الخميس 16 أبريل 2026
منذ اللحظة الأولى التي وقف فيها الإنسان على قدميه أوقد النار، وصاد الحيوانات، وطهى طعامه، وبنى مأواه. رافقت العمارة هذا التحول الكبير نحو الوقوف منتصبًا، حين منح تطور الدماغ الإنسان القدرة على المشي بثبات. فاليد منذ ذلك الحين لم تعد مجرد أداة بسيطة، بل أضحت، باتصالها بالدماغ، قوة دافعة تجمع بين الأدوات واللغة، وبين الصورة والمعنى.
سبق الإنسان الثورة الحضرية التي وصفها غوردون تشايلد بتدجين النباتات والحيوانات. قادته التجارة والغزو والهجرة إلى تلك الثورة التي غيرت ملامح المجتمعات، فأعادت تشكيل مؤسساتها، ومهدت الطريق لأساليب جديدة في بناء البيوت والمعابد والآثار العامة. ومع مرور الزمن، واصل الإنسان تنظيم مستوطناته، خصوصًا للفقراء في المدن، وبنى مساكنه بسرعة، وعلى نطاق غير مسبوق، حتى أصبحت هذه السمة إحدى علامات الحداثة.
صارت العمارة اليوم أكثر من مجرد بناء، إذ اندمجت مع كل ما يجعل الحياة ممكنة: الهندسة التي توفر الطاقة والنقل، والطب الذي يؤمّن المياه والصرف الصحي والنظافة، والزراعة التي تضمن الغذاء، وشبكات المعلومات والاتصال التي تربط البشر. هكذا أصبحت العمارة نسيجًا حيويًا في الحياة المادية والرمزية للإنسان، وجوهرًا لما وصفه أندريه لوروا-غوران بـ "التقنية المنهجية."
انشغل الإنسان ببناء مآويه بنفس الهوس الذي لازمه حين تعلّم الكتابة والطباعة، فجعل من هذا الفعل ركيزة أساسية في تحوله العميق بوصفه جنسا بشريا. لقد جسّد البناء وعيه بالعالم، وعزّز قدراته الحيوية، فمكنه من التحكم في النفايات والتخلص منها، وتوفير الغذاء والماء، ورعاية الآخرين، والدفاع عن نفسه، وحماية من يحب، وتنظيم حياته الجنسية وأنماط وجوده الفردية.
رأت الميتافيزيقا الأفريقية قبل الاستعمار في العمارة أداة من أدوات الحياة، لأن بناء "مأوى" كان ولا يزال يمثل علم "البقاء" ذاته. وقد جسّد شعب الدوغون في مالي هذا الفهم حين شيد بيوته بالحجارة الجافة وغطاها بالتراب، وبناها على حواف الجروف الصخرية. فأنشأ الحرفيون مخازن الحبوب الصغيرة بأيديهم، على شكل مستطيلات مغلفة بطبقة رقيقة من الطين تسمح للجدران بالتنفس. غطّوا الأسقف بالقش ليصدوا المطر، وكسوا الجدران الداخلية بالطين ليسدوا الفجوات، وقسّموا المساحة الداخلية إلى حجرات تحفظ أنواع الحبوب المختلفة.
في عصر العمارة الوحشية، تختبئ ذاكرة الإنسانية في الأنقاض والغبار، بينما يحاول الناجون إعادة بناء حياتهم من الصفر
أسهم سكان هذه البيئات القاسية، المكوّنة من هضاب رملية وجروف وسهول وانحدارات حادة، في ترسيخ تقاليد طويلة من البناء بالطوب الطيني والمخازن المصنوعة من الطمي. شكّلت الجيولوجيا والمناخ شكل البيوت وأبعادها، وشهدت العمارة على أثر التعرية الذي لا يتوقف. ربط الدوغون بيوتهم الطينية بالكوسمولوجيا، بالحياة الاجتماعية والطقوس الروحية؛ فجعلوا الأرض أمًّا للحياة والسماء أبًا لها، بينما مثّل المطر فعل الإخصاب الذي يهب الوجود. زخرفوا الأبواب والمنافذ بنقوش تروي قصص الحياة والموت، والليل والنهار، والجنس والتكاثر، وعلاقات البشر بالحيوانات.
تجاوز الإنسان في مناطق أخرى من أفريقيا حدود إنسانيته حين استخدم الأدوات، فلم يعد بناء البيت مجرد هندسة أو جهد عضلي، بل فعلًا عميقًا يستحضر الصور والمفاهيم منذ البداية. جمع في العمارة بين الجماليات الحسية والفكرية - الضوء والظل، الحجم والملمس، الرائحة والصوت - وبين الحاجات العملية. تم تحويل المأوى من جدران صامتة إلى فضاء حي يجمع بين الانغلاق والانفتاح، ويجسّد علاقة الإنسان بالأرض والطريقة التي يتكوّن بها وجوده وسط الكائنات والأشكال الحية الأخرى.
أدخل الإنسان اللغة إلى المادة حتى وإن بدا حضورها خفيًا، وحوّل العمارة إلى فعل يمنح المواد صورة ومعنى. أفرغ فيها رمزيًا قوى الحياة، وضخّ فيها الطاقة، وجعلها جزءًا من البنى التحتية الحيوية والرمزية التي تدعم رحلته الطويلة نحو اكتماله كإنسان.
حوّل الإنسان المادة إلى معنى، وجعلها في المقابل مأوى يحتضن رموزه وصوره ولغته. ووجّه هذه الرموز لتستوطن العناصر الأساسية، فاستجابت الأخيرة وأطلقت الطاقات الحيوية اللازمة لبناء الشخصية الإنسانية. لهذا، اعتبر البشر دائمًا تدمير المأوى أو المسكن - وهو أقصى درجات الرعب - فعلًا لا إنسانيًا بكل المقاييس.
تمسح السلطة الأراضي من أهلها، وتصنع الحرمان كأنها تجتث القلوب من صدور أصحابها، حتى صارت ذلك هي السمة الأبرز لعصرنا؛ عصر العمارة الوحشية. يسمّي الناس هذا الطوفان المرعب "الاجتثاث". يقتحم هذا الفعل البيوت ويهدم الملاجئ، فيقصر أعمار أعداد هائلة من البشر الذين يُنظر إليهم بحسبانهم عبئا زائدا على العالم. ويحوّلهم إلى بقايا، إلى نفايات بشرية في عملية إلغاء قاسية لا رحمة فيها.
لم تعد اليد منذ اللحظة التي وقف فيها الإنسان منتصبًا مجرد أداة؛ بل صارت قوة تربط بين الأدوات واللغة، وبين الصورة والمعنى
يكسر الاجتثاث قدرة الناس على البقاء، ويورث العجز للأجيال القادمة. ولا يحدث هذا عشوائيًا؛ بل تخططه السلطة ببرودة، وكأنه خطة منظمة لاقتلاع الناس من جذورهم، وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة: الغذاء والمأوى والأمان. لا يكتفي هذا الفعل بزرع الفقر المدقع في حياة الناس - كما حدث في برامج الإزالة القسرية بجنوب أفريقيا - بل يحوّله عصرنا الوحشي إلى أداة جديدة لتحديد من يستحق العيش ومن لا يستحق، وكأن الحياة أصبحت امتيازًا تمنحه السلطة لمن تشاء!
يشنّ الاجتثاث من الجذور حربًا لا ترحم على أناس جرى تدمير بيئاتهم المعيشية دون أن يجرؤوا على الدفاع عن أنفسهم. فتمطر القوى الفاعلة هذه المجتمعات بذخائر خارقة للدروع مشبعة باليورانيوم، وتقصف البنى التحتية بأسلحة محرمة كالفوسفور الأبيض. وتسمم التربة بمواد كيميائية مسرطِنة ومشعة، وتلوث الهواء بسموم خانقة. تغطي المدن المدمرة بغبار سام، وتغرق البيئة في حرائق الهيدروكربونات.
تفتح هذه القوى السماء على من يعيشون تحتها وتهطل عليهم قنابلها. تحوّل القنابل العمياء التقليدية إلى آلات موجهة بأنظمة ملاحة دقيقة، وتطلق صواريخ كروز برؤوس تلاحق الحرارة، وتشل مراكز الأعصاب الإلكترونية بالقنابل الميكروية، وتفجر القنابل في قلب المدن لتبثّ أشعة تحرق كالبرق. تترك أجساد البشر لتذوب بقنابل لا تقتل فورًا بل تحرق وترفع حرارة الجلد حتى الموت؛ تشعل جدرانًا من النار بالقنابل الحرارية، تمتص الأوكسجين من الأماكن المغلقة، وتقتل بالصدمات والاختناق؛ تفتك بالمدنيين بقنابل انشطارية تنفجر في السماء لتتناثر شظاياها دونما وجهة محددة. تزرع القنابل المصغّرة في كل زاوية لتنفجر بمجرد اللمس. تُظهر كل هذه الأسلحة عبثًا قوة تدمير لم يعرفها البشر من قبل.
تخوض القوى المدمرة حربًا على فكرة السكن نفسها، فتزرع القنابل وتترك شقوقًا في حياة البشر تمتد عبر الأجيال
تخوض هذه القوى حرب الإذلال الممنهجة ضد فكرة السكن نفسها، ضد حلم الناس بأن يكون لهم بيت يؤويهم. لا تكتفي باستهداف الأفراد، بل تصفي جماعات بشرية بأكملها، وتشل كل عضو فيها عبر الأجيال: العيون والأنوف والأفواه والآذان والألسنة والجلود والعظام والرئة والأمعاء والدم والأيادي والأرجل. تترك المصابين والمعاقين والناجين في دوامة من الألم الذي لا ينتهي. إنها تملأ المجتمعات بالأمراض كالتليف الرئوي، ويترك اليورانيوم في الشعر أثرًا لا يزول. تضاعف حالات السرطان والإجهاض والتشوهات الخلقية واضطرابات الجهاز العصبي. تفتح بذلك شقوقًا عميقة في حياة البشر، شقوقًا لا تندمل وتمتد عبر الأجيال.
يشبه عصر العمارة الوحشية عصر الأنقاض والغبار، حيث تحاصرنا مدن مدمرة لا تُحصى: غروزني وحمص وحلب وغزة. تختبئ ذاكرة الإنسانية اليوم في الوحل، وفي الأنقاض، وفي الغبار المتراكم فوق أحلامهم.
إن الاجتثاث يقتلع الناس من جذورهم، يحطم بيوتهم ويحوّلهم إلى بقايا بلا مأوى، كأن الحياة لم تعد حقًا بل امتيازًا تمنحه السلطة
يفقد الناس في هذا العصر القاسي حقهم البديهي في العودة إلى منازلهم. ولا تملك سوى أقلية مكانًا يمكن أن تعود إليه أصلًا، فيما يقف الآخرون على الأطلال بلا مأوى ولا ملاذ.
تحاول العمارة في هذه الأزمنة المهووسة بالدمار أن تعيد للحياة نبضها، بالسعي إلى استعادة سبل العيش، وتوفير المأوى لأولئك الذين فقدوا كل شيء، ولم يبق لهم سوى أجسادهم ليحتموا بها من قسوة العالم، ويشعروا أنهم ما زالوا يملكون "وطنًا".
تبدأ هذه العمارة بعمل شاق، بإزالة النفايات الخطرة والذخائر غير المنفجرة والنفايات الطبية، وتفرز ملايين الأطنان من الأنقاض لتعيد تدويرها. تتحول العمارة إلى عمل إنقاذ، إلى مشروع تطهير الأرض من الركام حتى يتمكن المعدمون من الحصول على مأوى أكثر أمانًا وهم يحاولون بناء حياتهم من جديد.