الجمعة 17 أبريل 2026
يمثل فوز زهران ممداني في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، لمنصب عمدة نيويورك، مؤشرًا على بروز تيار سياسي جديد، يعيد رسم خريطة السياسة الأمريكية. ففوز هذا السياسي الأمريكي من أصول أوغندية وهندية، والذي يشغل منصب نائب في الجمعية التشريعية لولاية نيويورك، يؤكد ما كان يتبلور بصمت على مدى سنوات؛ أي بروز توجه سياسي جديد تقوده الطبقة العاملة المهاجرة، يقوم على التنظيم الشعبي والتضامن مع النقد الصارم لعدم المساواة.
ركزت حملة ممداني حول قضايا ملموسة تمسّ الحياة اليومية للطبقة العاملة، من بينها تجميد الإيجارات، وتوفير رعاية شاملة ومجانية للأطفال، وتطوير وسائل النقل العام، والاستثمار في البنية التحتية الخضراء. نجحت هذه الرسائل في تحفيز تحالفات واسعة، تضم فئات متعددة الأعراق من أبناء الطبقة العاملة في مختلف أحياء المدينة. كما أن فوزه يمثل رفضًا صريحًا لنفوذ الشركات والفساد المحلي، ما يعكس تأييدًا قويًا لنموذج سياسي تقوده جماعات مهاجرة، تنطلق من تجارب شخصية وجماعية ترتبط بعمق بنضالات عالمية من أجل العدالة الاجتماعية.
هذا الحراك لا يقتصر على نيويورك وحدها. ففي الكونغرس، لعبت إلهان عمر؛ اللاجئة والحارسة الأمنية السابقة، وابنة المهاجرين الصوماليين، دورًا محوريًا في رسم ملامح هذا اليسار الجديد. وتنضم إليها رشيدة طليب، أول امرأة أمريكية من أصول فلسطينية تنال عضوية الكونغرس.
حذّر فيه من أن المهاجرين واللاجئين يغيّرون الولايات المتحدة نحو الأسوأ. كانت الرسالة الضمنية واضحة: إشارة مشفّرة لأنصاره من حركة "لُنعيد لأمريكا عظمَتها"، وخصوصًا من البيض المنتمين إلى الطبقتين العاملة والوسطى، ممن يحمّلون الهجرة مسؤولية تدهور البلاد
تمثل طليب وعمر وممداني تيارًا سياسيًا يتشكل ليس فقط من واقع التفاوت الاجتماعي في الولايات المتحدة، بل من تجارب شخصية أو إرثية مرتبطة بعدم الاستقرار والتقشف والقمع في بلدان الجنوب العالمي. وقد برزوا كوجوه بارزة لاتجاه أوسع نطاقًا: سياسيون من خلفيات مهاجرة، يشكلون العمود الفقري ليسار ديمقراطي صاعد ومتمرد.
بيد أن هذه ليست هي الصورة التي يحملها دونالد ترامب عن الهجرة والمهاجرين؛ ففي أكتوبر/تشرين الأول 2019، ألقى الرئيس آنذاك دونالد ترامب خطابًا في تجمع انتخابي بمدينة مينيابوليس - وهي مدينة تضم جالية صومالية كبيرة، وتمثلها إلهان عمر في الكونغرس. مستعينًا بخطابات اليمين المتطرف المألوفة، حذّر فيه من أن المهاجرين واللاجئين يغيّرون الولايات المتحدة نحو الأسوأ. كانت الرسالة الضمنية واضحة: إشارة مشفّرة لأنصاره من حركة "لُنعيد لأمريكا عظمَتها"، وخصوصًا من البيض المنتمين إلى الطبقتين العاملة والوسطى، ممن يحمّلون الهجرة مسؤولية تدهور البلاد. هذا الخطاب شكّل تمهيدًا لما أصبح مألوفًا لاحقًا -حملات ترحيل غير قانونية، وغالبًا عنيفة، طالت الآلاف من أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا.
في سردية ترامب، تتحمل الهجرة من "البلدان الحثالة"، بتوصيف الرئيس، مسؤولية تفشي الجريمة، وتباطؤ الاقتصاد، وسوء استغلال الموارد العامة. لكن ما تجاهله عمدًا هو أن كثيرًا من المهاجرين الصوماليين في مينيابوليس فرّوا من أوضاع عنيفة وغير مستقرة - بعضها كان نتيجة مباشرة، بالتدخلات والسياسات الخارجية للولايات المتحدة نفسها.
لقد كان ترامب محقًا جزئيًا بالفعل؛ فالمهاجرون وأبناؤهم يغيرون ملامح الحياة السياسية في الولايات المتحدة، لكن ليس بالطريقة التي كان يخشاها. ففي الحقيقة، قبل عام واحد فقط من خطابه، كانت ضواحي مينيابوليس مسرحًا لأول إضرابات عمالية ضد ممارسات شركة أمازون الاستغلالية. وقد قاد هذه التحركات، في معظمها، مهاجرون صوماليون، وأسهم ذلك في إحياء حركة نقابية وطنية متجددة. ما بدأ داخل مستودع واحد سرعان ما امتد إلى منشآت أخرى تابعة لأمازون، ثم إلى قطاعات صناعية متعددة.
تتجلى هنا أهمية فوز ممداني في الانتخابات التمهيدية لمنصب عمدة نيويورك. فإلى جانب شخصيات مثل إلهان عمر، يجسد ممداني نمطًا جديدًا من القيادة. قيادة تنبع من التجربة الحياتية التي تتغذى على التنظيم القاعدي، وتمتلك القدرة على ترجمة السياسات المعقدة إلى مطالب مباشرة وواضحة من أجل العدالة.
تمحورت حملته حول الكرامة الاقتصادية، وحقوق المستأجرين، ورعاية الأطفال، والعدالة المناخية، وفرض ضرائب عادلة على الأغنياء، وكلها قضايا متجذرة في واقع الطبقة العاملة ومعاناتها اليومية.
خذ على سبيل المثال المهاجرين الأفارقة، الذين ينحدر منهم كل من زهران ممداني وإلهان عمر، ممن يُقدَّر عدد - من أفريقيا جنوب الصحراء في الولايات المتحدة اليوم - بنحو 2.1 مليون شخص، الذين يشكلون ما يقارب 5٪ من مجمل السكان المولودين خارج البلاد. وغالبًا ما تسلط التغطيات الإعلامية الضوء على ارتفاع مستويات التعليم والنجاح المهني في أوساطهم، وهي حقائق تروّج لها بقوة نخب الطبقة الوسطى والعليا في الشتات. لكن هذه السرديات تُغفل واقع الغالبية العظمى، وهم أصحاب الدخول المتدنية والوظائف الهشة ومعدلات الفقر التي تفوق ما هو مسجل بين فئات مهاجرة أخرى.
يعيد الأفارقة ابتكار السياسة الديمقراطية، على الرغم من الضغوط التي تفرضها النيوليبرالية والسلطوية والعسكرة. من حركة "أنهوا سارس" في نيجيريا، و"المسير إلى العمل" في أوغندا، مرورًا بالربيع العربي، ووصولًا إلى حركة "إسقاط الرسوم الجامعية" في جنوب أفريقيا، قدّم النشطاء الأفارقة رؤى جريئة في نقد الظلم
بوصفي مؤسس موقع "Africa Is a Country" أمضيت ما يقرب من خمسة عشر عامًا أتتبّع كيف يعيد الأفارقة ابتكار السياسة الديمقراطية، على الرغم من الضغوط التي تفرضها النيوليبرالية والسلطوية والعسكرة. من حركة "أنهوا سارس" في نيجيريا، و"المسير إلى العمل" في أوغندا، مرورًا بالربيع العربي، ووصولًا إلى حركة "إسقاط الرسوم الجامعية" في جنوب أفريقيا، قدّم النشطاء الأفارقة رؤى جريئة في نقد الظلم. ولم تقتصر تأثيرات هذه الحركات على محيطها، بل امتد صداها إلى نضالات عالمية، كما يتجلى بوضوح في أوجه التشابه بينها وبين حركة "حياة السود مهمة" في الولايات المتحدة.
يستلهم العديد من المهاجرين الأفارقة في أمريكا هذه التقاليد النضالية. فقد نَشط ممداني إلى جانب سائقي سيارات الأجرة في نيويورك في معركتهم ضد الديون، بينما عملت عمر في تنظيف المكاتب وعلى خطوط الإنتاج في المصانع. وقد بنى الاثنان مسيرتهما السياسية من خلال الإنصات للمجتمعات المهمشة والتنظيم من داخلها، لا من فوقها.
في بلد لا يزال يعاني من آثار الكراهية التي عمّقتها سنوات ترامب، ومن تفاقم التفاوت الطبقي، يقدّم هؤلاء القادة الجدد بديلاً واعدًا. إنهم يبنون تضامنًا عابرًا للانقسامات بين المهاجرين والمولودين في الداخل، بين المسلمين وغير المسلمين، بين الأمريكيين السود والوافدين الأفارقة الجدد، وبين أبناء الجيل الثاني من المهاجرين من بقاع أخرى، تضامن لا يقوم على الذوبان في الثقافة السائدة، بل على نضال مشترك من أجل العدالة والكرامة.
كما أشار منظّر السياسة كوري روبن مؤخرًا على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن زهران ممداني يُعد "محاربًا سعيدًا" على غرار فرانكلين روزفلت؛ حاد الذكاء ومتجذر في الواقع، ولا يتردد في خوض النقاشات الحقيقية. فضلا عن أن كونه مسلمًا، ومن أصول جنوب آسيوية، يُضفي على حضوره السياسي بُعدًا أعمق، خاصة في مدينة وبلد أعادت الهجرة العالمية تشكيل ملامحهما. إنه يُجسد مستقبلًا ديمقراطيًا جذريًا، وهو مستقبلٌ يعجز المحافظون عن احتوائه أو حتى فهمه.