تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الاثنين 9 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

فتافيت أسئلة ونشوة ميلاد على خدودٍ شيعيّة

27 يناير, 2026
الصورة
فتافيت أسئلة ونشوة ميلاد على خدودٍ شيعيّة
Share

أحببتُ نساءً في السافانا وحرارةُ الشمس فوق الأربعين، وأحببتُ نساءً في أوروبا وحرارةُ الشمس تحت الصفر. لا فرق بينهنّ، فلهنّ التضاريس نفسها. المرأة، مرأة، ولو كانت من كوكب الزهرة. الأفريقيات باردات الشعور، كتومات الإحساس. فيولدُ الحبُّ فيهنّ مخنوقاً، ويموتُ مخنوقاً كما وُلد. أما المرأة في الأناضول فتُفرغ كلَّ أحاسيسها لمن تحب، "كجلمودِ صخرٍ حطّه السيلُ من علٍ". وبعد أن تفرغ سيل حبّها الدفّاق، تتحوّل إلى شتاءٍ قارص. كلهنّ من آدم وكلهنّ من حواء، غير أنّ هناك تباينات ثقافية وذهنية. والخلاصة: منهنّ من ترى إظهار الحبّ ضعفاً، ومنهنّ من تراه قوّة.

هذه قصاصاتٌ من العواطف جنيتُها من مدرسة الحياة. حينما جمعتنا الأيام في مقاهي وعرة بإسطنبول، ولا سيّما رحلاتنا الصيفية إلى مدينة ميونخ. وجمعتنا الأيام في مطاعم مطلّة على بحر مرمرة، وفي ليالي إسطنبول السينمائية والشعرية. بهذه المناسبات التقيتُ بشاعرات آسيويات وأفريقيات وأوروبيات، منقّبات ومتبرّجات، منهنّ البلقانيات والحبشيات والألمانيات. جئنَ من كلّ فجٍّ عميق، ومع ذلك كنّ قريباتٍ، حبيباتٍ، رائعاتٍ، مضحكات. فإسطنبول كمدينة، مدرسة وجامعة، جامعة للخضرة، جامعة للجمال، جامعة للوجه الحسن. مدينة يجب أن تُكتب عنها يوميّات من أزهار البنفسج. قرأنا وناقشنا مع بعض الشاعرات أمهات من الكتب المحرّمة. وكانت المائدة المستديرة لا تخلو من مشروبات غرب أفريقيا التي تُدعى البيساب، وتُسمّى في شمال شرق أفريقيا بعصير الكركدي.

هنا لا شيء يدعو إلى الجمال، ولا شيء يحرّض على التأمّل. كل شيء أصبح دولابًا من دواليب القساوة أسترجع ذاكرة الأيام الماضية، فإذا بالذكريات محترقة ومبعثرة أمامي. آه من أوجاع أمتنا

جمعتني عجلة الحياة أيضاً بلفيفٍ من الشباب، تبادلنا معهم أفكاراً حول القرن الأفريقي وفكرة أفريقيا الموحدة، أي أن تكون أفريقيا بلا حدود. وهناك سؤالٌ يطرحه الشاب الأفريقي: لِمَ نؤمن بحدودٍ لم يرسمها أجدادُنا؟ نحن أولى برسم حدودنا وملامح مستقبلنا. أقولها بلهجة الواثق المطمئن: نحن أبناءُ أفريقيا سماءً وأرضاً. فقد بدأ الشباب الأفريقي يتماسك، ويؤمن بقضية أفريقيا الموحدة، وسيبلغ الحلمُ مداهُ طالما وُلدت الفكرة واستمرّت في النماء.

والتقيتُ أيضاً بشيوخٍ طاعنين في السن، جنيتُ منهم كلمات من حقول الأديان، وأفكاراً وتباينات من المشارب والمسالك. لكن هناك تساؤلاتٌ لا تزال تدور في عقلي، لم أبلغ لها جواباً بيقينٍ مطلق. أذكر يوماً كانت السحبُ حبلى بالمطر. وبينما كنتُ على عتبة الخروج من البيت طرحتُ سؤالاً على نفسي، وأنا أنظر إلى المرآة هل أنا حقاً مَن في المرآة؟ تالله لو عكست المرآة ما تخبأه النفوس والأفئدة، لتكسّرت إِرْبًا إِرْبًا. لذا حتى المرآة اكتفت بإظهار الجسد. على أيّ حال من هذه التساؤلات ارتسمت على شفتيّ ابتسامةٌ لا تحمل معنى، فقلت لنفسي: "أن هذا هو التكلّف يا تانجو". وتلك فتافيت أسئلة تزورني بين الحين والآخر، كزائر ثقيل غير مرغوب فيه.

ورغم كل هذا، نحن أمة سودانية حية وإن اختنق أنفاسها. ما زال في داخلنا إيمانٌ كامن يشدّنا، وبوارق أمل تدغدغ مخيالنا. بلا ريب ستنجلي سنين الضباب والغمام، ويذهب المتقاتلون إلى سكناتهم والعسكر لثكناتهم. وستتماسك فتافيت المجتمع، وسنستريح يوماً على رصيف السكة حديد

كذاك الطيب، عدتُ يا سادة بعد ثلاث سنين إلى البلاد، وقد تغيّر كل شيء. العاصمة لم تعد كما كانت، تبدّلت ملامحها، والجيران اختفوا. جارُنا صاحبُ البقالة والحلّاق والغسّال لم يعودوا بعد. بائع التنباك، بائع البانقو، ستات الشاي والجبنة، سائقي الركشات اندثر أثرهم. وأشجارٌ غريبة نبتت على الطريق المؤدي إلى المحطة. أسوار تهدمت، وغرف تحمل ذكريات الزمن الجميل تقف على أنصافها بسبب القصف. دفاتر حفلات الزفاف تلطّخت بالطين، وهياكل عظميّة متناثرة على الطريق المؤدي إلى الريّ المصري. ميدان الكرة تحوّل إلى غابة مكتظّة بأشجار المسكيت والعُشر. هنا لا شيء يدعو إلى الجمال، ولا شيء يحرّض على التأمّل. كل شيء أصبح دولابًا من دواليب القساوة أسترجع ذاكرة الأيام الماضية، فإذا بالذكريات محترقة ومبعثرة أمامي. آه من أوجاع أمتنا.

ورغم كل هذا، نحن أمة سودانية حية وإن اختنق أنفاسها. ما زال في داخلنا إيمانٌ كامن يشدّنا، وبوارق أمل تدغدغ مخيالنا. بلا ريب ستنجلي سنين الضباب والغمام، ويذهب المتقاتلون إلى سكناتهم والعسكر لثكناتهم. وستتماسك فتافيت المجتمع، وسنستريح يوماً على رصيف السكة حديد، ونحن نحتسي فنجان قهوة من أدرووب. حينها سأغازلكِ بألطف عبارات الحب السوداني. وهذا الحب أكثر من حروفي. سأهمس لكي قائلاً: أناي أنتي. والحب أكبر نعمة يجب أن أتحدث بها وأبوح بها. فالحب ناندي وننادي الحب. والرب أمر ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. لقد انتهت دواليب القسوة، وسيبقي أنين الحروب أقصوصة ستروي للأجيال القادمة.

وبعد رجوعي لكردفان مدينة أبوجبيهة، وأنا أتبادل أطراف الحديث مع صديقي من حي الشندي فوق. بدأت أسرد له حياتي في المهجر. يا صديقي كُوانا، أذكر يوماً ذهبتُ إلى الحانوت برفقة صديقتي الفارسية. فالحوانيت بعد المقاهي تتصدّر قائمة الأماكن المكروهة لديّ في هذا العالم. ومنذ أن تعرفت على صديقتي كانت تسر لرؤيتي، وربما كنتُ أنا الآخر أفرح لرؤياها. فصديقتي كانت جميلة، نحيلة، متحرّرة، تحمل خصر مُضلع، تستوقف النظر، كعشبة نادرة صمدت على شواطئ جزيرة سواكن. غير أنها لم تكن كالسيدة ناندي، ولن تكون، فناندي هي سدرةُ أفريقيا فهي المنتهى. ناندي، تملك أيادي ناعمه وملساء كبطن الضب الصحراوي.

هناك سؤالٌ يطرحه الشاب الأفريقي: لِمَ نؤمن بحدودٍ لم يرسمها أجدادُنا؟ نحن أولى برسم حدودنا وملامح مستقبلنا. أقولها بلهجة الواثق المطمئن: نحن أبناءُ أفريقيا سماءً وأرضاً. فقد بدأ الشباب الأفريقي يتماسك، ويؤمن بقضية أفريقيا الموحدة

كُوانا، لنعد مجدداً، كانت صديقتي الفارسية تستعطفني بحنينٍ شيعيّ، وتسرد لي قصصًا من هنا وهناك. حتى قالت لي بصراحةٍ مطلقة: "أريد أن أرى شيعيًا مثلك من أحفاد بلال في القارّة السمراء". فأجبتها بعفوية: كما تعلمين يا صديقتي، إن أبانا بلال لم يكن سنيًا ولا شيعيًا ولا خارجيًا، بل كان مؤمنًا بالله، مسلمًا بالإسلام. وبغضّ النظر عن سفاسف الخلاف بيننا، فإن لدينا هويةً مشتركة: فهي الطينة التي خُلقنا منها، والإسلام الذي فُطرنا عليه، والكون الذي نعيش في رحابه. وهذه روابط إنسانية، دينية وكونية تجمعنا. ولأقول لكِ كلامًا سمعته من شعراء جبل مرةّ:

لا يهمّني أشيعيةٌ أنتِ أم سنّي

فعيناكِ سُنّتي ومقلتاكِ شيعيّتي

مهلًا يا جميلتي

بالنظراتِ كسرتِ أضلعي

يا صديقي كُوانا، صديقتي كانت تتحدّث الفارسية والتركية بلسانٍ سليم ولباقةٍ محكمة. ولها قدرةٌ آسرة على إلقاء الشعر، تسُدّ به ثقوب الروح وندوب النفس. وكنتُ أقول لها: "أريحيني بالشعر يا بنت فارس"، وكانت تحب هذه الجملة مني، وتضحك ملء فمها حتى أرى ضرسها الأخير في فكّها الأسفل. قضيت معها عمرًا يُقدَّر بحينٍ من الدهر. قضيناها بين الحوانيت، وبين القوافي على ضفاف نهر الفرات. كنا في تعارك مع الذات، ومع الهوية والاعتقاد ونرتّل أشعار من العشق الفارسي، ونرتشف رحيق الخيال ووهج الروح. ونقتطف سجايا الأخلاق من شجيرة الإنسانية. تشاطرنا معاً الألم والحب والفكر. واستقبلنا أيامًا أشرقت فيها الشمس بنشوة ميلاد جديد على خدودٍ شيعية.