الأحد 8 مارس 2026
منذ انطلاق الرصاصة الأولى لحرب 15 أبريل/نيسان 2023، تكشّف، عبر لزوجة المشهد العام وانهياره البنيوي المتسارع، أنّ ما يشهده السودان لا يمكن اختزاله في مواجهة عسكرية بين فاعلين مسلحين. فمع تمدّد الاشتباكات من أيام إلى أسابيع، ثم إلى أشهر وانتهت إلى زمن حرب مفتوح لسنوات، تحوّل العنف من فعل قتالي محدود إلى بنية شاملة لإعادة تنظيم الواقع. لم تعدّ الحرب حدثًا طارئًا، إنما صارت إطارًا ناظمًا يعيد إنتاج أسئلة الدولة والسيادة والمواطنة، ويعيد تشكيل المجتمع والذاكرة، ويزعزع المعنى الأساسي للحياة بوصفها حقًا غير قابل للتفاوض.
في قلب هذا الانهيار الكلي، تمدّد العمل الإنساني تلقائيًا ليغدو الفاعل الأكثر حضورًا في الحياة اليومية للمدنيين، لكنه في الوقت ذاته الأكثر التباسًا وتعقيدًا. فخطاب الإغاثة، كما يُقدَّم أمميًا ورسميًا، يُصاغ بوصفه استجابة أخلاقية محايدة لمعاناة مجردة من سياقها السياسي. غير أن المتابعة الدقيقة لمسارات التمويل، وآليات الوصول، وأنماط التوزيع، وبنية اتخاذ القرار، تكشف أن العمل الإنساني في السودان خلال هذه الحرب تجاوز كونه فعل إنقاذ ليغدو أحد مكونات هندسة الأزمة وإدارتها، مثل حالة المجاعة في الفاشر، لا سيما مع اقتراب الحرب من عامها الثالث دون أفق لإنهائها.
تنطلق هذه القراءة من فرضية صدامية مفادها أن العمل الإنساني في هذا السياق لا يمكن فهمه خارج علاقات القوة ما بعد الاستعمارية، ولا خارج منطق تسييس المساعدات وإدارة الأزمات، حيث تتحوّل المعاناة إلى مورد، والفقر إلى حقل استثمار أخلاقي، والحياة ذاتها إلى ملف تمويلي.
في هذا المنطق، تُدار الحياة والموت عبر شروط التمويل، وسياسات الوصول ولغة التقارير ونقاط العبور، لا عبر منطق العدالة أو تفكيك بنية العنف وتجفيف مصادره. وهكذا يصبح العمل الإنساني، بحكم موقعه، جزءًا من اقتصاد الحرب الرمزي والمادي، حتى وإن لم يكن ذلك مقصده المعلن.
وبالطبع، لا ينطلق هذا التحليل من عداء للعمل الإنساني في ذاته، إنما من نقد جذري لوظيفته حين تنفصل عن أفق تحرّري مساءل. فالإغاثة في السودان أنقذت أرواحًا لا تُحصى، لكنها، في الآن ذاته، ساهمت في تطبيع العنف عبر إدارته بدل مواجهته، وفي تحويل الجريمة إلى سياق دائم، والفاعل إلى ظرف عابر، والضحية إلى "مستفيد" منزوع الصوت. إن إنسانية بلا مساءلة سياسية وقانونية لا تُنهي الكارثة، بل تعيد إنتاجها في صورة أكثر انتظامًا وأقل فجاجة. وحين تُستبعد العدالة من معادلة الاستجابة، تغدو الإغاثة أداة تأجيل مؤسسي للأزمة، لا مدخلًا لحلّها، ويغدو البقاء ذاته مشروطًا بمنطق الإدارة لا بمنطق الحق.
كشفت حرب 15 أبريل/نيسان، منذ أيامها الأولى، حقيقة الدولة السودانية بوصفها كيانًا هشًا قائمًا على توازنات قسرية لا على عقد اجتماعي. لم يكن الانهيار مفاجئًا، بل كان كاشفًا لتراكم طويل من التفكيك المتعمد لمؤسسات الصحة، والتعليم، والحماية الاجتماعية. الحرب لم تُسقط الدولة؛ بل نزعت عنها الغطاء الأخير.
مع توقف المستشفيات بنسبة تفوق الـ(70٪)، وانقطاع الرواتب، وتعطّل شبكات الإمداد، انكشفت المدن أمام منطق البقاء العاري. الخرطوم، بوصفها مركز السُلطة، تحوّلت إلى فضاء منكوب، فيما تُركت الأطراف لمصيرها المعتاد: العزلة، الإهمال، والموت البطيء. وهذا الانهيار لم يكن متساويًا؛ بل أعاد إنتاج الجغرافيا الاستعمارية ذاتها: مركز يُستنزف وأطراف تُباد بتلقائية في لحظة التعرية الكاملة.
في هذا الفراغ مع استمرار الحرب وتوسع نطاقه جغرافيًا وسياسيًا وعسكرياً، ولاسيما نحو مناطق الهشاشة مثل: أقاليم دارفور وكردفان والنيل الأزرق وشرق البلاد، تمدّد العمل الإنساني لا بوصفه دعمًا مؤقتًا، بل كبديل بنيوي. الغذاء والدواء والمياه والكهرباء وحتى التعليم الطارئ، باتت تُدار عبر منظمات عابرة للحدود.
لم يعدّ السؤال عن فعالية الدولة، إنما عن غيابها شبه الكامل مؤسسيًا، وعن الكيفية التي تُدار بها حياة السكان خارج أي سيادة فعلية. وهذا التحول بالطبع يحمل دلالة خطيرة: حين يصبح البقاء مشروطًا بالمساعدات، تتحول الحياة من حق سياسي إلى حالة إنسانية مُعلَّقة. وهكذا، وبهذا المنطق، يُعاد تعريف المواطن بوصفه متلقيًا، وتُستبدل السياسة بالإغاثة، والحقوق بالاحتياجات.
في أقاليم مثل: دارفور وكردفان، لم تكن المجاعة والتجويع نتاج خلل لوجستي أو ظرف طارئ، إنما سياسة مقصودة وأداة منهجة في يد الاطراف المتحاربة. استهداف المزارعين والتجار، حرق القرى والأسواق، نهب المخازن، وتدمير المدارس والمرافق الصحية، ومنع الوصول الإنساني والغذائي، كلها أدوات ضمن استراتيجية إخضاع شاملة تقوم على تجفيف الحياة نفسها. وبالتالي، فالغذاء هنا ليس موردًا، إنما أداة سيطرة، ووسيلة تحكّم. هذا الاستخدام السياسي للجوع يعيد إلى الأذهان أنماط العنف الاستعماري، حيث كان في سابق الحقب العنيفة، التجويع وسيلة لكسر المجتمعات المقاومة. وخلال هذه الحرب، تُستعاد هذه الممارسة داخل دولة ما بعد الاستقلال، ما يؤكد أن الاستعمار لم ينتهِ، بل تبدّل شكله وأدواته.
الإغاثة في السودان أنقذت أرواحًا لا تُحصى، لكنها، في الآن ذاته، ساهمت في تطبيع العنف عبر إدارته بدل مواجهته، وفي تحويل الجريمة إلى سياق دائم، والفاعل إلى ظرف عابر، والضحية إلى "مستفيد" منزوع الصوت
في مواجهة هذا الواقع، يؤدي العمل الإنساني دورًا مزدوجًا. فمن جهة، يكسر الحصار جزئيًا، ويمنع الموت الجماعي، ويمنح المجتمعات هامش نجاة. لكنه، من جهة أخرى، يُجبر على العمل داخل منطق التجويع ذاته، عبر التفاوض مع من يصنعونه. وهكذا تنشأ مفارقة أخلاقية قاسية: إنقاذ الأرواح اليوم قد يساهم، دون قصد، في إدامة بنية تقتلها غدًا. فالعمل الإنساني يخفف النتائج، لكنه يعجز عن تعطيل السياسة التي تنتج المجاعة، وتعمل على تدويل التجويع وإدارته لأطول فترة ممكنة لا إنهائه.
منذ اعتماد قوانين العمل الانساني، دومًا يُقدَّم الحياد بوصفه حجر الزاوية في هذا الحقل، لكن هذه الحرب جعلته مفهومًا معلقًا في الهواء. فالوصول إلى المدنيين بات مرهونًا بموافقات أمنية من أطراف متهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ولاسيما قوات الدعم السريع حيث احداث التهجير القسري والاستهدف على اساس الانتماء الإثني في مدينة الجنينة وزالنجي خلال الفترة من يونيو/حزيران 2023 إلى أوائل العام التالي. الأمر الذي أدى إلى أن يتحوّل الحياد ليُساوم عليه لا يُمارَس.
حيث أصبح التفاوض مع الفاعلين المسلحين شرطًا لمرور القوافل، ولبقاء الموظفين، ولضمان الحد الأدنى من العمليات. هذا التفاوض لا يحدث في فراغ، إنما داخل علاقات قوة غير متكافئة، حيث تملك المليشيات السلاح، وتملك المنظمات التمويل، ويضيع المدني بينهما.
نتيجة ذلك، تحوّل الفاعلون المسلحون إلى شركاء لوجستيين بحكم الأمر الواقع. يُعاد تأهيلهم ضمنيًا كسلطات محلية، وتُمنح لهم شرعية عملية عبر التعامل اليومي، حتى وهم يمارسون العنف ذاته الذي تستدعيه الإغاثة. بهذا المعنى، يفقد الحياد مضمونه الأخلاقي، ويغدو أداة إدارية لإدارة الوصول، ولا يعود السؤال: من الجاني؟ بل: من يسيطر على الطريق؟
مع امتداد أمدّ حرب 15 أبريل/نيسان، لم تعدّ المواجهة العسكرية وحدها هي ما ينظم الواقع، إنما نشأ اقتصاد كامل قائم على العنف. اقتصاد حرب شامل، ولاسيما في إقليمي دارفور وكردفان بحكم سقوطه في يد مليشيا الدعم السريع، يعتمد على النهب المنظّم والسيطرة على طرق التجارة وفرض الإتاوات، والإتجار في البشر والموارد.
في المقابل، تشكّل اقتصاد إغاثة موازٍ، يعتمد على التمويل الدولي، المناصرة التمويلية، العقود المشروطة، وسلاسل التوريد العابرة للحدود. ومع ذلك يُقدَّم هذا الاقتصاد بوصفه أخلاقيًا، لكنه يخضع بدوره لمنطق السوق: تنافس على التمويل وسباق على المشاريع وتحوّل المعاناة إلى "مشاريع تشغيلية" و"مؤشرات أداء".
الأخطر أن هذين الاقتصادين لا يتصادمان بالضرورة، إنما يتقاطعان. تُنهب المساعدات أو تُعاد توجيهها، تُفرض رسوم غير معلنة على مرور القوافل، وتُستخدم الإغاثة أحيانًا كأحد موارد السيطرة المحلية. وهكذا تصبح المعاناة نفسها موردًا. تلقائيًا يتحوّل العمل الإنساني من استجابة طارئة إلى جزء من إدارة الاستنزاف طويل الأمد، حيث تُدار الحياة في حدها الأدنى، دون تهديد حقيقي لمنطق الحرب.. ودون تهديد لمنطق العنف.
لقد بات واضحاً وفق متابعاتنا اللصيقة، أن الخطاب الإنساني في سياق حرب أبريل/نيسان، يُنتج لغة ناعمة لمعاناة عنيفة. تُستبدل كلمات مثل القتل والتجويع والتطهير والتهجير القسري بمصطلحات تقنية: انعدام آليات الحماية، انعدام الأمن الغذائي، النزوح، الهشاشة.
الدولة التي صاغها الاستعمار لم تُبنَ لتقديم الرعاية، إنما لإدارة السكان وضبطهم، وما بعد الاستقلال لم يُكسر هذه البنية بل أُعيد تدويرها بأدوات محلية
هذا التحويل اللغوي ليس بريئًا، إنما وظيفة سياسية بامتياز. وبالتالي تفصل الكارثة، من خلال هذا الخطاب عن جذورها البنيوية: عسكرة المجتمع والدولة، الإفلات من العقاب، وإرث الحكم الاستعماري. وبالتالي لا يعود السؤال هنا: من قتل؟ بل: كم نحتاج من سلال غذائية؟ وما هي مؤشرات الاستجابة الإنسانية؟ هذا النزع للتسييس يسمح باستدامة التدخّل دون مواجهة المسؤولية. فحين تُختزل الجريمة في احتياج، يصبح الحل دائمًا تقنيًا، لا سياسيًا. تُدار الأزمة بدل تفكيكها. وبالتالي يُعاد تشكيل الضحية ككائن بلا تاريخ ولا صوت سياسي، حاضر فقط بوصفه موضوعًا للتدخل، لا فاعلًا في تقرير مصيره.
من منظور ما بعد الاستعمار، لا يمكن فهم واقع العمل الإنساني خلال حرب ابريل/نيسان في البلاد، خارج التاريخ الطويل لإنتاج السودان كفضاء قابل للتدخل: الدولة الهشة. فالدولة التي صاغها الاستعمار لم تُبنَ لتقديم الرعاية، إنما لإدارة السكان وضبطهم، وما بعد الاستقلال لم يُكسر هذه البنية بل أُعيد تدويرها بأدوات محلية. وعليه، يدخل العمل الإنساني، هذا المشهد لا كقاطع مع الماضي، إنما كامتداد ناعم له.. كزمن متصل به.
في هذا الإطار، تُنتج الإنسانية بوصفها معرفة وسلطة معًا. فالتقارير، التقييمات، مؤشرات الهشاشة، كلها أدوات تصنيف تُعيد تعريف المجتمع من الخارج. خلال سياقه العنيف، يُعاد رسم السودان كـ"حالة إنسانية"، وكـ"ملف أمني" لا ككيان سياسي له تاريخ من الصراع ضد التهميش والاستغلال. هكذا تُنتزع الوكالة من المجتمعات لصالح خبراء ومؤسسات خارجية، مثلما ظللنا نشهده في طريقة توصيل الإغاثة عبر دول الجوار مثل تشاد أو جنوب السودان وغيرها.
يمثل اقليم دارفور المثال الأكثر فجاجة لهذا المنطق. فمنذ أحداث الإبادة الجماعية عام 2003 وما تلاه من أعوام إلى هذا العام، جرى تثبيت الإقليم في المخيلة الدولية كفضاء أزمة أبدية، كمنقطة صراع مستمر. فلم يُنظر إليه كمركز مقاومة أو كضحايا مشروع عنف دولتي، بل كمسرح إنساني يحتاج إدارة دائمة، مما قادت هذه القراءة إلى إفراغ عمليات التهجير القسري والنزوح المتكرر والإبادة الجماعية من بعدها السياسي وتُعاد إنتاجها كمسألة إغاثية.. لأ أكثر ولأ أقل. بهذا المعنى، لا يكون العمل الإنساني بريئًا أو عرضيًا، إنما جزءًا من بنية هيمنة عالمية تُعيد إنتاج التبعية. فالمحصلة هنا، إنسانية بلا تحررّ لا تُنقذ، إنما تُؤجّل الانفجار.
لا يتجلى تسييس المساعدات في لحظات الحجب الصريح أو الابتزاز العلني فحسب كما تقوم بها قوات الدعم السريع في نقاط العبور عبر أدري التشادية أو الدبة، إنما يعمل غالبًا عبر آليات ناعمة تُقدَّم بوصفها إجراءات تقنية. فتحديد الأولويات، شروط التمويل، خرائط الاستهداف، وحتى لغة التقارير، كلها أدوات سياسية تُمارَس دون إعلان. ولم يكن الهدف الضمني للعديد من التدخلات الانسانية، خلال حرب 15 أبريل، تغيير معادلة العنف أو حماية المدنيين بوصفهم أصحاب حقوق، إنما منع الانهيار الكامل الذي قد يفرض تدخلًا سياسيًا أو مساءلة دولية غير مرغوبة. هكذا تُستخدم الإغاثة كأداة استقرار سلبي، تُبقِي الصراع تحت سقف يمكن التحكم فيه.
لا يكون العمل الإنساني بريئًا أو عرضيًا، إنما جزءًا من بنية هيمنة عالمية تُعيد إنتاج التبعية. فالمحصلة هنا، إنسانية بلا تحررّ لا تُنقذ، إنما تُؤجّل الانفجار
هذا النمط من التسييس يُعيد إنتاج منطق الاحتواء الذي ميّز تعامل المجتمع الدولي مع أزمات الجنوب العالمي: لا سلام حقيقي، ولا حرب تُحسم، إنما إدارة دائمة للفوضى. فالمدني هنا ليس محور الفعل، إنما وسيلته. وحين يتحوّل الغذاء إلى رسالة، والدواء إلى أداة تفاوض، تصبح حياة الناس جزءًا من لغة سياسية لا يملكون مفرداتها. فالمساعدات، بدل أن تكون حقًا، تُدار كامتياز قابل للسحب.
الطوارئ في السودان لم تعد حالة استثنائية مرتبطة بالحرب، إنما تحوّلت إلى بنية حكم كاملة. حالة الاستثناء، تجد هنا تجسيدًا حيًا: تُدار الحياة خارج السياسة، ويُسمح لها فقط بالبقاء البيولوجي. المخيمات على طول عرض البلاد وبعضها منذ عام 2002، التي يُفترض أن تكون مؤقتة، تحوّلت إلى فضاءات دائمة لإدارة البشر. الزمن يتجمد، الحقوق تُعلَّق، والمستقبل يُؤجَّل إلى أجل غير مسمى. العمل الإنساني، بحكم ضرورته واستمراره، يصبح أحد أجهزة هذا الحكم، لا نقيضه.
هذا التعليق المزمن للحياة السياسية يُنتج أجيالًا بلا أفق وطني. مواطنون بلا دولة فعلية، يعيشون على هامش التاريخ، حيث النجاة تحل محل الكرامة، والبقاء يحل محل الحق. ما يحتاجه السودان ليس مزيدًا من الشحنات، بل كسر الحلقة التي تفصل بين الإغاثة والحقوق، بين البقاء والكرامة، بين الإنسانية والسيادة. دون ذلك، سيظل العمل الإنساني يدور في فلك الطوارئ الدائمة: يُنقذ الحاضر، ويصادر المستقبل. فإعادة تسييس الإنسانية، وربطها بالعدالة والمحاسبة والتحول السياسي، ليست ترفًا نظريًا، إنما شرطًا أخلاقيًا لإنقاذ الحياة بوصفها حياة جديرة بأن تُعاش.