في خطوة قانونية ودبلوماسية تعد من أخطر التصعيدات بين البلدين منذ عقود، أعلنت حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية، في 26 يونيو/حزيران 2026، رفع دعوى رسمية أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي ضد رواندا، متهمة إياها بالمسؤولية المباشرة وغير المباشرة عن سلسلة من الانتهاكات والجرائم التي شهدها شرق الكونغو منذ عام 1996 وحتى اليوم. وتفتح هذه الخطوة فصلاً جديداً من الصراع السياسي والقانوني بين الجارتين، في وقت لا تزال فيه المعارك مستمرة في إقليم كيفو الشرقي بين الجيش الكونغولي وحركة "إم23" المسلحة.
تستند الدعوى الكونغولية إلى اتهامات واسعة لرواندا بانتهاك عدد من الاتفاقيات الدولية، من بينها اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، فضلاً عن قواعد القانون الدولي الإنساني. وتؤكد كينشاسا أن السلطات الرواندية، سواء بشكل مباشر أو عبر دعمها لجماعات مسلحة في شرق الكونغو، ساهمت في ارتكاب أعمال قتل جماعي وإعدامات خارج القانون وعمليات تهجير قسري وعنف جنسي واسع النطاق ضد المدنيين على مدى ما يقرب من ثلاثة عقود.
ووفقاً للطلب المقدم إلى المحكمة، فإن حكومة الرئيس الكونغولي فيلكس أنطوان تشيسيكيدي تطالب بإصدار حكم قضائي يلزم رواندا بوقف ما وصفته بـ"الأعمال غير المشروعة"، وتقديم ضمانات بعدم تكرارها، إضافة إلى دفع تعويضات للدولة الكونغولية ولضحايا النزاع المستمر. وتعتبر كينشاسا أن الدعم العسكري واللوجستي والسياسي الذي قدمته كيغالي لجماعات مسلحة، وعلى رأسها حركة إم23، أسهم بشكل مباشر في زعزعة استقرار شرق البلاد وتقويض سيادتها الوطنية.
يعيد هذا التحرك القضائي إحياء واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في منطقة البحيرات العظمى، والتي تعود جذورها إلى تداعيات الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، حين فر آلاف المقاتلين واللاجئين إلى شرق الكونغو، الأمر الذي دفع رواندا إلى تنفيذ تدخلات عسكرية متكررة داخل الأراضي الكونغولية بذريعة حماية أمنها القومي وملاحقة الجماعات المسلحة المعادية لها. ومنذ ذلك الوقت، تحولت مناطق شرق الكونغو إلى مسرح لحروب متعاقبة أسفرت عن مقتل ملايين الأشخاص ونزوح الملايين الآخرين.
تأتي هذه الدعوى في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بحركة إم23، التي تتهمها الأمم المتحدة وعدد من القوى الغربية بتلقي دعم مباشر من الجيش الرواندي، وهو ما تنفيه كيغالي باستمرار. كما تتزامن الخطوة القضائية مع فرض الولايات المتحدة عقوبات على مصفاة ذهب رواندية وشخصيات اقتصادية بارزة، بتهمة المشاركة في شبكات تهريب المعادن القادمة من المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعات المسلحة في شرق الكونغو.
يشير مراقبون إلى أن لجوء الكونغو إلى محكمة العدل الدولية لا يهدف فقط إلى تحقيق مكاسب قانونية، وإنما أيضاً إلى زيادة الضغط السياسي والدبلوماسي على رواندا، خصوصاً بعد تعثر الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء النزاع، بما في ذلك المبادرات التي رعتها الولايات المتحدة وقطر خلال العامين الماضيين. كما تسعى كينشاسا إلى تحويل ملف النزاع من إطار أمني وإقليمي إلى قضية قانونية دولية قد تضع كيغالي تحت ضغوط غير مسبوقة.
غير أن نجاح الدعوى الكونغولية لا يزال موضع تساؤل، إذ سبق لجمهورية الكونغو الديمقراطية أن رفعت دعاوى مشابهة ضد رواندا أمام محكمة العدل الدولية في عامي 2002 و2005، إلا أن المحكمة رفضت النظر في بعضها لأسباب تتعلق بالاختصاص القضائي. ومع ذلك، يرى خبراء القانون الدولي أن السياق السياسي الحالي، والتقارير الأممية المتراكمة بشأن النزاع، قد يمنحان كينشاسا فرصة أفضل لإبقاء القضية حية على الساحة الدولية، حتى وإن استغرق صدور أي حكم نهائي سنوات طويلة.