تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 12 أغسطس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

في أبعاد النقاش الوطني للمحاكم الشرعية بإثيوبيا: تقاطعات الإصلاح التشريعي والسؤال الثقافي

17 يونيو, 2026
الصورة
في أبعاد النقاش الوطني للمحاكم الشرعية بإثيوبيا: تقاطعات الإصلاح التشريعي والسؤال الثقافي
Share

تقع أهمية الأحداث الكبرى دائما في الأسئلة التي تجرؤ المجتمعات على طرحها على طاولة النقاش. ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى المبادرة التي شهدتها إثيوبيا خلال شهر يونيو/حزيران 2026، والمتمثلة في إطلاق نقاش وطني مفتوح حول مشروع تعديل قانون المحاكم الشرعية الفيدرالية. فالحدث، في ظاهره، يتعلق بمراجعة نصوص قانونية تنظم اختصاصات المحاكم الشرعية وإجراءاتها، غير أنه في الآن ذاته يعكس تحولات أوسع تمس علاقة الدولة بالدين والقانون بالمجتمع والتقليد بمتطلبات العصر.

إن مجرد فتح باب النقاش العمومي حول مؤسسة قضائية ذات مرجعية دينية يعد في حد ذاته حدثا ثقافيا وسياسيا ذا دلالة. فالمجتمعات لا تناقش إلا ما تعتبره جزءاً من مستقبلها، ولا تراجع إلا ما ترى أنه ما يزال يمتلك القدرة على الاستمرار والتأثير. ولذلك فإن المبادرة الإثيوبية يمكن قراءتها باعتبارها لحظة تأمل جماعي في موقع القضاء الشرعي داخل الدولة الحديثة، وفي الوظائف التي يمكن أن يؤديها في مجتمع متعدد الهويات والانتماءات.

لقد اعتادت الأدبيات السياسية في العقود الأخيرة أن تقدم العلاقة بين الدولة الحديثة والمؤسسات الدينية بوصفها علاقة تنافس أو صراع. وغالبا ما يتم تصوير أي نقاش يتعلق بالقضاء الشرعي أو المرجعية الدينية في إطار ثنائية حادة بين المحافظة والتحديث، أو بين الدين والعصر، أو بين الخصوصية المحلية والمعايير القانونية الحديثة. غير أن التجربة الإثيوبية تقدم صورة مختلفة نسبيا؛ إذ يبدو أن النقاش يدور حول كيفية تطوير المؤسسة وتحسين أدائها ومواءمتها مع التحولات الاجتماعية والقانونية دون المساس بجوهر مرجعيتها.

لعل خصوصية الحالة الإثيوبية تمنح هذا النقاش أهمية إضافية، فإثيوبيا واحدة من أكثر المجتمعات الأفريقية تنوعا. ويعني ذلك أن إدارة المجال القانوني فيها تقتضي قدرا كبيرا من الحساسية تجاه التعدد الاجتماعي والثقافي. ومن ثم فإن النقاش حول المحاكم الشرعية يتصل مباشرة بكيفية تنظيم التعدد داخل الدولة، وضمان مشاركة مختلف المكونات الاجتماعية في صياغة القواعد التي تنظم حياتها.

ومن اللافت أن المشروع المطروح للنقاش جاء ثمرة دراسات قانونية ومشاورات متعددة، مع الاستفادة من تجارب دولية مختلفة. وهذه الإشارة تكشف عن تحول مهم في طريقة التفكير في الإصلاح القانوني. فالتشريع باعتباره عملية تراكمية تستفيد من الخبرات المقارنة ومن نتائج البحث العلمي ومن التجارب الميدانية. وهذا بحد ذاته تطور إيجابي؛ لأن جودة التشريعات الحديثة أصبحت مرتبطة بمدى استنادها إلى المعرفة والخبرة أكثر من ارتباطها بالرغبات السياسية الآنية.

الإصلاح الحقيقي يبدأ حين تتحول المؤسسات من موضوع للمواجهة الأيديولوجية إلى موضوع للنقاش العمومي الرشيد

غير أن السؤال الأهم يظل متعلقا بطبيعة المحاكم الشرعية نفسها. فهذه المحاكم تمثل في كثير من المجتمعات الإسلامية إحدى صور حضور المرجعية الدينية داخل المجال العام. ولذلك فإن أي نقاش حولها يتحول تلقائيا إلى نقاش حول معنى الشريعة وموقعها في الحياة الاجتماعية.

من هنا ينبغي التمييز بين أمرين كثيرا ما يختلطان في النقاشات العامة: الشريعة بوصفها منظومة قيم ومبادئ وأحكام، والمحاكم الشرعية بوصفها مؤسسة بشرية لتنزيل بعض تلك الأحكام في الواقع. فالنقد الذي قد يوجه إلى مؤسسة قضائية أو إلى آليات عملها أو إلى بعض إجراءاتها لا يعني بالضرورة نقد المرجعية الشرعية ذاتها. كما أن تطوير المؤسسة وتحسين أدائها قد يكون في بعض الأحيان شرطاً لتحقيق مقاصد الشريعة بصورة أفضل.

لهذا فإن القيمة الفكرية للنقاش الإثيوبي تكمن في تذكيره بأن المؤسسات الشرعية مؤسسات اجتماعية وقانونية تتأثر بالسياقات التي تعمل داخلها، وليست مجرد كيانات جامدة خارج التاريخ. وكلما ازدادت المجتمعات تعقيداً، ازدادت الحاجة إلى مراجعة هذه المؤسسات وتطويرها حتى تتمكن من أداء وظائفها بكفاءة أكبر.

من بين القضايا التي تستحق التأمل في هذا السياق مسألة العلاقة بين المرجعية الدينية والأنظمة القانونية الحديثة. فبعض النقاشات العامة تقدم الأمر وكأن هناك تعارضا حتميا بين الالتزام بالشريعة وبين متطلبات الدولة القانونية المعاصرة. غير أن الواقع أكثر تعقيدا من هذه الصورة المبسطة. فالكثير من التحديات التي تواجه المحاكم الشرعية اليوم لا تتعلق بمضامين الأحكام نفسها بقدر ما تتعلق بالإجراءات القضائية، وسرعة البت في القضايا، وضمانات المحاكمة العادلة، وشفافية العمل المؤسسي، وإمكانية الوصول إلى العدالة.

هذه كلها قضايا تنسجم مع مقاصد الشريعة الكبرى في تحقيق العدل وصيانة الحقوق ومنع الظلم. ولذلك فإن نجاح أي إصلاح للمحاكم الشرعية يقاس بمدى قدرته على تعزيز ثقة المواطنين في المؤسسة القضائية وتحسين جودة الخدمات التي تقدمها.

الانتقال من الدفاع عن وجود المحاكم الشرعية إلى التفكير في جودة أدائها يمثل نقلة نوعية في النقاش القانوني المعاصر

كما أن الإشارة إلى ضرورة مراعاة الخصوصيات المحلية للأقاليم المختلفة تفتح بابا مهما للتفكير في العلاقة بين الوحدة والتنوع داخل الدولة. فالتشريع الحديث يواجه دائما معضلة الموازنة بين الحاجة إلى قواعد عامة موحدة وبين ضرورة احترام الخصوصيات الاجتماعية والثقافية للمجتمعات المحلية. وكلما كانت الدولة أكثر تنوعاً، ازدادت أهمية هذه الموازنة.

في هذا الإطار يمكن النظر إلى المحاكم الشرعية باعتبارها إحدى الآليات التي تسمح بإدارة التنوع داخل الدولة دون المساس بوحدتها القانونية والسياسية، فهي تتيح لبعض المكونات الاجتماعية الاحتكام إلى مرجعياتها الدينية في مجالات محددة، ضمن إطار دستوري وقانوني عام. ومن ثم فإن تطوير هذه المحاكم قد يسهم في تعزيز الاندماج الوطني بدلاً من أن يكون مصدراً للانقسام.

من زاوية ثقافية أوسع، يكشف النقاش الإثيوبي عن تحول مهم في طبيعة العلاقة بين المؤسسات الدينية والمؤسسات التشريعية، فبدلا من أن تكون العلاقة قائمة على التنافس أو الشك المتبادل، يبدو أن هناك اتجاها نحو بناء شراكة قائمة على الحوار والتشاور. وهذه النقطة جديرة بالتأمل في كثير من البلدان التي ما تزال تنظر إلى الدين والقانون باعتبارهما مجالين منفصلين أو متعارضين.

المجتمعات لا تناقش إلا ما تعتبره جزء من مستقبلها، ولا تراجع إلا ما ترى أنه ما يزال يمتلك القدرة على الاستمرار والتأثير

فالخبرة التاريخية للمجتمعات الإسلامية تشير إلى أن الفقه والقضاء والمؤسسات الاجتماعية نشأت دائماً من خلال أشكال مختلفة من التفاعل بين العلماء والحكام والمجتمع. ولذلك فإن الحوار بين المؤسسات الدينية والتشريعية يعبر عن أحد أنماطه الأساسية.

من جهة أخرى، يثير هذا الحدث سؤالا مهما يتعلق بمستقبل القضاء الشرعي في العالم الإسلامي والأفريقي. فالتحدي الذي تواجهه هذه المؤسسات اليوم ليس تحدي البقاء فحسب، وإنما تحدي الفاعلية أيضاً. فوجود مؤسسة قضائية ذات مرجعية دينية لا يكفي في حد ذاته لضمان نجاحها أو استمرارها. إنما يتوقف ذلك على قدرتها على الاستجابة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يعرفها المجتمع.

لهذا، فإن الانتقال من الدفاع عن وجود المحاكم الشرعية إلى التفكير في جودة أدائها يمثل نقلة نوعية في طريقة مقاربة هذا الملف. فالمؤسسات لا تكتسب مشروعيتها من تاريخها فقط، وإنما من قدرتها المستمرة على خدمة الناس وتحقيق العدالة بينهم.

في النهاية، قد يكون أهم ما تكشفه التجربة الإثيوبية هو أن الإصلاح الحقيقي يبدأ حين تتحول المؤسسات من موضوع للمواجهة الأيديولوجية إلى موضوع للنقاش العمومي الرشيد. فالمحاكم الشرعية، شأنها شأن أي مؤسسة أخرى، لا ينبغي أن توضع خارج دائرة التقييم والمراجعة والتطوير. كما أن تحديثها قد يكون السبيل إلى المحافظة على فاعليتها واستمرارها.