية (2009)، الأهم في التعبير عن الهوية الوطنية المصرية.
يُذَكر فيلم داهومي لديوب، وهو إنتاج وتوزيع فرنسي بالمشاركة مع شركة مملوكة للمخرجة، بفيلم المومياء المصري من عدة أوجه، مثل الحفاوة الغربية الواضحة به رغم توجهاته المناهضة لتداعيات الاستعمار، ومناقشته مسألة سرقة الآثار الأفريقية (آثار مملكة داهومي الشهيرة في التاريخ الأفريقي) التي نقل المستعمر مئات الآلاف من قطعها الأثرية إلى متاحف وبيوت عاديات أوروبا وأمريكا الشمالية، واعتبار قصته وسيلة لمناقشة مسألة الهوية الوطنية، بأساليب سرد بالغة التميز بصريًا.
كشفت ديوب في مقابلات هامة عقب عرض فيلمها مؤخرًا، في مهرجان نيويورك السينمائي (أكتوبر/تشرين الأول 2024)، أن تصوير فيلم داهومي لاستعادة 26 قطعة من الكنوز الملكية الداهومية من أحد متاحف فرنسا: كان ممزوجًا بقصص الشتات الأفريقي بلغة سينمائية فريدة. كما صنفت فيلمها بأنه وثائقي تجريبي، مؤكدة أنه كان مشروعًا روائيًا حتى لحظة إعلان باريس عزمها إعادة القطع لبنين. وهكذا فإن مضمون الفيلم بعيد تمامًا -وحرفيًا- عن أفكار المركزية الأفريقية، كما تتصورها صفحات التواصل الاجتماعي المصرية والصحف التي نقلت عنها في الآونة الأخيرة؛ بل إن الفيلم يلتقي، مضمونًا وتميزًا سينمائيًا، مع فيلم المومياء الذي يتمتع بمكانة خاصة في ذاكرة الوعي المصري.
تكشف هذه المقارنة، من جهة ثانية، عن فجوة ملفتة في مسار تصوير قضايا التاريخ والثقافة المصرية سينمائيًا، بعد ذروة المومياء منذ أكثر من نصف قرن، لا سيما عند مقارنتها بتطور سينمائي سنغالي- أفريقي راهن، يتجاوز في تصوره الحالة "القطرية" إلى تصور أفريقاني حقيقي؛ بحيث باتت تجربة ديوب معبرة عن ثقافة غرب أفريقية متجانسة، يمكن ان تكون معبرة عن مجملة الثقافة الأفريقية، مضافًا لها مقبولية ملحوظة لدى قطاعات كبيرة في الدوائر الغربية.
يحيلنا هذا الأمر إلى مأزق استحكام حالة الانغلاق الواضحة في الثقافة المصرية (سينمائيًا على الأقل في المقام الحالي)، لاسيما من جهة محيطها الأفريقي المعاصر والتفاعل معه، وهو جدل قديم جديد بأي حال، يعززه نمو ثقافة شعبوية منقولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مقابل دينامية ثقافية أفريقانية آخذة في الصعود على أكتاف جيل شاب، يملك أدوات فهم مجتمعه وعلاقاته بالخارج.
بعد نحو أسبوع من هجمة "السوشيال ميديا" على المخرجة ماتي ديوب، ثار جدل مثير للغاية، ووثيق الصلة بتكريم ديوب وفيلمها داهومي، بفيديو في حدود 20 دقيقة حول مضمون أطروحة علمية صادرة عن جامعة القاهرة (2016). تبنت بشكل واضح، حسب مناقشات مكثفة على صفحات "فيسبوك" لنص الأطروحة، أفكار الأفروسنتريك وإرجاع أصول الحضارة المصرية القديمة "حصرًا" لجذور زنجية؛ فيما وصفته تلك الصفحات "بالفضيحة العلمية".
كشف هذا التفاعل، دون قصد بطبيعة الحال، عن قصور حقيقي، سواء كمًا أم كيفًا، وعلى نحو مزمن، في تناول الأكاديميا المصرية لهذه المسألة بالغة الحساسية بنوع من الجرأة والحرية. فضلًا عن الخمول في انتهاج قواعد علمية ضرورية لمقارعة أفكار هذا التيار وفق أسس علمية متعارف عليها، مقابل تطورات ملفتة فيه في الولايات المتحدة على وجه التحديد.
بغض النظر عن جدية هذه الاتهامات من عدمه، ومدى دقة الحجج التي أثارتها لاسيما أخطاء الأطروحة في استدلالاتها اللغوية بين الهيروغليفية و"اللغات الأفريقية المعاصرة" (ضمن فصل خاص عن "الفرعونية والبحث في الأصل الزنجي للمصريين القدماء في الفكر السياسي للشيخ أنتا ديوب")، فإن بناء الأكاديميا المصرية يبدو، بحالته "الوظيفية" الراهنة وباستثناءات بالغة الضآلة، هشًا للغاية في مواجهة أفكار هذا التيار وأطروحاته بأدوات جادة؛ الأمر الذي يسري على مجمل حقل الدراسات الأفريقية المتقاطع مع مسألة "المركزية الأفريقية"، واتضح في ترك مجمل المواجهة في السنوات الأخيرة في يد أحد المسؤولون عن الآثار المعروف بكونه "واجهة إعلامية" للدولة، وما تلا ذلك من إفساح المجال أمام حملات منصات مواقع التواصل الاجتماعي لتصدر المشهد، الأمر الذي زاد من تعقيد المشهد.
تكررت مثل هذه الهجمات الشعبوية في مناسبات سابقة، مثل تلك التي أثيرت عقب بث مسلسل "الملكة كليوباترا" على منصة نتفليكس، وإلغاء حفل المغني الأفروأمريكي كيفين هارت في القاهرة، مطلع عام 2023، ومؤخرًا في الاتهامات التي طالت ماتي ديوب.
كشفت ضراوة الهجمة وتعليقات متابعوها؛ من قبيل وصم جميع الرسائل العلمية في الجامعات المصرية بأنها "مجرد تجميع لصفحات من مؤلفات سابقة"، دون توظيف منهجي علمي ما، وما ألمحت له صاحبة الضجة المثارة من وجود باحثين آخرين في "جامعات مصرية أخرى" يتبنون أطروحات الأفروسنتريك في بحوثهم، على حد قولها في الفيديو الذي حظي بمتابعة جيدة للغاية؛ يكشف كل ذلك عن تراجع دور الأكاديميا مقابل صعود "السوشيال ميديا"، بل وانفصال الأولى عن عملية وضع مقاربة جادة للتحديات التي تواجه "الهوية الوطنية".
ختامًا، يتسق إبداع ماتي ديوب السينمائي، صاحبة أول فيلم لمخرجة أفريقية يعرض في مسابقة مهرجان كان الرسمية، والثانية من أفريقيا التي تحصل على أرفع جوائز مهرجان برلين، بعد نحو 20 عامًا من فوز الجنوب أفريقي "الأبيض" مارك دورنفورد- ماي Mark Dornford-May بالجائزة نفسها عن فيلمه U-Carmen eKhayelitsha في العام 2005، مع أفكار التناول الجاد، دون خوف وخارج الصندوق تمامًا، على حد تعبيرها في مقابلة أخيرة، لقضايا أفريقية عامة، مثل أزمة الشباب والهجرة والهوية واستعادة التراث الأفريقي المنهوب.
يبدو أن رسالتها التي تُليت في ختام مهرجان القاهرة، واقتباسها عن شيخ أنتا ديوب، كانت تؤكد -بالأساس- على مثل هذه الرؤية، وسعيها لتأكيد مكانة أفريقيا في العالم باعتبار القارة كيانًا واحدًا. في مقابل انشغال السوشيال ميديا المصرية بالأساس بفكرة الأفروسنتريك، وقيادتها هذا التفكيرنيابة عن مراكز التفكير والبحث والأكاديميا المنوط بها هذا الجهد افتراضًا.