تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 14 يوليو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

"في البدء كانت الكلمة"... كيف سرق الرصاص المعنى في الحرب؟

26 يونيو, 2026
الصورة
"في البدء كانت الكلمة"... كيف سرق الرصاص المعنى في الحرب؟
Share

لا توجد حرب بلا قاموس. كل نزاع مسلح يولد لغته الخاصة، بمفرداتها وتراكيبها ومحرماتها ومسلّماتها. لكن ما حدث للغة في السودان منذ اندلاع شرارة الخامس عشر من أبريل/نيسان 2023 لم يكن مجرد ولادة قاموس حرب جديد، إنما كان عملية إبادة لغوية تكاد تكون منهجية طالت الكلمات التي كان يمكن بها تصوّر السلام، والمواطنة، والنسيج الاجتماعي، والمستقبل المشترك. حيث لم تكتفِ هذه الحرب بتحويل المدن إلى ركام، إنما مدت أنيابها إلى أعماق الوعي الجمعي، لتعيد تشكيل الطريقة التي يفكر بها السودانيون ويتحدثون ويحلمون، وكيف ينظرون إلى الآخر. وفي الواقع هذه القراءة ليست استعارة جوفاء؛ إنها الجبهة الأخطر في معركة عسكرة المعرفة: تحويل اللغة نفسها إلى سلاح، إلى ساحة قتال، وإلى غنيمة.

كيف تصبح الأبجدية خط نار؟

في زمن السلم، تؤدي اللغة وظائفها الحياديّة البريئة: التسمية، التواصل، التفكير، التخييل. لكن الحرّب تُدخل اللغة في منطق العسكرة الشامل، فتصبح كل كلمة إما طلقة في صفك أو طعنة في صف عدوك وهذا بالضبط ما حدث وما يزال يحدث باطراد خلال حرب أبريل في البلاد. حيث إختفى الحياد اللغوي؛ ومات الترادف. لم تعود هناك كلمات بريئة، لأن كل لفظة صارت مشحونة بالولاء والعداء. مدينة "الخرطوم"، كغيرها من مدن نيالا، الفاشر، ودمدني، لم تعد مجرد مدينة، إنما "منطقة عمليات عسكرية". "الجامعة" لم تعد فضاء للعلم، إنما "ثكنة". "الطالب" لم يعد طالب علم، بل "مقاتل محتمل" أو "نازح" أو "لاجئ" إن يكن المستهدف الأول للقتل. وعلى المستوى الأعمق، "الحقيقة" ذاتها توقفت عن أن تكون ما يمكن التحقق منه، لتصبح ما يخدم بقاءك في معركة السردية.

إن ما نسميه "عسكرة اللغة" ليس مجرد تطور دلالي طبيعي تفرضه ظروف استثنائية فرضتها قاسية البارود، إنما هو إعادة هيكلة عنيفة لاقتصاد المعنى، تجري تحت إكراه الرصاص. سرقت الحرب الكلمات من أصحابها، أعادت تعريفها وفق منظومة القوة، وفرضت قاموسًا جديدًا يُنتج الذعر والاستقطاب والانقسام بدلًا من الفهم والتواصل والحوار الجدلي. وقد تجلت هذه العملية في هذا السياق السوداني العنيف في خمسة مسارات كبرى، متشابكة ومتزامنة: مصادرة المعجم الثوري، خلق قاموس التفتيت، عسكرة التسمية، تدمير زمن المستقبل اللغوي، وتفريغ الألم من طاقته الأخلاقية.

مصادرة المعجم الثوري

لكل ثورة قاموسها، فقد أنتج حراك ديسمبر 2018 الثوري لغة مدهشة في كثافتها وطموحها: "حرية، سلام، عدالة"، "مدنية خيارنا"، "تسقط بس"، "الموكب"، "لجنة المقاومة"، "الاعتصام"، "الشراكة المدنية العسكرية"، "الفترة الانتقالية"، "الدولة المدنية الديمقراطية". وبالطبع لم تكن هذه الكلمات مجرد شعارات، إنما كانت محاولة لبناء واقع لغوي يمهّد لواقع سياسي جديد. كانت تحمل في طياتها أفقًا مستقبليا كاملا، وقيما كونية تمت ترجمتها إلى قاموس الحراك الثوري السوداني اليومي.

لكن مع انفجار حرب أبريل/نيسان، تمت مصادرة هذا المعجم بالكامل، ليس فقط من التداول السياسي، إنما من إمكانية التصوّر. كلمة "حرية" أصبحت ترفًا لا يستطيع قوله من يبحث عن الخبز وسط النهب والنزوح. "سلام" أصبحت كلمة مشبوهة، يستخدمها الطرفان لإدارة العنف وليس لإنهائه؛ "السلام" في خطاب أمراء الحرب هو هدنة مؤقتة لإعادة التموضع. "عدالة" تحوّلت إلى مطلب مستحيل في زمن يموت فيه الناس دون حتى أن تُحصى جثثهم، ناهيك عن محاسبة قاتليهم. "مدنية" أصبحت نقيضًا لكل واقع معاش، وربما سذاجة سياسية في نظر من يمسكون بالسلاح.

في زمن السلم، تؤدي اللغة وظائفها الحياديّة البريئة: التسمية والتواصل والتفكير والتخييل. لكن الحرّب تُدخل اللغة في منطق العسكرة الشامل، فتصبح كل كلمة إما طلقة في صفك أو طعنة في صف عدوك

الأكثر شناعةً في هذه المصادرة أنها لم تتم عبر المنع القانوني أو الرقابة المؤسسية فقط، إنما تمت عبر الواقع نفسه. ماتت الكلمات لأن الأشياء التي تشير إليها انهارت. وكيف تتحدث عن "لجان المقاومة" كفاعل سياسي حين تحوّلت هذه اللجان تدريجياً إلى "غرف الطوارئ" توزع الإغاثة وتدفن الموتى؟، بل كيف تتمسك بشعار "مدنية خيارنا" حين يقرر صوت الرصاص وحده من يحكم الحي أو المدينة أو الشارع أو الطريق الرابط؟ هذه الحرب لم تصادر الكلمة بمنع النطق بها، إنما قامت بتجفيف معناها، وتحويلها إلى أثر أثري لماضٍ مضحٍ لم يعد ممكنًا.

كيف تصنع الحرب لغة لتدمير "السودان"؟

إذا كانت حراك ديسمبر الثوري، قد أنتج لغة جامعة حاولت أن تخاطب "الشعب السوداني" بمختلف أطيافه الاجتماعية والسياسية والثقافية، بوصفه كيانًا سياسيًا واحدًا، فإن حرب أبريل أنتجت قاموسًا مضادًا، عماده التفتيت وإعادة القولبة الهوياتية والايدولوجية والاجتماعية. حيث لم يعد ثمة "سودانيون" بالمعنى المدني الشامل، بل تحولوا في الخطاب الحربي إلى كتل متصارعة: "أولاد المركز" و"أبناء الأقاليم"، "أبلداي" و"دعامة"، و"فلنقاي"، و"بلابسة"، و"متعاونون" و"مستنفرون"، و"شعوب أصليون" و"نازحون"، و"لاجئون"، و"مجتمعات مستضيفة"، غيرها.

وكلمات "متعاون" و"فلول" و"الخونة" و"العملاء" و"المرتزقة" لم تكن مجرد شتائم سياسية ذات صبغة عسكرية، إنما كانت أدوات تصنيف وجودي تهدف إلى إخراج الآخر ولاسيما المدني وفق حركته وسكونه، من دائرة الإنسانية، تمهيدًا لإخراجه من دائرة الحياة. "متعاون" في خطاب كلا طرفي الحرب بحلفاؤهما، تفقد صاحبها أي صفة سياسية أو قانونية، ليصبح مجرد عدو لدود يمكن استهدافه دون أدنى اعتبارات القانون الدولي الإنساني، بل تجرّد الموصوفين من صفتهم كمواطنين لهم حقوق، ليصبحوا مجرد بشر بلا حماية ويمكن استهدافهم في أي لحظة. وبالتالي أصبحت الكلمة سلاح إبادة معنوي يسبق الإبادة المادية.

الأدهى أن هذه المصطلحات لم تبقَ حبيسة الخطاب الرسمي للأطراف الحرب، إنما تسربت إلى الحديث اليومي للمواطن العادي، فأصبح السوداني يستخدمها لتصنيف جاره وقريبه وزميله وصديقه السابق. اللغة الانقسامية لم تعد ترفًا إعلاميًا، إنما أصبحت البنية العميقة للوعي الجمعي اليومي. في هذا المنحى، أصبح أي حديث عن "السودان" ككيان جامع شبه مستحيل لغويًا، لأن القاموس السائد لم يعد يتضمن كلمات جامعة، إنما كلمات فارقة ومفتتة. حيث دمرت الحرب السودان الجغرافي، لكن قاموسها يمنع تخيل سودان سياسي موحّد يحمل آفاقاً نحو بلد يحترم الحقوق ويحميها.

عسكرة التسمية؛ الصراع على شرف الكلمة

في الحرب، التسمية ليست وصفًا محايدًا، إنما هي معركة في حد ذاتها. من ينجح في فرض مصطلحه على الآخر يكون قد انتزع منه سلاح السردية. في حرب أبريل، رأينا صراعًا مريرًا حول كل تسمية كبرى. حيث يصر عناصر "قوات الدعم السريع" على تسمية قواتهم: "قوات الدعم السريع" بوصفها قوات نظامية اندمجت في الدولة دهرئذ، بينما يصر "الجيش" على تسميتها "القوات المتمردة" ومن يدعمونه من المدنيين وحتى الشبكات الحقوقية والمدافعين عن حقوق الانسان، على تسميتها "ميليشيا" و"جنجويد". وبين التسميتين، تختفي آلاف الفروق الدقيقة حول تشكل هذه القوات وتحولاتها. وفي المقابل، يصف أنصار "الدعم السريع" الجيش بأنه "فلول" الإنقاذ و"كتائب ظل" الإسلاميين، بينما يصر أنصار "الجيش" على تسميته "القوات المسلحة السودانية" المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة والمدافعة عنها ومؤسساتها.

ماتت الكلمات لأن الأشياء التي تشير إليها انهارت. وكيف تتحدث عن "لجان المقاومة" كفاعل سياسي حين تحوّلت هذه اللجان تدريجياً إلى "غرف الطوارئ" توزع الإغاثة وتدفن الموتى؟

بين كلمتيّ الشهيد أم القتيل، في قاموس الحرب، لا أحد يموت فقط، إنما هو إما "شهيد" في رواية جماعته، أو "قتيل/هالك" في رواية العدو. من يستحق صفة "الشهيد" هو قرار سياسي محض، يحدد أي الدماء تستحق الحداد وأيها لا تستحق. كلمة "شهيد" تمنح الميت معنى وقيمة في اقتصاد الموت الحربي، بينما "قتيل" مجرد رقم. وكذلك الأمر تجاه مفردات النازح أم اللاجئ أم المهجرين قسرياً، خضعت لمنطق العسكرة عند تسمية ضحايا الحرب. "النازح" داخليًا يختلف عن "اللاجئ" خارج الحدود، ويختلفان عن "المهجّر قسريًا". كل تسمية تحمل آثارًا قانونية وحقوقية مختلفة، وتستخدمها أطراف النزاع لتقليل أو تضخيم حجم الكارثة.

هذه المعركة على التسمية بلغت ذروتها في فضاء التواصل الاجتماعي، حيث يخوض "جنود لوحة المفاتيح" حروبًا يومية لفرض مصطلحاتهم عبر الترندات والهاشتاقات، محولين اللغة إلى خندق متقدم في الحرب النفسية. وقد أصبح من المستحيل على أي سوداني محايد أو أي مراقب خارجي أن يستخدم أي مصطلح دون أن يُتهم بالانحياز. تحييد اللغة، أي استعادة كلمات جامعة متفق عليها، صار فعلًا ثوريًا في حد ذاته.

تفريغ الألم من طاقته الأخلاقية

للألم لغة. الجوع، الخوف، الفقد، الموت، كلها تجارب حدية تمتلك في الظروف الطبيعية قاموسًا شعريًا ونفسيًا ودينيًا غنيًا للتعبير عنها. في سياق هذه الحرب، قد حدث أمر غريب ومرعب: حيث ماتت هذه اللغة تدريجيًا، أو أختزلت إلى مفردات تقنية فاقدة للطاقة الأخلاقية.

في بداية النزاع، كان السودانيون يستخدمون كلمات مثل "مذبحة"، "إبادة"، "جرائم حرب"، وكانوا يروون قصص الموت بتفاصيلها الموجعة. لكن مع مرور الوقت، حلت لغة الأرقام محل لغة المآسي. "خمسة قتلى في المنطقة المعينة"، "عشرة نازحين قضوا جوعًا"، "ألف حالة اغتصاب موثقة". هذه الجمل الخبرية الجافة، وهي بالطبع ضرورية للتوثيق، تفعل شيئًا خطيرًا: إنها تجرّد الألم من فرادته، وتحوّله إلى إحصاءات تُقرأ ثم تُنسى.

الحرب لا تريد لضحاياها أن يحلموا، لأن الحلم لغة أخرى غير لغة البقاء. الحلم يحتاج إلى أفق زمني مفتوح، وإلى كلمات لم تلوثها الحرب بعد

اللوم هنا ليس على الصحفيين والناشطين الذين يوثقون ما يستطيعون، إنما على منطق الحرب، كهذه الحرب، الذي ينتج ألمًا بكميات هائلة تفوق قدرة اللغة البشرية على الاستيعاب والتعبير. ثمة عتبة معرفية ولغوية لا يمكن بعدها الشعور بكل حالة موت على حدة. عند هذه العتبة، تبدأ البلادة الأخلاقية، ويتحوّل "مائة قتيل" إلى خبر عادي، و"مجاعة تهدد ملايين" إلى عنوان روتيني، وهذا ما بدا يتخلل في نسيج الفضاء ليصبح تدريجياً أمراً عادياً يسهمل التعايش معه.

عسكرّت هذه البلادة اللغوية الألم، أي فصلته عن طاقته التحريضية على إنهاء الحرب. الكلمات التي كان يمكن أن تهز الضمير وتحرك المجتمع الدولي فقدت حدتها. "كارثة إنسانية" في السودان أصبحت جملة مستهلكة. "مجاعة" صارت متوقعة وليست صادمة. هذا القتل اللغوي للألم هو أحد أخطر انتصارات الحرب: أن تفقد القدرة على تسمية الرعب باسمه الحقيقي، وبالتالي تفقد القدرة على مواجهته.

نهب زمن المستقبل؛ حين تختفي الأفعال القادمة

اللغة ليست مجرد كلمات، إنما هي أيضًا أزمنة. لكل لغة ماضيها وحاضرها ومستقبلها، ولكل زمن أفعاله وتراكيبه. والحروب لا تدمر الحاضر والماضي فحسب، إنما تنهب زمن المستقبل من اللغة، فتضمر الأفعال الدالة على الآتي، أو تفرغها من معناها.

في هذا الصعيد، اسأل سودانيًا في سياق استمرار هذه الحرب: "ماذا ستفعل غدًا؟" لن يكون للجواب معنى. لقد تحوّل "غدًا" إلى ترف لغوي لا يمتلكه من لا يعرف إن كان سيظل حيًا، أو إن كان سيجد لقمة يسكت بها جوع أطفاله. قد أصبح المستقبل فراغًا لا يمكن ملؤه بالخطط والمشاريع، إنما بالتمنيات: "إن شاء الله نلقى أكل"، "يا رب تنتهي الحرب". هذه الجمل التي تستخدم صيغة الدعاء لا الجزم، تعكس اغتيالًا لغويًا لإمكانية التخطيط العقلاني للمستقبل.

حتى الأفعال المستقبلية البسيطة كـ"سأدرس"، "سأتزوج"، "سأبني بيتًا"، "سأزرع أرضي" أصبحت مؤجلة إلى أمدّ غير منظور. ليس فقط لأن الظروف المادية تمنعها، بل لأن اللغة نفسها لم تعد توفر إطارًا للتعبير عنها دون سخرية مريرة. من يقول "سأكمل رسالة الدكتوراه" في خيمة نزوح؟ الجملة تصبح شبه عبثية.

هذا النهب لزمن المستقبل هو تتويج صريح لعسكرة اللغة. الحرب لا تريد لضحاياها أن يحلموا، لأن الحلم لغة أخرى غير لغة البقاء. الحلم يحتاج إلى أفق زمني مفتوح، وإلى كلمات لم تلوثها الحرب بعد. باستلاب زمن المستقبل، تكاد هذه الحرب أن تنجح في حبس الوعي السوداني في حاضر ممتد من الرعب والاستجابة الغريزية، مانعة إياه من التفكير في "ما بعد الحرب" الذي بدونه لا يمكن إنهاء الحرب نفسها.

هل من عودة للكلمات المسروقة؟

في رواية "1984" لجورج أورويل، تسعى السلطات إلى تضييق اللغة باستمرار، لأنها تعرف أن إلغاء الكلمات هو إلغاء للأفكار التي تحملها، وأن من يتحكم في القاموس يتحكم في العقل. في السودان اليوم، لا توجد وزارة للحقيقة تدير اللغة، بل ثمة حرب تفعل ذلك بطريقتها الأعمق والأكثر فتكًا: إنها تدمر عوالم المعاني بتدمير العالم المادي نفسه. حين يُسرق الرصاص الكلمات، يصبح السلام أبعد من مجرد اتفاق سياسي؛ يصبح السلام إعادة اختراع للغة جديدة، أو استعادة للغة مسروقة. وإذا كانت الحرب قد عسكرت اللغة بهذا الشكل المرعب، فإن أي سلام مستقبلي في السودان سيحتاج إلى ما يمكن تسميته "نزع سلاح اللغة"، أي عملية تفكيك القاموس الحربي وإعادة بناء لغة مشتركة صالحة للتعايش؟ وإلى أن يحدث ذلك، ستظل الحرب منتصرة ليس فقط في الشوارع والأحياء، إنما في أعمق أعماق العقل السوداني، حيث تتشكل المعاني وحيث يولد الأمل، أو يموت.