الأحد 19 أبريل 2026
لو امتد به العمر، لكان الطبيب النفسي والمفكر الثوري فرانز فانون قد بلغ هذه السنة المائة عام، غير أن المرض باغته مبكرًا، حيث توفي عن 36 عامًا بعد إصابته بسرطان الدم. في ذلك الوقت، كان ابنه، أوليفييه فانون، قد أمضى طفولته متنقلًا بين الجزائر وتونس وغانا، وغيرها من المحطات التي شهدت انخراط والديه، فرانز وجوزي فانون، في النضال المناهض للاستعمار الفرنسي دعماً لاستقلال الجزائر. لم يكن أوليفييه قد تجاوز السادسة من عمره حين اشتد المرض بوالده، فنُقل على وجه السرعة إلى بيثيسدا، ماريلاند، لتلقي علاج متقدّم. هناك خضع فانون لنقل دم كامل في محاولة لتحفيز "إنتاج نقي عظم جديد".
في سيرته الذاتية عن فانون، يسرد ديفيد ماسي لحظات بالغة التأثير تكشف ما عاشته الأسرة من توتر وانكسار في تلك الأيام. في واحدة من تلك اللحظات، يروي أن أوليفييه، وكان لا يتجاوز الخامسة، تسلل إلى غرفة والده أثناء جلسة نقل الدم. منظر الأنابيب وأكياس الدم أثار في مخيلته الصغيرة مشهدًا مروعًا: ظنّ أن جسد والده قد قُطّع. وبعد وقت قصير، شوهد في الشارع يلوّح بعلم جزائري أخضر وأبيض، لحظة مكثفة تختزل التباسًا طفوليًا بين مشهد المرض ومشهد المقاومة.
اتّسم الاستعمار الاستيطاني الفرنسي في الجزائر بعنف استثنائي، لم يكن له من مآل سوى واحدة من أكثر حروب الاستقلال دموية في التاريخ الحديث. في قلب هذا المشهد الدموي وُلد أوليفييه، وتشكل وعيه المبكر بين صور النضال وأصوات الرصاص. لم يكن غريبًا، إذن، أن تلتبس عليه مشاهد المستشفى، فيراها امتدادًا لواقع الحرب الذي أحاط به منذ ولادته. فدم العلاج لا يختلف كثيرًا، في خياله الطفولي، عن دم المعركة.
اليوم، بعد أربعة وستين عامًا، لا يزال أوليفييه فانون شاهدًا حيًا على إرث والديه النضالي، ومدافعًا مخلصًا عن مبادئهما المناهضة للاستعمار، ووفائهما العميق للجزائر، ونقدهما الجريء لفرنسا، رغم اختياره العيش حياة هادئة في ضواحي باريس. في حضوره، تمتزج الذاكرة الشخصية بالتاريخ العام، وتلتقي السيرة العائلية بسردية الثورة.
تأمّل أوليفييه في الذكرى المئوية لميلاد والده بكثير من الحنين والحسرة، واصفًا حياته بأنها كانت "قصيرة لكنها مكثفة"
سعدتُ بزيارة أوليفييه في منزله الهادئ الذي يشاركه مع زوجته كورين، برفقة صديقيّ الباحث غريغ بييرو والمخرج السينمائي حسن مزين. استقبلنا أوليفييه بابتسامة دافئة وترحيب حار، وقد بدا أصغر سنًا من عمره السبعيني، يحمل في صوته وملامحه خفة تُخفي - وإن مؤقتًا - أثر حياة وسمتها الحروب والمنفى والثورات، وأثقلها فقدان مبكر لوالدين استثنائيين.
تحدثنا في مواضيع شتى، وتجولنا في حديقة صغيرة كان يعتني فيها بزهو بدجاجات حريرية. في الداخل، سمح لنا هو وكورين بتصفح ألبومات صور ووثائق أرشيفية منظمة بعناية، معظمها يسجل محطات من حياة جوزي في الترحال والكتابة. تأمّل أوليفييه في الذكرى المئوية لميلاد والده بكثير من الحنين والحسرة، واصفًا حياته بأنها كانت "قصيرة لكنها مكثفة". ورغم مرور قرن من الزمن، يقول إن والده لا يزال حاضرًا في تفاصيل حياته اليومية، بفضل الأرشيف العائلي الذي حرصت والدته على إبقائه حيًّا بعد وفاة فانون.
وبشكل غير مباشر، تحوّل الحديث إلى ما يشبه رسالة حب ووفاء من أوليفييه إلى والدته جوزي، التي صانت إرث زوجها السياسي بإصرار، وشاركت حياته النضالية لا كمرافقة فحسب، بل كشريكة فاعلة. لم يكونا، كما يصفهما أوليفييه، "مجرد متأملين أو مؤرخين للثورة، بل كانا من صانعيها".
"والدتي كانت مجاهدة"، يقول أوليفييه. فبعد استقلال الجزائر، تنازلت جوزي عن جنسيتها الفرنسية، واختارت الإقامة في الجزائر مع ابنها. ولم تتوقف عند ذلك، بل شقت طريقها كصحفية غزيرة الإنتاج، غطّت فيه أحداثًا كبرى في هايتي وجنوب أفريقيا وفيتنام وإيران. يشدّد أوليفييه على أنها كانت دائمًا إلى جانب فانون، "لكنها لم تكن في ظلّه". فحتى بعد وفاته، لم تتكئ على اسمه، بل واصلت عملها السياسي باستقلالية صارمة.
في خضم المجازر المستمرة ضد الفلسطينيين، التي تدخل عامها الثالث، يُستدعى فانون مرارًا وتكرارًا، وتُستعاد كلماته وأفكاره بوصفها ذخيرةً تحليلية للتحرر والمقاومة
تطرق حديثنا إلى موقفها الحاسم من قضية فلسطين. ففي عام 1967، أرسلت جوزي برقية من الجزائر إلى دار النشر الفرنسية تطالبهم فيها بحذف مقدمة جان بول سارتر من الطبعات اللاحقة لكتاب "معذبو الأرض"، احتجاجًا على توقيعه بيانًا مؤيدًا لإسرائيل خلال حرب الأيام الستة. وقد تناولت الباحثة جيسيكا بريكي في مقال بعنوان "جوزي فانون... بوصلة لا تحيد عن فلسطين" هذا الموقف بمزيد من التفصيل، لكن بالنسبة لأوليفييه، فإن تصرف والدته يلخص شخصيتها السياسية الصلبة: "ليست ممن يؤمنون بالمساومة، ولا بالمراوغة، ولا بالدبلوماسية". كان دأبها اتخاذ مواقف صارمة وسريعة.
ورغم إحساسه بالانتماء العميق للجزائر، لم نتمالك أنفسنا -أنا وغريغ- من سؤاله عن أصول والده المارتينيكية. عندها اشتعل في حديثه نَفَسٌ نقدي حاد تجاه مارتينيك، التي، خلافًا للجزائر، ما زالت تابعة لفرنسا. بالنسبة له، هذا الأمر إشكالي. بل ويحمل معه ذكرى مريرة: في سبعينيات القرن الماضي، اضطر أوليفييه إلى التقدم بطلب تأشيرة دخول إلى مارتينيك باعتباره جزائريًا، نظرًا إلى كونها أرضًا فرنسية. وأثناء تلك الإجراءات، اكتشفت السلطات الفرنسية أنه وُلد في مدينة ليون، وبالتالي اعتبروه فرنسيًا. ونتيجة لذلك، أُودع السجن العسكري بتهمة التهرب من الخدمة العسكرية. لم يُطلق سراحه إلا بعد وساطات عليا من والدته لدى السلطات الجزائرية، وكان الشرط أن يتنازل عن أي مطالبة بالجنسية الفرنسية. ففعل ذلك بكل أريحية.
يُحتفى هذا العام بالذكرى المئوية لميلاد فانون، لا تزال فرنسا، كما يرى كثيرون، تتجاهل إرثه عمدًا أو تسعى إلى طمسه. ومع ذلك، لا يكاد يخلو الخطاب الثوري المعاصر من اسمه. في خضم المجازر المستمرة ضد الفلسطينيين، التي تدخل عامها الثالث، يُستدعى فانون مرارًا وتكرارًا، وتُستعاد كلماته وأفكاره بوصفها ذخيرةً تحليلية للتحرر والمقاومة.
يرفض أوليفييه الاكتفاء بالكلام وحفلات التكريم الرمزية. يقول بلغة حاسمة: "إذا كنتَ تزعم الانتماء إلى فانون، فأثبت ذلك بالفعل: تحرّك"
من المفارقات أن فرنسا نفسها شهدت هذا العام إطلاق فيلمين جديدين عن فانون: أحدهما من إخراج جان-كلود بارني من غوادلوب، والآخر للجزائري عبد النور زحزاح. ورغم الطابع التجاري للفيلم الأول، فقد ساهم، ولو عرضًا، في إحياء الاهتمام بفكر فانون، عبر ارتفاع ملحوظ في مبيعات كتبه، وتنظيم سلسلة من الندوات والنقاشات الفكرية. غير أن أوليفييه لم يُخفِ استياءه من فيلم بارني، الذي يرى أنه وقع في أخطاء تاريخية فادحة، وقدم صورة مشوّهة لوالدته جوزي.
وحين سألته عن الصعوبات المرتبطة بالحفاظ على إرث والده، كان واضحًا في رؤيته لما ينبغي القيام به. وهو يعتقد أن إعادة قراءة فانون وتدريس فكره باتت أمرًا ملحًا في عام 2025، لا سيما لدعم نضالات التحرر في فلسطين. وكما هو متوقع، انهالت عليه الدعوات للمشاركة في مؤتمرات وندوات احتفالية بمئوية فانون. لكن أوليفييه يرفض الاكتفاء بالكلام وحفلات التكريم الرمزية. يقول بلغة حاسمة: "إذا كنتَ تزعم الانتماء إلى فانون، فأثبت ذلك بالفعل: تحرّك".
مترجم من هذا المصدر