تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 6 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
فكر

في اليوم العالمي للغة الأم؛ الإبحار خارج اللغة

23 فبراير, 2026
الصورة
في اليوم العالمي للغة الأم؛ الإبحار خارج اللغة
Share

يُعتبر الحادي والعشرين من شهر فبراير/ شباط، اليوم العالمي للغة الأم الذي أعلنت عنه منظمة اليونسكو للتراث الثقافي في عام 1999. ومنذ ذلك الحين غدا هذا التاريخ يوماً عالميا للاحتفاء بالتنوع اللغوي وحماية اللغات الأم من الاندثار في وجه العولمة التي سرعان ما تجاوزت أروقة السوق العالمية وعالم الاقتصاد لتطال الثقافة والفنون والأدب واللغة. فوفقا لأحدث تقرير نشرته اليونسكو يقدر إجمالي اللغات الموجودة اليوم على ظهر الكرة الأرضية بنحو سبعة آلاف لغة، نصفها مهدد بالانقراض مع نهاية هذا القرن الجاري.

أمام هذه الحقيقة الكارثية، وضرورة تبنّي اللغة الأم والاعتزاز بها، يبرز التعدد اللغوي والتطلع إلى اللغات الأخرى كجدل ثقافي واجتماعي، يستحق تسليط الضوء عليه في سياق هذه المناسبة. يكمن الجدل هنا في فض النزاع بين أهمية اكتساب أكثر من لغة، وما يعنيه ذلك من انفتاح على الآخر، وبناء الجسور بين مختلف الثقافات عبر اكتساب اللغات، وبين التمسّك باللغة الأم، والاعتزاز بها والتصدي لأي اجتياح لغوي أجنبي، قد يدفع باللغة الآم للتراجع الى مرتبة اللغة الثانية. فيما يبدو، فإن معظم لغات العالم اليوم تخوض معركة البقاء ضد هيمنة ما يسمى باللغات العالمية لهذا العصر، وأوّلها الإنجليزية، فيما تغدو الفرنسية اللغة الرسمية لأكثر من عشرين دولة إفريقية لكونهن مستعمرات سابقة.

في السنوات الأخيرة، باتت مصطلحات مثل عولمة اللغة، أكثر ما يشغل الباحثين في مجالات علوم الاجتماع والدراسات الإنسانية، خاصة ما بعد جائحة فيروس كورونا، التي أعادت إلى الواجهة فكرة الحاجة إلى لغة عالمية، تسهّل التواصل البشري في ظل الأزمات الصحية، ورفع الوعي الطبي وإيصاله الى نطاق أوسع.

لكن النقاش حول هذه المسألة، يتجاوز دور اللغة العالمية هنا في المجال الطبي، وإنقاذ البشرية عند انتشار الأوبئة، ليمتد إلى أثر مسألة كهذه في كافة المجالات الأخرى. والأهم من ذلك، الخطر الذي ستشّكله عولمة اللغة على التنوع اللغوي والثقافي الذي تميزت به البشرية منذ فجر الحضارة.

رغم هذه التساؤلات والمخاوف حول مستقبل اللغة الأم في ظل هيمنة اللغات العالمية، تعيش معظم الدول والمجتمعات اليوم حالة من محاولة خلق الانسجام بين مواكبة متطلبات العصر، بما فيها اكتساب واحدة على الأقل من اللغات المنصفة عالميا، وبين الحفاظ على لغاتهم الأم. فمثلاً غالباً ما تُعدّ الدراسة بلغة أجنبية، وتسجيل الطفل في مدرسة بلغة أجنبية منذ مرحلة مبكرة في سنواته الدراسية أمراً مهما لدى الأسر، بينما يبذلون جهدا وحرصاً على ضرورة التكلم مع الطفل بلغته الأم في البيت.

على الصعيد المهني، تحرص الشركات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية على توظيف من لديهم ملكة لغوية، تمكنهم من التواصل بواحدة من اللغات العالمية، مثل الإنجليزيّة، وعادة ما تكون ضرورية للتعامل مع متطلبات الوظيفة. وبقدر ما يبدوا الأمر طبيعيا جدا ومسلّماً به من قِبل المجتمع، فإن هذه الثنائية في التعامل مع اللغة، تنطوي على خطر خفي، هو خطر تجزئة اللغة من حيث وظيفيتها.

تشمل وظائف اللغة بجانب التواصل الوظيفة المرجعية؛ أي أن تكون اللغة الأم، هي اللغة ذاتها التي تستخدم كمصدر للمعلومات وناقلاً لها. هكذا فإن استبعاد اللغة الأم من مجالات التعليم والبحث العلمي والعمل المهني، وتحويلها إلى مجرد أداة للتواصل، لا يفقدها الحيوية فحسب، بل يفقدها جوهر وظيفتها كلغة. الأمر الذي لا يبدو مؤرقاً للكثير من أفراد المجتمع، ولا تتم مناقشاته بشكل كافي.

تعيش معظم الدول والمجتمعات اليوم حالة من محاولة خلق الانسجام بين مواكبة متطلبات العصر، بما فيها اكتساب واحدة على الأقل من اللغات المنصفة عالميا، وبين الحفاظ على لغاتهم الأم

يأخذ الجدل حول ثنائية أو تعددية اللغة منحنى آخر، حين يتعلق الأمر بالكتابة بلغة أخرى، ليس فقط لأن الكتابة تعتبر تجسيدا للهوية. ولكن لأن الكتابة أشبه بفعل حميمي، يعكس ارتباط المرء الوثيق بلغته الأم، مما يجعل الأمر يبدوا وكأنه خيانةٌ للغة الأم.

مع بداية الألفية الجديدة، تم إحياء مصطلح الإكسوفونية (exophony)، للإشارة إلى الكتابة بغير اللغة الأم، وكان أول من استخدم هذا المصطلح؛ اللساني الفرنسي لويس جان كالفي، المتخصص في اللسانيات الاجتماعية، قبل أن طرح المصطلح أكاديميا في السنوات الأخيرة، وتتم مناقشته في الدراسات الأكاديمية والمؤتمرات الأدبية.

يتميز مصطلح الإكسوفونية بكونه يتناول الكتابة بلغة أخرى مكتسبة يلجأ إليها الإنسان بمحض إرادته، دون أن تكون مفروضة عليه نتاجاً للغزو، أو المصادرة اللغوية، كما يحدث مع الأقليات القومية، مثل: الإيغور في الصين، أو نتيجة للولادة في بلد تعتبر فيه تلك اللغة من اللغات الرسمية أو القومية.

تولي الإكسوفونية عناية خاصة بدراسة جوانب عدة في التجربة الكتابية بغير اللغة الأم، مثل الجانب الوجداني والتعبيري. كما تدرس عن قرب جوانب سوسيولوجية في الكتابة، مثل: النزوح الثقافي والغربة اللغوية، وتناقش ديناميكية الهوية في الكتابة عبر لغة الآخر.

من أبرز من تطرّق إلى مسألة الإكسوفونية من الأدباء المعاصرين الكاتبة اليابانية، يوكو تاوادا، الحائزة على ميدالية غوته للأدب الألماني. ولدت الكاتبة في اليابان حيث أكملت تعليمها الجامعي في الأدب الروسي، قبل أن تتنقل إلى ألمانيا في الثمانينات للعمل في مجال النشر. وهناك درست الأدب الألماني المعاصر. وبدأت تاوادا مشوارها في الكتابة بالألمانية عام 2004، نُشرت لها قبل ذلك روايات ودواوين مترجمة عن اليابانية، قبل أن تتحول إلى الاتجاه المعاكس، وتتم ترجمة كتاباتها من الألمانية إلى اليابانية.

تحوّل هذا الفضول إلى التحام وتوجّه أدبي لدى شريحة واسعة من الشبان الصوماليين، ممن يرون العربية لغة معتمدة لديهم في الكتابة الأدبية، في حين اتجه رعيل آخر من الدبلوماسيين والأكاديميين الصوماليين إلى الكتابة بالإنجليزية

في كتابها، الإكسوفونية؛ الإبحار خارج اللغة الأم، "Exophony: Voyages outside the Mother" ، تسرد تاوادا تجربة الكتابة بالألمانية كلغة مكتسبة أتقنتها حدّ البراعة. وتصف رحلتها في التنقل بين لغتين بأنها إبحار خارج اللغة، تبحث فيه الكاتبة عن مرسى آمن، يتيح لها التعرف على إمكانياتها في التعبير بلغة أخرى، والانطلاق خارج أسوار أُحادية اللغة، دون أن تفقد أواصرها بلغتها الأم.

لا تنكر تاوادا أن مثل هذا النوع من الإبحار يأتي مصاحباً لتحديات، مثل مدى الجهد المطلوب الذي يجب على الكاتب بذله حتى يحصل على لقب كاتب، أو يصنّف ككاتب في اللغة التي اختارها؟ وكيف ينظر للأدب الإكسوفوني كنوعٍ من الأداء أكثر من كونه فعلاً عفويّاً؟

تنفي تاوادا تعرّضها للغربة اللغوية أو النزوح الثقافي أثناء الكتابة بلغة غير لغتها الأم، فهي ترى أن أسمى وجود للإنسان هو وجوده خارج نطاق لغة معيّنة، لأنه فقط في تلك الحالة يكون قادرا على الإبداع. تقول في إحدى صفحات الكتاب: "تشغلني تلك المسافة بين لغتين أكثر مما تشغلني الكتابة بواحدة دون الأخرى، ربما بعد كل هذا، لم تكن الكتابة بأي منهما غايتي بقدر ما كان الإبحار اللذيذ بينهما، هناك حيث الشعر ينبع من انسياب الجداول في وادٍ بين لغتين".

بالنسبة لسؤال الهوية في الوجود بين لغتين، ترى تاوادا أنه على الرغم من وجود نقطة التماس بين اللغة والهوية، إلا أن الكتابة فعل مستقل عن الهوية القومية، ولا تجد معنى لأكثر سؤال يتم طرحها عليه؛ ما إذا كانت تعتبر نفسها كاتبة ألمانية أم كاتبة يابانية، فهي في البدءِ وقبل كل شيء كاتبة، وتتشكل هويتها من خلال من خلال عبور الحدود بين اللغات.

في سياق الحديث عن عبور الحدود اللغوية، لابد من الحديث عن اللغات العابرة للحدود. ويشير هذا المصطلح إلى وجود لغات حظيت بانتشار أوسع مقارنة باللغات الأخرى، وعادة ما تنتشر هذه اللغات عبر آليات تاريخيّة، مثل: التجارة والهجرة والاستعمار، وأحيانا عبر كونها تمثّل خلفية أو مرجعية دينية.

نأخذ العربية مثالا على ذلك، فهذه اللغة تعتبر من أكثر اللغات انتشارا كونها لغة ذات مرجعية دينية أساسية لدى المسلمين في أنحاء العالم. وحين ننظر إلى اللغة العربية في الصومال، فقد شكّلت جسرا لفهم النص القرآني، ثم جسرا لبناء روابط مع العالم العربي الذي انتمى الصومال إلى جامعته منذ سبعينات القرن المنصرم. وظلت العربية لغة مهمة بجانب اللغة الصومالية التي تعتبر اللغة الأم.

لكن هذه الثنائية اللغوية ساهمت في بروز جيل وجد نفسه مخيّرا بين الإثنين، واختار الغوص في هذه اللغة التي تنضخ شعراً وبلاغة، والمتوارية خلف رفوف المكاتب الضخمة. لاحقا، تحوّل هذا الفضول إلى التحام وتوجّه أدبي لدى شريحة واسعة من الشبان الصوماليين، ممن يرون العربية لغة معتمدة لديهم في الكتابة الأدبية، في حين اتجه رعيل آخر من الدبلوماسيين والأكاديميين الصوماليين إلى الكتابة بالإنجليزية، بينما ظلّت اللغة الصومالية منبرا للشعر والفن الصومالي.

تشغلني تلك المسافة بين لغتين أكثر مما تشغلني الكتابة بواحدة دون الأخرى، ربما بعد كل هذا، لم تكن الكتابة بأي منهما غايتي بقدر ما كان الإبحار اللذيذ بينهما، هناك حيث الشعر ينبع من انسياب الجداول في وادٍ بين لغتين

تشهد ساحة الثقافة الصومالية اليوم انتعاشاً في مجال الترجمة، بما فيها الترجمة الذاتية، إذ بدأ المؤلفون الصوماليون بترجمة مؤلفاتهم من الإنجليزية والعربية إلى الصومالية، فيما يشبه إبحارا عكسياً نحو اللغة الأم لا خارجها.

في لقاء مسجّل مع إذاعة ثمانية، يتحدث الشاعر السوداني محمد عبد الباري عن علاقة الإنسان باللغة الأم على مستوى الفرد والمجتمعات في حلقة بعنوان: "اللغة والشعر والوطن بمعنى آخر"، ليؤكد على أن البُعد الوجودي للإنسان متصل إلى أبعد حد بلغته الأم قائلاً: "هنالك شيء في وجود الإنسان لا يبلغ إمكانه النهائي التام إلا من خلال علاقة حقيقية بلغته ما، وبالأخص اللغة الأم".

يتطرق محمد عبد الباري إلى البعد الرئيسي للغة، وهو البعد الإدراكيّ؛ أي أن اللغة تمثّل بوابة الإدراك الأول للإنسان، بذلك فاللغة الأم تقدّم للإنسان المدركات الأساسية بما فيها إدراكه لنفسه وهويّته وتاريخه... وأنّ الهجرة من اللغة الأم، إلى لغة أخرى، هي انفصال عن هذه العناصر الأساسية. يتحدث عن تجربته الشعرية بكونها تجربة ممزوجة بالهوية الثقافية والفردية على حد سواء، وليس فقط بالمعطيات اللغوية، وهذا رأي مغاير لتجربة تاوادا التي تتناول الكتابة بمعزل عن الهوية.

ينتقل عبد الباري في حديثه عن اللغة من الهوية إلى الحضارة، فيقول: "إننا نخطئ حين نعتقد أن الحضارة هي قرينة الانفتاح، وفيما يتعلق بجوهر ما هو حضاري، هناك مفارقة تاريخيّة عجيبة، هي أن الحضارات في لحظات توهجها الكبرى على عكس ما يظنه الناس هي في الحقيقة لحظات انكفاء على الذات وليس لحظات تطلّع إلى العالم، التطلّع إلى العالم الخارجي يعتبر طريقاً إلى الحضارة، وليس بوصفه فعلاً حضاريا".

رغم أهمية وجهة نظر محمد عبد الباري، وضرورة استرجاع اللغة الأم كهوية شخصية ورمزاً للحضارة إلا أنه تناول اللغة والحضارة على مستوى تجريدي، فهو ينظر للحضارة كونها حالة من الاكتفاء الذاتي من حيث المصادر المعرفية والهيمنة الثقافية، متجاهلاً شكل الحضارةً في ظل التعدد اللغوي، والعلوم الجديدة التي تولد في ظل حضارة التعدد. فمن لحظة الإبحار من لغة إلى أخرى، يولد الابتكار، وتنبثق علوم لغوية أخرى حديثة، مثل: الأدب المقارن واللسانيات المقارنة، وتصبح الترجمة، فعلا أساسيا في عملية بناء الحضارة، لا مجرد عملية نقل معلوماتية من كيان متحضر إلى آخر أقلّ حضارة.

ختاما، المجد للغة الأم في يومها العالمي والمجد لكل اللغات. المجد للإنسان، مخترع اللغة، الذي أجزم بأن اختراعه لهذا الكم الهائل من اللغات، لم يكن بدافع الملهاة، ولكن بدافع المأساة؛ مأساته في لمس آخر نقطة من بحر اللغة، وكلّما ضاق به المعنى ابتكر لغة جديدة عبر فضاء جغرافي وزمني ممتد. ورغم أنه إلى الآن لا يوجد جواب علمي حول نشوء اللغة، فإن غريزة القول في الإنسان غريزة أولية تسبق اللغة، ويحيلنا هذا إلى قضية أسبقية الفكر على اللغة لدى ديكارت. ولعلّ أجلّ خدمة يمكن آن تقدمه اللغة الأم للإنسان، ليس أن تمنحه فماَ، ولكن أن تمنحه عينا يرى بها جمالية الإبحار بين لغات العالم.

المزيد من الكاتب

ثقافة

سردية مغايرة للموت