الجمعة 15 مايو 2026
أصدر المفكر والفيلسوف التونسي فتحي التريكي مؤخرا، كتابا باللسان الفرنسي عنوانه "التفلسف في أرض الإسلام" يحلل فيه معطيات وتصورات الفلسفة في العالم العربي وفي أفريقيا. في حوار خاص مع "جيسكا"، أوضح المفكر والفيلسوف التونسي فتحي التريكي، مدى الاختلافات بين تقاليد التفلسف في الفضائيين العربي والأفريقي، ورأى أن "الفلسفة في هذين العالمين هي الآن في لحظة الوعي بهويّتهما بنضال وصمود ضدّ هيمنة الكونيّة الغربيّة، كما أنهما في حالة تكامل".
ولفت إلى أن "الاستعمار الغربي أظهر للجميع أنّ الكونيّة هي تكوين غربي، وما علينا جميعا هو أن نقبل ذلك، وإلا فنحن ضدّ الكونيّة. وهذا ما دعا الفلاسفة في أفريقيا والعالم العربي إلى إعادة النظر في مفهوم الكونيّة وتأكيد إسهامات القارة الإفريقية في تكوّن الفكر الفلسفي الكوني".
بين أن "فكر الحداثة في أفريقيا شديد التنوّع ويختلف من بلد إلى آخر. ولا بدّ هنا من تصحيح بعض المعطيات الخاصة بمفهوم الحداثة"، وهو ما قام بتحليله في كتابه "فلسفة الحداثة". مبرزا في معرض تقييمه لوجه الاختلاف بين الحداثة في تونس والحداثة في الشرق العربي أنّ" فكر الحداثة في تونس هو أصلا فكر تطبيقي بينما بقي في الشرق فكرا نظريا وتطبيقه بطيء."
وعن جدوى الفلسفة في ظل استمرار الحروب والنزاعات واستشراء ظاهرة الانكفاء على الذات، اعتبر أن "دور الفيلسوف اليوم لم يعد فقط إنشاء المفاهيم والتصوّرات فقط، بل أيضا بالنّضال المستمر ضد هذه الجرائم، وبالمطالبة المتجدّدة دائمًا بكرامة الإنسان، وبحريته، وبمختلف القيم، ومن هنا تبدأ المقاومة ضدّ اللاإنساني وغير المحتمل". وفق تقديره.
الدكتور فتحي التريكي هو مفكّر وفيلسوف تونسي، ورئيس معهد تونس للفلسفة، وأستاذ كرسيّ اليونسكو للفلسفة في جامعة تونس. شغل العديد من المناصب، منها عميد كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في صفاقس، وأستاذ زائر في جامعة ديوك في الولايات المتّحدة وفي جامعة باريس 8، وأستاذ فخري في جامعة تونس، ومدير مختبر الفلسفة في جامعة تونس. له العديد من المؤلّفات: "العقل والحريّة" و"فلسفة الحداثة" و"الفلسفة الشريدة" و"قراءات في فلسفة التنوّع". نال وسام الاستحقاق في التعليم والعلوم، والجائزة الوطنيّة في الآداب والعلوم الإنسانيّة، ووسام الجمهوريّة في تونس، ودبلوم الجدارة العلميّة من معهد تعزيز الفلسفة الفرنكوفونيّة في كينشاسا. حائز على دكتوراه في الفلسفة السياسيّة من جامعة السوربون في باريس، وعلى دكتوراه الدولة في الفلسفة من كليّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة في تونس.
فتحي التريكي: لا بد هنا أن أذكر بأنني بدأت التفكير في إشكالية التنوع منذ أواخر السبعينات عندما كان النظام القائم حينئذ يستند إلى الوحدوية فكرا وعملا: حزب واحد إيديولوجية واحدة رافضة لكل إمكانية المعارضة. وكذلك الشأن بالنسبة إلى النضالات الطلابية والشعبية التي كانت أيضا ترتكز على نظريات مغلقة، ومواقف متحجّرة رافضة لكل إمكانيات التعدّد والاختلاف. لذا قامت فلسفة التنوع على نقد الجهتين، نقد الفكر الواحد وما ترتب عنه من نتائج سياسية واجتماعية. كذلك نقد المنظومة الماركسية التي كان يعتمدها اليساريون الماركسيون الذين هم يرفضون التحاور والتعامل والتعايش مع المختلف. فإذا كانت هناك رؤية فلسفية بديلة في أعمالي الفلسفية، فهي تكمن في نقد الفكر الدوغمائي والانفتاح على الغيريّة والاختلاف.
أعتقد أن هذه النظرية الجديدة قد بلورت النقاشات والانتقادات على الساحة الفكرية التونسية والعربيّة، وكان هذا النقد يصبّ في إشكالية صعبة وهي التالية: كيف يمكننا أن نتفق حول بعض القيم الأساسيّة والضروريّة للعيش، ونحن على اختلاف وفي حالة تنوع؟ ففي مثل هذه الحالة، يمكن للبعض أن يقوموا بأبشع الأعمال باسم حق الاختلاف والتنوع. هذا ما جرّني إلى التعمّق أكثر في هذه الإشكالية والعودة إلى فلسفة الفارابي لأستنبط مفهوما جديدا هو التعقّل، وإقامة فلسفة جديدة هي التعقلية. معنى ذلك أن معطيات حياتنا الشخصيّة والجماعيّة يجب أن يحكمها العقل من حيث هو ركيزة للتفكير، ولكن أيضا من حيث ارتباطه بالعمل بصفة عامة، وبأخلاقيات التعامل بصفة خاصة.
العقل المنفتح على الأخلاق؛ أي ما سمّيته بالتعقل، يمكن أن يجعل من التنوع أمرا مقبولا بما أنه متعقل. وقد بدا لي أن هذا الحل للإشكالية لم يكن كافيا لأن التعقلية قد لا تجد مسالكها الطبيعية في المجتمعات المتغيرة. إذ أنها ستعمل داخل النخبة المثقفة فحسب، لذا اقترحت فكرة جديدة تدعم فلسفتي التنوع والتعقلية، وهي فلسفة العيش معا، والتي نسميها الآن بفلسفة التعايش أو فلسفة العيش المشترك، هذه الفلسفة تقر بالحق في التنوع والاختلاف، أي أننا نستطيع إذا ما توافقنا بالاشتراك على قواعد ونواميس وقيم أن نعيش جنبا إلى جنب على الرغم من اختلافاتنا وتنوعنا دون أن يكون هناك عنف يجرّ إلى حرب دائمة. لكن هذا يفترض أن نرضى بقبول القيم المشتركة التي نطلق عليها اسم «الكونية» هذا ما دعانا إلى الاهتمام بهاته الكونية وتفكيك آلياتها. لأننا عشناها كأنها وسيلة ضغط يقوم بها الغرب حفاظا على مصالحه التي قد تتعارض مع مصالحنا، وتفكيك هذه الكونية أدى بنا إلى اقتراح ما سميناه بـ«كونية التقاسم» التي ستكون نتيجة تفاعل بين ثقافتنا في أفريقيا وفي العالم العربي والثقافات الأخرى المجاورة، ومزية العيش المشترك أنه يقوم على حق الاختلاف واحترام الآخر، ولكنه يقوم أيضا على احترام الكرامة.
هكذا إذن تقوم هذه الرؤية الجديدة على مفاهيم متراصّة ومتضامنة تمثّل ضرورة التنوّع والاختلاف، وكذلك الاعتراف بالغيريّة واستعمال العقل والتعقّلية للوصول إلى عيش مشترك يقوم على الكرامة والتسالم. وككلّ الفلسفات هذه الرؤية هي نظريّة وطوباويّة في جانب منها، ولكنّها قد تكون عمليّة في جانب آخر، مما دعانا إلى الاهتمام بفلسفة الحياة اليوميّة، تلك الحياة التي يمكنها تقبّل مثل هذه الرؤية.
فتحي التريكي: أصدرت أخيرا كتابا باللسان الفرنسي عنوانه "التفلسف في أرض الإسلام" أحلّل فيه بعض معطيات الفلسفة في العالم العربي وفي أفريقيا، إفساحًا للمجال أمام القارئ كي يلامس تعدّد تمثّلات الفلسفة واختلاف شروط حضورها في تلك البلدان. فمثلا الفيلسوف السينغالي المعروف عبدولاي إليمان كان، يلاحظ أنّ الفلسفة السنغالية في أفق تحليل بنيتها، تفصح عن مفارقة تأسيسية تطبع تداول الفلسفة وتدريسها: مفارقة التبعية المرجعية في مقابل السعي إلى تأصيل هوية فكرية أفريقية. فمؤلفات الفلاسفة الفرنسيين والأنغلوساكسونيين تتصدّر، بفارق واضح، المشهد التعليمي في مختلف المستويات والمؤسسات. وهذه الهيمنة ليست وليدة تفوّق نظري ذاتي فحسب، بل هي ثمرة تاريخ طويل من التشابك المؤسسي والثقافي بين الجامعة الأفريقية والجامعة الغربية. فتكوين عدد معتبر من الأساتذة الأفارقة في الفضاء الجامعي الغربي جعل المرجعية الفلسفية الغربية تتحوّل من خيار معرفي إلى أفق ضمني للتفكير والتدريس. كما أن البنية المادية لتداول المعرفة – من توفر الكتب في المكتبات الجامعية إلى سهولة اقتنائها في السوق – تُعيد إنتاج هذه المركزية على نحو شبه تلقائي. ذلك أنّ الفلسفة في العالم العربي وفي العالم الأفريقي مازالت تعاني من هذه التبعيّة الاستعماريّة. ورغم تأصّلهما في أعماق حضارات إفريقيا والعرب فإن الفلسفة في هذين العالمين مازالت تتأرجح بين البحث عن هويّتها والخضوع إلى التصوّرات الغربيّة.

لكن الفلسفة تصبو إلى الكونيّة لا محالة، ولكن بشرط أن لا تفسخ هذه الكونيّة إسهامات الثقافات العديدة في تكوينها. والاستعمار الغربي أظهر للجميع أنّ الكونيّة هي تكوين غربي، وما علينا جميعا هو أن نقبل ذلك وإلا فنحن ضدّ الكونيّة. وهذا ما دعا الفلاسفة في أفريقيا والعالم العربي إلى إعادة النظر في مفهوم الكونيّة، وتأكيد إسهامات القارة الأفريقية في تكوّن الفكر الفلسفي الكوني. بهذا المنطق فإنّ الفلسفة في العالمين هي الآن في لحظة الوعي بهويّتهما بنضال وصمود ضدّ هيمنة الكونيّة الغربيّة، وهما في حالة تكامل لاسيّما إذا عرفنا أنّ بدايات الفلسفة قد حدّدها بعضهم بمصر القديمة، ومصر هي بلد أفريقي وعربي وإسلامي.
فتحي التريكي: لقد أجبت عن هذا السؤال جزئيّا في السؤال الأوّل. ولكني أضيف هنا أنّ فلسفة الحياة اليوميّة هي محاولة لفتح التفلسف على واقع البلاد وربطها بالنقاشات العموميّة فكرا وثقافة وسياسة. في واقع الأمر قلّما نجد في الفكر الفلسفي العربي مقاربة فلسفيّة حول اليومي. لماذا؟ لأنّ الفلسفة في هذا العالم قد انحصرت تقريبا في تاريخها؛ بمعنى أنّ المفكّر العربي سيردّد كالببغاء ما قاله فلان وكيف فهمه علان، وماهي قيمة هذا الفهم، وكيف علينا أن نفهم ونؤوّل ونفسّر ونشرح ما قاله الفيلسوف الفلاني وهلمّ جرّا. وأصبحت في أفضل الحالات مادة تدرّس في الجامعات بهذه الكيفيّة، وأحيانا في الثانويّات في البلدان العربيّة التي آمنت بالحداثة. فليس لنا في الوقت الحالي إبداعات فلسفيّة كثيرة.
إنّ الفلسفة في العالم العربي وفي العالم الأفريقي مازالت تعاني من هذه التبعيّة الاستعماريّة. ورغم تأصّلهما في أعماق حضارات أفريقيا والعرب فإن الفلسفة في هذين العالمين مازالت تتأرجح بين البحث عن هويّتها والخضوع إلى التصوّرات الغربيّة
الغريب أنّ المنشغلين بالفلسفة أنفسهم يتصدّون لكلّ من يحاول تجاوز تاريخ الفلسفة لخلق مفهوم أو بناء نظريّة، ويِؤكّدون أنه ليس لنا فلاسفة، وكأنّهم يردّدون ما ذهب إليه المستشرق الاستعماري رونون بأنّ العرب لا ينتجون فكرا. شخصيّا ركّزت على هذا البعد الإبداعي للفلسفة وربطتها بالحياة اليوميّة لأبيّن أنّنا بحاجة ملحّة للفلسفة حتّى تكون مجدية في فكرنا ونافعة لعلمنا، وأن لا نسكنها في برج عاجي لا يفقه محتواها إلا القليل من القليل من المثقفين.
لابدّ طبعا من أن ندرس تاريخ الفلسفة، ولكن لا بدّ أيضا أن تكون لنا الجرأة في إنشاء المفاهيم والتصوّرات. فكتابي حول الفلسفة اليوميّة هو لحظة مهمّة في نشأة وتطوّر نظريّتي في "العيش المشترك ضمن قاعدة الكرامة". لأنّ فلسفة العيش المشترك تتطلّب نهج المحايثة مع العيش ومع اليومي. لقد آن الأوان أن نعود إلى تطوير الفلسفة بمعناها الحقيقي، تلك التي تهتم كما يقول الفارابي "بالفضائل النظريّة أوّلا ثمّ بالفضائل العمليّة".
فتحي التريكي: نعرف أنّ "اليومي" غالبًا يُحتقر فلسفيًا، بينما هو أخطر حقل للفكر: فيه تتخفّى السلطة، وتتجذر العادات، وتُصنع الحرية أو تُخنق. لذلك عندما تهتمّ الفلسفة باليومي فإنّها ستكون خطيرة وأنّ الخطر يهدّد وجودها. لذلك يتفادى المشتغلين بالفلسفة حاليا العمل بمفاهيم فلسفة الحياة اليوميّة على أنّ الفكر العربي لم يُنظّر لليومي بنفس المصطلحات الحديثة (مثل «الفينومينولوجيا اليومية»)، لكنه اشتغل عليه ضمنيًا مثل ما نجده عند ابن خلدون في المقدّمة التي تدرس مثلا فلسفيا وأنثروبولوجيا أنماط العيش كالأكل واللباس، والعادات، وغيرها ليصبح اليومي مفتاح فهم التاريخ، أو مثل ما نجده عند الغزالي عندما يحوّل الأفعال اليومية كالأكل والنوم والعمل إلى أفعال ذات معنى روحي بحيث يصبح الفعل العادي طريقا للمطلق.
أمّا في الفلسفة العربية الحديثة والمعاصرة لا نجد فلاسفة تحدّثوا عن اليومي فلسفيا وأستثني الفينومنولوجيين والتأويليين، وأذكر بالخصوص الأستاذ محمد محجوب الذي أصدر كتابا عن الإشكالية بعنوان استشكال اليوم الفلسفي. أمّا فيما يخصّ الفلسفة الأفريقيّة فالجدير بالملاحظة أنني لست مختصّا فيها. ولكن بحكم منصبي في كرسي اليونسكو للفلسفة فقد كوّنت فرق بحث متعددة شارك فيها فلاسفة كثيرون من أفريقيا حول مواضيع متشتّتة، ومن بينها العيش المشترك.
يجب أن نفهم أنّ الفلسفة ليست بالنسبة إلى ثقافات أفريقية عديدة نصوصًا فقط، بل تكاد تكون ممارسة يومية جماعية. وذلك على غرار مفهوم "أوبونتو" «Ubuntu» الذي نجده في جنوب أفريقيا وهو مرتبط بفكرة أنا موجود لأنّنا نحن. فالعلاقات اليومية ومنها التحية والمشاركة والتآزر هي الوجود في حدّ ذاته. نستطيع هنا التحدّث عن أنطولوجيا اليومي. فيما يخصّ الفلسفة الإغريقيّة الحاليّة نكتفي بذكر فيلسوفين، بولين هونتونجي وأشيل مبيمبي. فالأوّل منتقدا خزل الفكر الأفريقي في التراث دعا إلى فلسفة تنطلق من تجربة الناس اليوميّة. أمّا الثاني وقد ترجمت الزميلة نادرة السنوسي كتابه عن التوحّش فإنّه يربط فهم الحياة اليوميّة بالسلطة والسيطرة والمقاومة.
فتحي التريكي: فكر الحداثة في أفريقيا شديد التنوّع، ويختلف من بلد إلى آخر. ولا بدّ هنا من تصحيح بعض المعطيات الخاصة بمفهوم الحداثة، والتي قمت بتحليلها في كتابي فلسفة الحداثة. فالحداثة ليست فترة معيّنة وردت على مجتمعاتنا من الغرب. فهي قبل كلّ شيء تطوّر داخلي لكل ثقافة مهما كانت منغلقة على نفسها، وحركة التطوّر تكون أحيانا بطيئة وأحيانا أخرى سريعة. ولكن الاستعمار أراد استغلال هذه الثقافات والحضارات استغلالا مكثّفا فقام بالقضاء على الهويّات الأصليّة، وحاول جاهدا باستبدالها بثقافته لمزيد القبض على تلك البلدان، وسمّى ذلك حداثة بينما هي، في واقع أمرها حركة تغيير داخليّة تستعين بالتثاقف وبلقاء الثقافات، وأحيانا تكون أسرع من خلال منعطفات وصدمات وتغيّرات وانفصالات.
شخصيّا، كنت ومازلت أعتقد أنّ حركة الحداثة في تونس قد بناها أهل التجديد اعتمادا أوّلا، وبالذات على ما تقدّمه الحضارة الأصليّة للبلاد والحركة التجديديّة هي التي أخرجت الهويّة التونسيّة الجديدة من الخفاء إلى النور. ففي واقع الأمر بدأ المخاض للهويّة التونسيّة أو ما سمّيته في بعض أعمالي بالتوْنسِيّة منذ أواسط القرن التاسع عشر في بوادر الحداثة التي يمكن تلخيصها سريعا في العناصر التالية: إلغاء العبودية عام1846 بواسطة الاستقراء الاجتهادي للمراجع الدينية لا محالة، ولكن بواسطة حركة التثاقف، وإنشاء مدرسة باردو الحربية، وهي مدرسة عليا للدراسات التكنولوجيا عام 1842 استعملت الطرق الأوربية الحديثة، وتخرجت منها طبقة مثقفة تحديثية قادت الإصلاحات السياسية والاجتماعية. وكذلك إحداث مدرسة حديثة "الصّادقية" (1875)، مع تطوير الدروس في جامعة الزيتونة وتجديدها. ومن عناصر التحديث لا بد من الإشارة إلى إقرار دستور ينظم العلاقات الاجتماعية والسلطوية سنة 1857 (عهد الأمان) وبرلمان (المجلس الكبير) سنة 1861 ومؤسسات عمومية (التنظيمات).
لكن هذه التجربة الدستورية التحديثية لم تعمر طويلا جراء الثورات الشعبية الرافضة للنظام الجبائي لا محالة ولكنها رفضت أيضا حركيّة التحديث. تلك هي بوادر المدرسة التجديديّة التحديثيّة التونسيّة التي نظّر لها كتاب أقوم المسالك، والتي تواصلت نضاليا ضدّ الاحتلال الفرنسي فيما بعد، ومن أجل قيام دستور يحكم البلاد مع جماعة الشباب التونسي التي أصدرت جريدة باللسان الفرنسي -التونسي "Le Tunisien". واستمرّت النخبة في المطالبة بالدستور في الفترة الاستعمارية، وقرنت نضالات التحرير الوطني بالدستور والديمقراطية (حركة الشباب التونسي 1907 والحزب الحر الدستوري 1920 والحزب الشيوعي التونسي 1920 والحزب الحر الدستوري الجديد 1934 وجامعة عموم العملة التونسية 1924 والاتحاد العام التونسي للشغل 1944) ممّا يدل بأنّ هذه المدرسة التونسيّة قد اتخذت نهجا مدنيّا. هكذا تقوم الحداثة في تونس على إصلاحات عينيّة تطبيقيّة.
تفكيك هذه الكونية أدى بنا إلى اقتراح ما سميناه بـ«كونية التقاسم» التي ستكون نتيجة تفاعل بين ثقافتنا في أفريقيا وفي العالم العربي والثقافات الأخرى المجاورة، ومزية العيش المشترك أنه يقوم على حق الاختلاف واحترام الآخر، ولكنه يقوم أيضا على احترام الكرامة
ولا بد أن أوضّح هنا وجه الاختلاف بين الحداثة في تونس والحداثة في الشرق العربي. باختصار شديد، تقريبا كلّ المفكّرين في العالم العربي عندما يدرسون الحداثة العربيّة في نمط تكوينها، ونمط عملها ونتائجها يعودون إلى المفكّرين الشرقيين المصريين واللبنانيين والسوريين أساسا، وقلما عادوا إلى المفكّرين التونسيين. صحيح أنّك لن تجد في القرن التاسع عشر في تونس مفكّرين في قيمة عبد الرحمان الكواكبي؛ أحد روّاد الحداثة في العالم العربي، ولكنّك تجد مفكّرين مثل الشيخ سالم بوحاجب الذي كان من أبرز المحررين لكتاب "أقوم المسالك" لخير الدين. فكان بوحاجب لا يقدّم لنا نظريّات في الحداثة بل كيف يمكّننا من إصلاح البلاد وتحديثها.
معنى ذلك أنّ الحداثة في الشرق العربي بقيت نظريّة بينما في تونس صاحبت التفكير في الحداثة عمليّة إصلاح هائلة. فيجب أن نعرف أنّ تونس هي أوّل بلد عربي ألغى العبودية بشكل نهائي عام 1846، قبل الإعلان العالمي الصادر في لندن عام 1848، ذاك الإعلان الذي نصّ على إلغاء الرق. وكانت أوّل بلديّة في العالم العربي هي بلديّة تونس عام 1858. تونس عرفت أوّل دستور في العالم العربي، وهو عهد الأمان الذي صدر يوم 9 سبتمبر/أيلول 1857، وأوّل برلمان عام 1861. كما تمّ في تونس تحديث التعليم منذ أواسط القرن التاسع عشر من خلال تأسيس المدرسة التكنولوجيّة بباردو (1840) والمدرسة الصادقيّة وفرع الزيتونة الخلدونيّة تدرّس أيضا العلوم والمعارف الحديثة. يعني ذلك أنّ فكر الحداثة في تونس هو أصلا فكر تطبيقي بينما بقي في الشرق فكرا نظريا وتطبيقه بطيء.
أريد أن أضرب مثالا آخر، قاسم أمين هو بدون منازع رائد تحرير المرأة في العالم العربي، ولكنّ تطبيق أفكاره مازال بطيئا إلى يومنا هذا، بينما كتاب الطاهر الحداد وجد تطبيقا كليا وبسرعة بعد الاستقلال بقليل. عندما اقترحت نوّال السعداوي أن تنتظم في الأقطار العربيّة جمعيات حول المرأة والديمقراطيّة كانت تونس منذ الاستقلال قد أسست الاتحاد النسائي التونسي الذي كان مواليا للنظام الحاكم، ولكنّه لعب دورا لا يًـستهان به في تطبيق قوانين تحرير المرأة، ثمّ تكوّنت بعد ذلك (1988) الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، وهي جمعية نسوية تعمل من أجل تحقيق المساواة التامة والفعلية بين الجنسين. فالفكر التونسي فكر براغماتي يتّجه غالبا نحو التطبيق، وتلك هي خصوصيّته.
فتحي التريكي: سنة 1998 أصدرت اليونسكو احتفالا بالقرن الجديد كتابا يتضمّن نصوصا لمجموعة من المفكّرين الفاعلين في العالم، وأكثرهم قد تحصّلوا على جائزة نوبل أو كانوا زعماء عالميين كياسر عرفات ومنديلا، وكنت شخصيا من بينهم. وقد طلبت اليونسكو منا أن نكتب حول ما نراه ممكنا، وما نتمناه بالنسبة إلى القرن الحادي والعشرين فيما يخص الحقوق والحرّيات. فكانت مساهمتي حول العيش المشترك والكرامة. هذه المساهمة نالت إعجاب الفلاسفة في أفريقيا، فكان أن نلت بها في تلك السنة وسام الاستحقاق العلمي من جامعة الفلسفة الفرنكوفونية بكنشاسا (الكونغو).
من المعلوم أنّ كرسي اليونسكو للفلسفة بالعالم العربي الذي أسّسته بجامعة تونس، وترأسته من عام 1997 إلى عام 2023 قد اتخذ كإشكالية رئيسية "الغيريّة" بمعنى أنّ الوجود ليس كما جاء في فلسفة الإغريق الأولى هو الوجود في حدّ ذاته، بل هو أيضا علاقة مع الوجود الآخر أي مع الغير. هذا ما جعل الكثير من فلاسفة أفريقيا يهتمّون بمثل هذه القضايا، وقد نظمت في السنوات الأولى من هذا القرن مؤتمرا في تونس جمع الفرنكفونيين الأفارقة حول هذه الإشكالية. فكون فكرتي حول العيش المشترك في كنف الكرامة قد تأثرت بهذه الفلسفة الأفريقيّة فهذا لا شكّ فيه، ولكنّني لست مختصّا فيها، ولا أعرفها أكاديميّا حقّ المعرفة. وما يهمّني أنّها أي "أوبونتو" ليست مجرّد كلمة أو مجرّد مفهوم ينضاف إلى المفاهيم التي نستعملها في مسار تفكيرنا، بل ضربة فلسفية في قلب الفردانية الحديثة، إن صحّ التعبير.
الغرب قدّم لنا فردانيّته، وبنى عليها أنظمة الحقوق والواجبات والمسؤوليّات بل أنظمة الاجتماع الإنساني وفرضها علينا سلما وحربا. أفريقيا اقترحت علينا نظاما فكريّا معارضا جذريّا، وهو نظام الأوبونتو الذي يقول بدون التواء "أنا موجود لأننا موجودون". وذلك يعني أنّ وجودك ليس ملكك، لأنّ إنسانيتك تُصنع يوميًا عبر الآخرين، وإذا استعملنا التفكيكيّة الدرّيديّة فنرى أنّ الأوبنتو قد فكّك الأنا. الغربيّة التي تستند إلى "أنا أفكّر إذن أنا موجود" بينما تقول هذه الفلسفة الأفريقيّة أنا في علاقة مع الآخر فأنا موجود. فالوجود الغربي وعي فردي بينما هو في أفريقيا وعي إنساني جمعي. ومن يريد أن يتعمّق أكثر في هذه الفلسفة عليه بالرجوع إلى النقاش الفكري العمومي الذي صاحب عمليّة المصالحة في جنوب أفريقيا بعد الميز العنصري، وكذلك على المستوى السياسي كيف دبّر زعيمهم نيلسون مانديلا بعد 27 سنة سجنا شؤون الدولة الجديدة بعيدا عن الانتقام، بل من خلال هذه الفلسفة عمل على بناء «نحن» جديدة، لأنّ الأنا هي النحن، ولأن العيش هو العيش معا.
فتحي التريكي: الحروب لم تعد حروبا عادية تضع الجيوش وجها لوجه، بل أصبحت تدميرية قاتلة للجميع إباديّة، لاسيّما إذا كان من يقرّرها من السياسيين هم من أنصار الإبادة كأمريكا وإسرائيل. فلسفيّا الحرب هي اعتداء وجريمة على الطبيعة الإنسانية. بل إنها قد دشّنت، في الواقع، إمكانيةَ إعادة اختراع أشكالٍ لا تنتهي من إقصاء الآخر. إنّ ما وقع في هيروشيما مثلا يكشف عن فظاعة عقلانيةٍ باردة للحرب. أمّا حروب الخليج كلّها، التي جرى الإعداد لها مسبقًا داخل المختبرات حيث يأتي الافتراضيّ لنصرة الجريمة، فإنها تدلّ على إرادةٍ سياسية جديدة لدى الدول لتطبيع الرّعب والقهر والترهيب. هيروشيما، وحروب الخليج، وكل تلك الحروب الصغيرة لكنها شديدة الفتك والوحشية، كحرب الإبادة في غزة، واليوم إبادة في بيروت، والتي لا تنفكّ تندلع هنا وهناك، والتي تميّز النظام العالمي الراهن، إنما تهدف في النهاية إلى القضاء على إمكانية المطالبة بحريةٍ وكرامةٍ أساسية للطبيعة البشرية قد صادَرَهما "سادةُ العالم الجدد وأعني الإمبريالية والصهيونيّة". وأنا شخصيّا أعتبر أنّ روزا لوكسمبورغ محقّة حين تؤكد أنّ الرأسمالية لا يمكن إلا أن تكون دموية. تقول مثلا: "إنّ رأس المال ليس فقط عند نشأته "يقطر دمًا ووحلًا من كل مسامه"، بل طوال مسيرته عبر العالم."
يجب أن نفهم أنّ الفلسفة ليست بالنسبة إلى ثقافات أفريقية عديدة نصوصًا فقط، بل تكاد تكون ممارسة يومية جماعية. وذلك على غرار مفهوم "أوبونتو"«Ubuntu» الذي نجده في جنوب أفريقيا وهو مرتبط بفكرة أنا موجود لأنّنا نحن
ما هو دور الفلسفة في هذه الحالة؟ تصبح الفلسفة، في نظري، لاسيّما تلك التي تكون عملية وملموسة، تصبح إذن نضالًا ضروريًا عبر الفكر والنقد، وحتى الممارسات المختلفة ضد هذه الجرائم، من أجل البحث عن الدلالة السياسية والأخلاقية بل وحتى الميتافيزيقية لفكرة العيش المشترك. في كنف الكرامة لأنّ العيش المشترك ليس استكانة وقبول الأمر المقضي كما يظنّ البعض. بل هو الآن صمود ضدّ نمط الإنتاج المالي الذي يدير العالم حاليا، وهو تمرّد أيضا ضدّ حروب الإبادة التي تتوجّه ضدّ البلدان العربيّة والإسلاميّة والتي ستصيب بلدان العالم الثالث.
لم يعد دور الفيلسوف اليوم فقط إنشاء المفاهيم والتصوّرات فقط، بل وأيضا النّضال المستمر. ويتمّ هذا النضال الفلسفي أوّلا من خلال التفكير في إمكان العنف ذاته، والجرائم والحرب والرعب والإقصاء، وكل أشكال الإفراط في السياسة؛ لكنه يتمّ ثانيا عبر المطالبة المتجدّدة دائمًا بكرامة الإنسان وبحريته وبالإنصاف، وبالمساواة، وبجميع القيم التي يسعى البعض إلى اختزالها في خانة بالية قد أكل عليها الدهر وشرب. من هنا تبدأ المقاومة ضدّ اللاإنساني وغير المحتمل، ذلك الذي يتحوّل - عبر رأس المال، ومن أجل رأس المال - إلى نظام قائم بذاته. لقد نبّهنا فريدريش نيتشه، في كتابه «العلم المرح» إلى أنّ "كل سعادة على الأرض تكمن في النضال، يا أصدقائي!". إن فلسفة العيش المشترك، تلك التي، على غرار الرُّحّل، تسافر بحثًا عن الصداقة هي صراع دائم، مقاومة مستمرة، حتى يكون عالمنا قابلاً للعيش.
فتحي التريكي: ينظّم معهد تونس للفلسفة وجمعيّة البينالي الدولي للفلسفة وعلوم التربية والتكوين في أفريقيا "BIPSEFA" مؤتمرا وموضوعه التكوين على المشترك وبناء الكوني. تربية البشريّة القادمة. وهو البيانال الرابع للفلسفة والتربية في أفريقيا. وسيجمع عددا مهما من الفلاسفة الأفارقة حول قضايا مهمّة جدّا بالنسبة إلينا تتمثّل في تكوين نظرة أفريقيّة للفكر الفلسفي المرتبط بالتكوين والتربية من أجل إنسانية عادلة هي إنسانية التقاسم والتسالم والكرامة حسب تقاليدنا الأفريقيّة وبواسطة التثاقف والتحديث. وسيلتئم هذا المؤتمر بمدينة الثقافة، ما بين 4 و8 نوفمبر/تشرين الأول 2026 وهو مفتوح للجميع.