الأربعاء 14 يناير 2026
إنَّ الفاشرَ ليست مجرد نقطة على خارطةِ الوجود، بل هي عينُ الحكمة التي سالت بالدموعِ، ومدينة اكتوتْ بنارِ الظُّلمِ، فصارَ الألمُ نَسيجَها، والحسرة عِمادَها. هي عاصمة دارفور، التي نُقِشَتْ على جدرانها حكاياتُ الممالكِ ومرارةُ الثورات. في كل زاوية من أزِقَّتها، تكمن عبرة، وفي كل حجر شهادة على عظمة خلت ومأساة حلت. هذه البقعة من الأرض، التي كان يفترض بها أن تكون منارة للعطاء، غدتْ اليوم، ويا لَلأسف، تصارع من أجل بقائها، محاطة بأسوار القلق ورياحِ المجهول، لتتحول إلى ما وصفتهُ أيما وصف بليغٍ: "دوّامة يا صديقي"، دوّامة من الألم لا تنتهي فصولها.
منذ الخامسِ عشرَ من أبريل/نيسان عام 2023، انطلقتْ في السودان شرارة حرب لم تترك حجرا على حجر، ومنذ ذلك التاريخِ المَشؤوم، تهاوت الفاشر في محنة الحصار. شهور ثقيلة مرت عليها كجبال مرة، وهي ترزح تحت وطأة التَّطويقِ، لا تسمع إلا صليل السلاحِ وأنين الجياعِ. لقد تحوَّلَ الزمنُ فيها إلى عَدٍّ قاسيٍّ للأيامِ التي انقضتْ، كلُّ يومٍ فيها يُشبهُ عاماً في قسوتهِ، والمدينةُ قابِعةٌ في صَدرِ الوَجعِ، تستغيثُ بالصَّمتِ المطبقِ للعالم، وهي تكتوي بنارِ الحصارِ الذي أوقفَ دُفوفَ الحياةِ وكمَّمَ أفواهَ الرَّحمةِ.
في زحمة هذه المأساة المُمتدة، لم يكن أهونها المجزرة التي وَقَعَتْ في أواخرِ شهرِ أكتوبر/تشرين الأول، وهي شهادةٌ دامغةٌ على عجزِ الإنسانيةِ عن حمايةِ أبنائها. لقد عَرَفَ العالمُ بما جرى، وصلتْ صرخاتُ الضحايا عبرَ الأثيرِ والأسلاك، ولكنَّ المعرفةَ لم تُوَلِّدْ فعلاً، والاطِّلاعَ لم يُحرِّكْ ساكناً. لقد سُجِّلَتْ هذهِ الأيامُ في ذاكرةِ المدينةِ كصفحاتٍ من نارٍ ودمارٍ، حُوِّلَ فيها البشرُ إلى أهدافٍ، والبيوتُ إلى قبورٍ، فاستحالَ العيشُ مُستحيلاً.
الفاشرُ هي الآن قصيدةٌ عصماءُ، مطلعُها ألمٌ، وقافيتُها صُمودٌ، وفي كُلِّ بيتٍ منها دَمْعَةٌ تُروي حكايةَ إنسانٍ قاومَ وناضَلَ. فَلْتَكُنْ هذهِ الحُروفُ نِدَاءً عابراً لِحدودِ الصَّمتِ، صرخةً تهزُّ ضميرَ العالمِ، وتُطالبهُ بأنْ يَرى ما هو أبعدُ من سحبِ الدُّخانِ والغُبارِ
تلكَ المجزرةُ كانتْ قاصمةَ الظَّهرِ، إذ أعقبتها موجاتٌ عاتيةٌ من التَّهجيرِ والتَّشريدِ، ففُكِّكَتْ أواصرُ النَّاسِ وأُجبروا على تركِ ديارهم، تاركينَ وراءهم شِقَّ العمرِ وكُلَّ الذكرياتِ. لم يَعُدْ هناكَ متَّسعٌ لِفرحةٍ، ولا خَيطٌ يُنسَجُ منهُ قميصُ سعادةٍ؛ فالحياةُ توقَّفتْ، والشوارعُ خلتْ من عبقِ الحركةِ، ولم يبقَ سوى أطيافِ الأهلِ المُشرَّدينَ. هذا هو قَدَرُ الإنسانِ في هذهِ البُقعةِ، يُناضِلُ من أجلِ نَفَسٍ، يُكافحُ للبقاءِ، ولكنَّهُ يجدُ نفسهُ مُنغمساً في هذا الوجعِ القاتمِ، بينَ نارِ الحربِ ورمادِ النَّزوحِ.
إنَّ روحَ المُواطنِ الذي اكتوى بنارِ الفاشرِ هي مَيدانُ معركة، يَتصارعُ فيها النَّقيضُ مع النَّقيض، وتَتلاطمُ أمواجُ العواطفِ في بحرٍ هائجٍ. هذا الصراعُ هو الشاهدُ على إنسانيةٍ لم تَمُتْ بعد. ففي القَلبِ المُثقلِ بالهمومِ، يكمنُ الوجدانُ الصادقُ الذي يأبى الانكسار. وتنبضُ فيهِ الشَّجاعةُ التي تمنحُ الكبارَ واليافعينَ قُدرةَ المُضيِّ قدماً في وجهِ الخطرِ المُحدقِ. يشتعلُ فيهِ الغَضبُ على الظُّلمِ الفادحِ، كجمرةٍ لا تنطفئُ إلا بالانتقامِ للكرامةِ المهدورةِ.
لكنَّ هذهِ المشاعرَ النبيلةَ لا تجد طريقها بسهولة وسطَ غُيوم الواقعِ الأسود؛ فغالباً ما يُخيِّم عليها سِتار كثيف من الظَّلامِ. إنه ظلام المستقبلِ الذي يبدو غامضاً، وظلام الواقعِ الذي لا يُبشر بخير. وهذا الظَّلام يولِّد شعورا مركبا بالكَرْبِ العظيم، ذاكَ الألمُ العميقُ الذي يتجاوزُ الوَجعَ الجسديَّ ليصلَ إلى نُخاعِ الروحِ، وإلى الدَّرْدِ الذي يفتكُ بالصبرِ. وفي خِضَمِّ كلِّ ذلكَ، تظلُّ هناكَ ومضاتٌ خَجولةٌ من الرِّضا بالقدرِ والصَّبرِ عليهِ، أو ربما ريحُ ثورةٍ تجتاحُ الأفقَ، تُوحي بأنَّ التغييرَ قادمٌ لا محالة، وأنَّ صمودَ أهلِ الفاشرِ هو بدايةُ هذا المَوسمِ الجديدِ.
لقد تحوَّلَ الزمنُ فيها إلى عَدٍّ قاسيٍّ للأيامِ التي انقضتْ، كلُّ يومٍ فيها يُشبهُ عاماً في قسوتهِ، والمدينةُ قابِعةٌ في صَدرِ الوَجعِ، تستغيثُ بالصَّمتِ المطبقِ للعالم، وهي تكتوي بنارِ الحصارِ الذي أوقفَ دُفوفَ الحياةِ وكمَّمَ أفواهَ الرَّحمة
أمَّا أطفالُ الفاشرِ، فهمْ القِصَّةُ الأكثرُ حُزناً، فهمْ حَصادُ مَوسمِ الضَّياعِ الذي جَرَفَ معهُ كُلَّ بذورِ الغَدِ. لقد توقَّفتْ دُروبُ التعليمِ أمامهم، وأُغلِقَتْ أبوابُ المدارسِ، فباتوا يعيشونَ يوماً بيومٍ دونَ أفقٍ واضحٍ. المستقبلُ غيرُ مؤكَّدٍ، بل مُغيَّبٌ عن وُجدانهم، لكنَّ البراءةَ التي لمْ تُقهَرْ بعد، تجعلُ قلوبَنا تُؤمنُ إيماناً راسخاً بأنَّ فجرَ إفريقيا مُشرقٌ لا محالةَ، وأنَّ هذهِ الأرضَ التي أنجبتْ الحضاراتِ ستبعثُ من جديدٍ، وأنَّ هؤلاءِ الأطفالَ، رغمَ كلِّ شيءٍ، سيُضيئونَ دُروبَ القارَّةِ يوماً ما.
إنَّ ما يَحدُثُ اليومَ في دارفورَ ليسَ فصلاً جديداً، بل هو عودةٌ مُرعبةٌ لِشَبَحِ الإبادةِ الجماعيةِ الذي خيِّمَ على المنطقةِ منذُ عِقدينِ من الزَّمانِ، وكأنَّ التَّاريخَ قد قرَّرَ أن يُعيدَ نفسهُ في دورةٍ لئيمةٍ من القتلِ والعُنفِ. هذا التَّكرارُ هو الطَّعنةُ التي لا تبرأُ، وهو السؤالُ المُعلَّقُ في سماءِ الفاشرِ الذي لا يجدُ إجابةً: متى ينتهي هذا الظُّلمُ الذي يُدمي القلوبَ ويُحطِّمُ الأرواحَ؟ إنَّه ليسَ صراعاً عابراً، بل هو نَزْفٌ مَمنهجٌ للوجودِ، يُعيدُ إلى الأذهانِ أسوأَ ما مرَّتْ بهِ البشريَّةُ من فظاعاتٍ.
والمُحزنُ حقاً هو تَخَاذُلُ المجتمعِ الدوليِّ، وعدمُ إظهارِ أيَّ قَدرٍ من الإنسانيةِ أو الإغاثةِ الفِعليةِ لوقفِ هذا النَّزيفِ. لقد سقطَ القِناعُ عن وَجهِ العدالةِ المزعومةِ، وأضحى مفهومُ العدلِ الكونيِّ مجرَّدَ خُطَبٍ عَصماءَ تُلقى على منابرَ فارغةٍ. لقد سَئِمْنا من الاستماعِ إلى الأقوالِ المُنَمَّقةِ، فالواقعُ على الأرضِ لا يعكسُ وجودَ عالمٍ عادلٍ؛ بل يعكسُ عالماً صامتاً أو مُتفرِّجاً، يكتفي بالشَّجبِ والإدانةِ، بينما يغرقُ أهلُنا في الدَّمِ والموتِ. إنَّ هذا الشعورَ بـ خِيانَةِ التوقعاتِ العالميةِ هو الذي يُولِّدُ القَطِيعةَ في النَّفسِ، ويجعلُ العيشَ في ظلِّ هذا الواقعِ أمراً موجعاً لا يُطاقُ.
وفي زَحمةِ هذا الضَّياعِ، يقفزُ إلى الذِّهنِ سؤالٌ مؤرِّقٌ عن ذاكرةِ الأجيالِ القادمةِ: كيفَ سيعرفُ أبناؤنا وأحفادُنا دارفورَ والفاشرَ؟ هل سيقتصرُ تاريخُهُم على حكاياتِ العيشِ في المخيماتِ المُكتظَّةِ؟ يجبُ علينا ألَّا ننسى جوهرَ الوجودِ، ولا أنْ نُهملَ أرضَ الأجدادِ ومجدَهم، ففي تذكُّرِ الدِّيارِ وصونِ التُّراثِ تكمنُ القوةُ الكامنةُ التي تُغذِّي الصُّمودَ وتُبقي على الأملِ. التَّمسُّكُ بالجُذورِ هو المُقاومةُ الحقيقيَّةُ في وجهِ محاولاتِ الطَّمسِ والتَّشريدِ.
إنَّ المأساةَ في الفاشرِ ليستْ مُجرَّدَ حربِ سِلاحٍ، بل هي تَدخُّلٌ سَمِجٌ في جوهرِ الحياةِ اليوميَّةِ، حيثُ تتجسَّدُ أزمةُ الأرضِ والمَعيشةِ في صُورٍ مُتعدِّدةٍ، لعلَّ أبشعَها تدميرُ المَحاصيلِ وإهلاكُ الحَصادِ، وهو قَتلٌ للرِّزقِ، وإمعانٌ في إذلالِ المزارعِ، وتفاقمٌ لمشكلةِ النَّزاعِ على الأرضِ الذي هو أصلُ البلاءِ. وعندما يُضافُ إلى ذلكَ مُرُّ الاعتداءاتِ والقتلِ المُتزايدِ، ندركُ أنَّ هذا الواقعَ باتَ عُقدةً كبيرةً لا بُدَّ من فَكِّ طلاسمِها وإيجادِ حلٍّ حاسمٍ لها، قبلَ أنْ تلتهمَ كُلَّ ما تبقَّى من إنسانيةٍ.
أطفالُ الفاشر القصة الأكثر حزنا، فهم حصاد موسم الضياعِ الذي جرَف معه كل بذور الغد. لقد توقفت دروب التعليم أمامهم، وأغلقت أبواب المدارس، فباتوا يعيشون يوما بيوم دون أفق واضح
لكنَّ قلبَ الفاشرِ لمْ يتوقَّفْ عن النَّبضِ، ففي خِضَمِّ هذهِ العتمةِ، تلمعُ قصصٌ تروي مَجد الإنسان الصَّامدِ. هناكَ صُمودُ الشبابِ والمرأةِ اللذينِ أبيا الانكسارَ، فكانَا خطَّ الدِّفاعِ الأولِ عن الكرامةِ. وهناك غُرَفُ الطوارئِ التي باتتْ مَلاذاً للرُّوحِ قبلَ الجَسَدِ، حيثُ يُضحي الأطباءُ القلائلُ والمُتطوِّعون براحتهم وسلامتهم ليُداووا الجِراحَ ويُخفِّفوا الآلامَ. وتلكَ التكايا وجمعياتُ العملِ الإنسانيِّ التي نَجحتْ في حِياكةِ خيوطِ الإغاثةِ بجهودٍ فرديةٍ مُضنيةٍ، لتكونَ شُعْلَةَ الأملِ الوحيدةَ التي تُضيءُ ليلَ الحِصارِ الطويلِ. هذهِ الأعمالُ ليستْ مُجرَّدَ مساعداتٍ، بل هي دُروسٌ في التَّضحيةِ وعنوانٌ لحياةٍ ترفضُ الموتَ.
ومعَ كلِّ هذا الظلامِ المُحيطِ، يظلُّ في القَلبِ بصيصٌ من حُلمٍ لا يموتُ، وهو الحُلمُ بحياةٍ أكثرَ رَفاهيَةً وتقدُّماً، حياةٌ تليقُ بكرامةِ الإنسانِ في هذهِ الأرضِ الطيِّبةِ. نَتخيلُ الغَدَ مشرقاً، حيثُ يعودُ الأمانُ وتنتعشُ الحقولُ وتُفتحُ المدارسُ من جديدٍ، وحيثُ لا يُفرِّقُ النَّاسَ عرقٌ ولا لونٌ. هذا الحُلمُ هو الدَّافعُ للخُطوةِ القادمةِ، هو الشَّاهدُ على أنَّ الروحَ لمْ تستسلمْ بعدُ لِيأسِ اللحظةِ الراهنةِ.
في الختامِ، لا يبقى سِوى الدُّعاءِ، دعاءٌ يخرجُ من أقصى أعماقِ الوجدانِ، مُحمَّلاً بأمنيةٍ صَادقةٍ ومُلِحَّةٍ: أنْ تجدَ العدالةُ طريقها إلى الفاشرِ ودارفور، أنْ تتحقَّقَ وتترسَّخَ في هذهِ الأرضِ المُتعبةِ. هذهِ الأمنيةُ هي خلاصةُ الرِّسالةِ، وهي الخيطُ الذي يربطُ الماضي بالحاضرِ والمستقبلِ. الفاشرُ مدينةٌ طيِّبةٌ، تستحقُّ أنْ تكونَ بخيرٍ، وتستحقُّ السلامَ والنَّماءَ.
وفي سَردِنا الأدبيِّ هذا، قد حاوَلنا أنْ نُلَمْلِمَ شَتاتَ القُلوبِ، ونُسطِّرَ بمدادِ الحُزنِ قِصَّةَ مدينةٍ لمْ تَعُدْ مُجرَّدَ مكانٍ، بل صارتْ رمزاً لِقَدرٍ إنسانيٍّ مُشترَكٍ. الفاشرُ هي الآن قصيدةٌ عصماءُ، مطلعُها ألمٌ، وقافيتُها صُمودٌ، وفي كُلِّ بيتٍ منها دَمْعَةٌ تُروي حكايةَ إنسانٍ قاومَ وناضَلَ. فَلْتَكُنْ هذهِ الحُروفُ نِدَاءً عابراً لِحدودِ الصَّمتِ، صرخةً تهزُّ ضميرَ العالمِ، وتُطالبهُ بأنْ يَرى ما هو أبعدُ من سحبِ الدُّخانِ والغُبارِ، ليرى براءةَ وجهِ الطِّفلِ الذي حُرِمَ غَدَهُ، وعَزيمةَ الشَّيخِ الذي رفضَ أنْ تُنسى أرضُهُ. إنَّ المأساةَ ليستْ نهايةَ السَّردِ، بل هي نقطةُ بدايةٍ لِفصلٍ جديدٍ يجبُ أن يُكتَبَ فيهِ النَّصرُ والأمانُ بِأيدي أهلِها الأوفياءِ.
وَلِكَي يتحوَّلَ هذا النَّزفُ إلى نَهْرِ عطاءٍ، يجبُ على كلِّ صوتٍ أنْ يرتفعَ، داعياً إلى وَقفِ إطلاقِ النارِ فوراً، وإلى فَتْحِ ممراتِ الإغاثةِ بلا قيدٍ، وإلى دعمِ جُهودِ أبطالِ الصَّمودِ الإنسانيِّ من الأطباءِ والمسعفينَ والمتطوعينَ. فالتَّحرُّكُ الآنَ ليسَ خياراً، بل هو فَرْضٌ إنسانيٌّ على الجميعِ، لِتَعُودَ الفاشرُ إلى ما كانتْ عليهِ: مُلتقىً لِلحياةِ، ومَوطناً لِلسَّلامِ الذي طالَ غيابُهُ.
الفاشرُ، كوني بخيرٍ، وسَلامٌ على روحِكِ الصَّابرةِ، وإلى لقاءٍ يجمعنا على أرضٍ سادَ فيها العدلُ والأمانُ. سَلام.