تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 14 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

فشل مفاوضات أنقرة بين إثيوبيا والصومال: قراءة في الأسباب والمآلات الإقليمية

15 يوليو, 2025
الصورة
فشل مفاوضات أنقرة بين إثيوبيا والصومال: قراءة في الأسباب والمآلات الإقليمية
Share

تعد مفاوضات أنقرة بين الصومال وإثيوبيا التي رعتها تركيا عام 2024، واحدة من أبرز المحاولات الإقليمية لاحتواء أزمة جيوسياسية متصاعدة في منطقة القرن الأفريقي. جاءت هذه المفاوضات في ظل تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية توقيع إثيوبيا مذكرة تفاهم مع صوماليلاند تتيح لها منفذًا بحريًا على خليج عدن، وهو ما اعتبرته مقديشو انتهاكًا صارخًا لسيادتها ووحدة أراضيها.

وقد أحاطت بهذه المبادرة آمالٌ إقليمية ودولية بتهدئة الصراع ومنع انزلاق المنطقة نحو مزيد من الفوضى، خاصة في ظل هشاشة التوازنات الجيوسياسية للقرن الأفريقي أمام تنافسات القوى الإقليمية والدولية. غير أن تلك الآمال سرعان ما اصطدمت بجدار الخلافات الجوهرية، وانتهت الجولة الأخيرة من المباحثات إلى فشل معلن، ما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدا قد تتجاوز طرفي النزاع المباشرين، لتطال الإقليم برمّته ومصالح قوى فاعلة خارجه.

توتر تاريخي متجدد

تعود جذور التوتر بين الصومال وإثيوبيا إلى بدايات تشكل الدولة الوطنية في القرن الأفريقي، حيث اتسمت العلاقة بين البلدين بتاريخ طويل من النزاعات والتنافس الجيوسياسي الحاد. وقد ظلت قضايا السيادة، وترسيم الحدود، والدور الإقليمي المتضارب، من أبرز عوامل العداء المزمن الذي غدته التحالفات الدولية المتغيرة والصراعات الداخلية في كلا البلدين.

في منعطف جديد خطير، جاء توقيع مذكرة التفاهم في 1 يناير/كانون الثاني 2024 بين حكومة صوماليلاند وإثيوبيا ليعيد إشعال الأزمة على نحو غير مسبوق. نصت المذكرة على منح إثيوبيا حق الوصول إلى شريط ساحلي بطول 20 كلم، مقابل دعم محتمل من أديس أبابا لجهود صوماليلاند في نيل الاعتراف الدولي باستقلالها. وقد اعتبرت الحكومة الفيدرالية في مقديشو هذا الاتفاق عدوانًا صريحًا على وحدة أراضي الصومال، وسابقة خطيرة تمهد لتفكيك الدولة، لتشنّ إثر ذلك حملة دبلوماسية وإعلامية لحشد الدعم الدولي لإبطاله.

دخلت تركيا، ضمن هذا السياق التصعيدي، على خط الأزمة مطلع فبراير/شباط 2024، مستضيفة جولات تفاوضية في أنقرة بهدف احتواء الموقف، وإعادة الطرفين إلى طاولة الحوار. وأسفرت هذه الجهود عن توقيع إعلان أنقرة في 11 ديسمبر/كانون الأول 2024، الذي نصّ على التزام متبادل باحترام السيادة ووحدة الأراضي، والامتناع عن إثارة القضايا الخلافية، إلى جانب الاتفاق على بدء مفاوضات فنية ترمي إلى التوصل لاتفاق ثنائي شامل، يضمن لإثيوبيا منفذًا بحريًا "آمنًا ومستدامًا" تحت السيادة الصومالية.

حُدّدت نهاية فبراير/ شباط 2025 موعدا لانطلاق هذه المفاوضات الفنية، على أن تُنجز خلال أربعة أشهر، وبدعم تركي عند الحاجة. إلا أن هذه الجهود انهارت سريعًا، إذ فشلت الاجتماعات التي عقدت بين 2 و4 فبراير/شباط في تحقيق أي اختراق، نتيجة خلافات جوهرية عدة، ما أدى إلى تجميد المسار التفاوضي بالكامل منذ أبريل/نيسان.

بالتوازي، جدد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في 3 يوليو/ تموز تصريحاته بأن الوصول إلى البحر مسألة استراتيجية لا تنفصل عن مستقبل التنمية الاقتصادية لإثيوبيا، وهي مواقف تُعيد صدى خطابه السابق في مطلع 2024، والذي قوبل في مقديشو باتهامات واضحة بالسعي إلى فرض واقع جيوسياسي جديد يخالف القانون الدولي، ويهدد استقرار المنطقة.

فشل المفاوضات جاء نتيجة مباشرة لتعنت الطرفين، وتمسك كل منهما بمواقف مبدئية غير قابلة للمساومة، ما جعل أي محاولة لبناء أرضية تفاهم مشترك أمرًا بالغ الصعوبة

في خضم هذا الجمود، بدأت التفاعلات الإقليمية تتصاعد. ففي يوليو/ تموز 2025، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره الصومالي حسن شيخ محمود، وتعهد بتقديم دعم عسكري متزايد لمقديشو في إطار "حماية أمن البحر الأحمر"، وهي خطوة اعتُبرت إشارة مباشرة إلى رفض مصر لتوسع النفوذ الإثيوبي في المنطقة.

تكتسب هذه الزيارة طابعا استراتيجيًا بالغ الأهمية، إذ تزامنت بشكل لافت مع إعلان رئيس الوزراء الإثيوبي اكتمال أعمال بناء سد النهضة، مع تحديد سبتمبر/أيلول 2025 موعدًا رسميًا لافتتاحه، في مشهد يعكس تشابكاً متزايداً بين الأزمة الصومالية–الإثيوبية والنزاع المصري–الإثيوبي الأوسع حول ملف مياه النيل.

في هذا الإطار، لا يمكن قراءة الدعم العسكري الذي تعهدت به القاهرة لمقديشو بوصفه تحركا معزولا، بل هو امتداد لمعادلة الضغط الجيوسياسي التي تنتهجها مصر في مواجهة تمدد النفوذ الإثيوبي. فالساحة الصومالية تتحول تدريجيا إلى منصة متقدمة ضمن الاستراتيجية المصرية لتوسيع رقعة التأثير في القرن الأفريقي، وإعادة ضبط توازنات البحر الأحمر بما يخدم أمنها القومي في مستوييه المائي والإقليمي

أسباب فشل المفاوضات

أكد دبلوماسيون صوماليون وإثيوبيون، أن جهود الوساطة التركية التي استمرت لعام كامل لحل النزاع الحاد بين الصومال وإثيوبيا قد تم تعليقها، بعد أن انقطعت الاتصالات بين المفاوضين بسبب سعي أديس أبابا للحصول على منفذ بحري مباشر عبر صوماليلاند.  في هذا السياق، كشف مصدر سياسي مسؤول، أن فشل المفاوضات جاء نتيجة مباشرة لتعنت الطرفين، وتمسك كل منهما بمواقف مبدئية غير قابلة للمساومة، ما جعل أي محاولة لبناء أرضية تفاهم مشترك أمرًا بالغ الصعوبة.

فقد قدمت الحكومة الصومالية عرضا لإثيوبيا بالاستثمار في عدد من موانئها الواقعة على المحيط الهندي، مثل: مقديشو وبراوي ومركا وهوبيو، إلا أن أديس أبابا رفضت العرض، مستندة إلى معطيات جغرافية وأمنية، إذ رأت أن تلك الموانئ بعيدة عن حدودها، وتقع ضمن مناطق تشهد نشاطًا متزايدًا لحركة الشباب، ما يجعلها غير مواتية من منظور الجدوى الاقتصادية أو الاستقرار الأمني.

ساهم غياب آليات دولية ضامنة سواء من الاتحاد الأفريقي أو الأمم المتحدة في إضعاف مصداقية العملية التفاوضية برمتها، فلم يكن الدور التركي رغم حياده النسبي، كافيا لردم الفجوة بين الطرفين أو لفرض خارطة طريق ملزمة

في المقابل، تمحور الطلب الإثيوبي حول الحصول على منفذ بحري مباشر في ساحل صوماليلاند، خاصة في المناطق الواقعة بين زيلع وبربرة، وهو مطلب ينطوي على أبعاد جيوسياسية، تتجاوز مجرد الوصول إلى البحر، إذ يمثل في جوهره مسعى لتكريس نفوذ استراتيجي طويل الأمد في منطقة بالغة الحساسية. غير أن الحكومة الصومالية رفضت هذا الطرح رفضا قاطعًا، معتبرة أن أي اتفاق مباشر بين أديس أبابا وصوماليلاند يُعد انتهاكا صريحا لسيادة الدولة ووحدة أراضيها، ويضفي شرعية ضمنية على كيان لا تعترف به الأمم المتحدة.

علاوة على ذلك، أثارت مطالبة إثيوبيا بإقامة قاعدة عسكرية بحرية في صوماليلاند حساسية شديدة لدى مقديشو، التي رأت في ذلك تهديدًا مباشرًا لتوازن القوى في المنطقة، ومصدر توتر إقليمي محتمل، خاصة في ظل التقارب الصومالي المصري المتنامي.

في سياق متصل، طالبت أديس أبابا من الحكومة الصومالية إعادة النظر في تحالفاتها الإقليمية، لا سيما اتفاق التعاون العسكري مع القاهرة، والذي يسمح بإرسال قوات ومعدات إلى الأراضي الصومالية، وهو ما تعتبره إثيوبيا تهديدًا جيوأمنياً لمصالحها، في ظل تصاعد الخلاف حول ملف مياه النيل وتوزيع النفوذ في البحر الأحمر.

وعلى الرغم من الجهود التركية، فإن غياب آليات دولية ضامنة سواء من الاتحاد الأفريقي أو الأمم المتحدة قد ساهم في إضعاف مصداقية العملية التفاوضية برمتها، إذ لم يكن الدور التركي رغم حياده النسبي، كافيا لردم الفجوة بين الطرفين أو لفرض خارطة طريق ملزمة.

في المحصلة، عكست كل هذه العوامل مجتمعة مدى عمق الهوة بين الرؤيتين الصومالية والإثيوبية، وأظهرت بوضوح غياب الإرادة السياسية لدى الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة، ما أدى إلى انسداد أفق الحوار، وتحويل المفاوضات من فرصة للحل إلى ساحة لتثبيت المواقف الصلبة.

المآلات الإقليمية المحتملة

إخفاق مفاوضات أنقرة بين الصومال وإثيوبيا لا يُقرأ فقط بوصفه فشلا دبلوماسيا مؤقتا، بل ينذر بتحول نوعي في مسار العلاقات الثنائية، يُرجّح أن تتبعه تداعيات متشابكة إقليميًا، سواء في مستوى التحالفات أو في إعادة توزيع النفوذ على امتداد البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

من المرجح أن تدخل العلاقة بين الطرفين مرحلة من التصعيد السياسي والدبلوماسي المنضبط، يتجاوز اللغة إلى تبني سياسات ميدانية مضادة. فالصومال بات أكثر ميلاً إلى توسيع شبكة تحالفاته، خاصة مع قوى إقليمية تشترك معه في الهواجس من السياسات الإثيوبية التوسعية، مثل مصر التي تربطها بمقديشو اتفاقية دفاع مشترك، وجيبوتي التي ترى في تطلع أديس أبابا إلى منفذ بحري بديل، تهديدا مباشرًا لموقعها الجيوستراتيجي، وإريتريا التي لا تخفي قلقها من أي انفراد إثيوبي بمفاصل النفوذ البحري في المنطقة.

في المقابل، تسعى إثيوبيا لإعادة تدوير أوراقها الإقليمية، من خلال بناء اصطفاف مصلحي جديد مع قوى خليجية، على رأسها الإمارات، التي تمتلك نفوذا استثماريًا وعسكريا متناميا في موانئ المنطقة. التحرك السريع لإثيوبيا نحو تفعيل مذكرة التفاهم مع صوماليلاند – كما ألمح إليه آبي أحمد في تغريدته عقب فشل المفاوضات – يشي بإرادة سياسية في تجاوز الأطُر التفاوضية التقليدية، واستبدالها بسياسات فرض الأمر الواقع، وهو ما قد يشعل موجة جديدة من التوتر في الإقليم.

إخفاق مفاوضات أنقرة بين الصومال وإثيوبيا لا يُقرأ فقط بوصفه فشلا دبلوماسيا مؤقتا، بل ينذر بتحول نوعي في مسار العلاقات الثنائية، يُرجّح أن تتبعه تداعيات متشابكة إقليميًا، سواء في مستوى التحالفات أو في إعادة توزيع النفوذ

هذا التصعيد، وإن اتخذ طابعا غير عسكري في المدى القريب، إلا أنه يُهدد بنسف التوازنات الهشة في القرن الأفريقي، وقد يؤدي إلى استقطاب جيوسياسي أوسع بين محاور إقليمية متنافسة، ما يضع الإقليم برمته على شفا حالة من "اللا استقرار المركب"، تتقاطع فيه المصالح البحرية والحدودية مع الحسابات الأمنية والتحالفات الدولية الناشئة.

نحو هندسة دبلوماسية جديدة

تظهر أزمة فشل مفاوضات أنقرة بين الصومال وإثيوبيا حجم التعقيدات البنيوية في العلاقة بين دولتين تحملان إرثا تاريخيا متشابكا ومتناقضا، وتواجهان تحديات قومية وتنموية ضاغطة. وقد بيّنت المعطيات أن تعنّت المواقف المبدئية، وغياب الثقة المتبادلة، وتضارب الحسابات الجيوسياسية، جميعها عوامل ساهمت في نسف فرص التوصل إلى تسوية. كما أن توجّه كل طرف لإعادة ترتيب أوراقه وتحالفاته الإقليمية ينذر بتصعيد قد تتجاوز ارتداداته حدود البلدين ليطال بنية الاستقرار الهشة في القرن الأفريقي.

وعليه، فإن تجاوز هذه الأزمة لا يمكن أن يتم بمنطق الغلبة أو الإقصاء، بل من خلال تبني مقاربة متوازنة تُراعي المصالح الحيوية للطرفين، وتُعيد ضبط التوترات ضمن أطر دبلوماسية بنّاءة. كما تبرز الحاجة إلى تحرك إقليمي جماعي يضم الفاعلين الأساسيين في القرن الأفريقي، ويهدف إلى تطوير آلية حوار دائمة تؤسس لسلام مستدام، وتقطع الطريق على سياسات المحاور والانفراد بالقرار الإقليمي، بما يضمن استقرارا طويل الأمد يخدم شعوب المنطقة، ويعيد الاعتبار للشرعية والتكامل الإقليمي.