تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 12 أغسطس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

فرنسا توسّع نفوذها العسكري خارج معاقلها التقليدية في أفريقيا

31 يوليو, 2026
الصورة
فرنسا توسّع نفوذها العسكري خارج معاقلها التقليدية في أفريقيا
Share

غابت الملفات العسكرية عن البرنامج الرسمي لأول قمة «أفريقيا–فرنسا» تُعقد في بلد ناطق بالإنجليزية، والتي استضافتها كينيا يومي 11 و12 مايو/آيار 2026. لكن غيابها عن جدول الأعمال لا يعني أنها غابت عن النقاشات غير الرسمية بين بعض رؤساء الدول. كما أن اختيار كينيا لاستضافة القمة لم يكن مصادفة، بل جاء في وقت شهد فيه التعاون العسكري والأمني بين نيروبي وباريس توسعا ملحوظا.

قُدّم هذا التقارب بوصفه تحولا جديدا، مع أن الوجود العسكري الفرنسي خارج نطاق نفوذ باريس التاريخي، المعروف بتعبير المجال المحفوظ(pré carré) ، ليس ظاهرة حديثة. فمنذ زمن طويل، تستخدم فرنسا تعاونها العسكري لتحقيق أهداف متعددة تختلف باختلاف الدولة الشريكة؛ من تدريب العسكريين على مختلف المستويات، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتقديم الدعم العملياتي في المعارك، إلى الترويج للصناعات الدفاعية الفرنسية وخدمة مصالح اقتصادية أخرى. كما يتيح هذا التعاون ترجمة التحالفات الاستراتيجية التي تقررها السلطات السياسية إلى ترتيبات عملية على الأرض، ولا تخفي باريس أنها تعدّه إحدى أبرز أدوات نفوذها في أفريقيا.

صفقات سلاح ومجازر

كان الرئيس إيمانويل ماكرون قد توقف في مصر قبيل انعقاد القمة، لذلك تبدو القاهرة نقطة مناسبة للبدء. فالتعاون العسكري بين البلدين ليس جديدا، لكنه شهد توسعا كبيرا في ظل ديكتاتورية المشير عبد الفتاح السيسي، مدفوعا بصفقات السلاح الفرنسية الضخمة التي أُبرمت خلال السنوات الأخيرة. وشملت هذه الصفقات طرادات «غوويند»، وفرقاطات متعددة المهام، ومركبات مدرعة، فضلا عن أول عقد تصدير لطائرات «رافال» المقاتلة أبرمته شركة «داسو» عام 2015. وجاءت هذه الصفقات رغم أن بعض المركبات المدرعة الفرنسية سبق أن استُخدم في المجزرة التي رافقت استيلاء الجيش على السلطة في يوليو/حزيران 2013، وقُتل فيها نحو ألف شخص.

تعرض السفارة الفرنسية في مصر هذا المسار بوضوح على صفحتها المخصصة للتعاون الثنائي، مشيرة إلى أن "تسريع التعاون العسكري الفرنسي–المصري بدأ عقب توقيع صفقات السلاح الكبرى عام 2015، واتخذ شكلًا ملموسا عام 2017 بإنشاء لجنة عسكرية عليا". وتضيف أنه منذ ذلك الحين "ازدادت كثافة العلاقات الدفاعية وتنوع التعاون العسكري بين البلدين"، ما أفضى إلى "إقامة علاقات وثيقة ومتكررة بين كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين، وإطلاق حوار استراتيجي ثنائي منذ عام 2023، تشرف عليه الإدارة العامة للعلاقات الدولية والاستراتيجية".

لكن الأمر لم يقتصر على صفقات السلاح والعلاقات الرسمية. فقد أظهرت وثائق كُشف عنها في نوفمبر/تشرين الثاني 2021 أن القيادة العسكرية الفرنسية استغلت الانقلاب عمدا للترويج للمعدات الفرنسية، وشجعت السلطات السياسية على غض الطرف عن القمع الوحشي الذي مارسه النظام الجديد.

بعد أسابيع قليلة، كشف موقع «ديسكلوز» حجم تورط فرنسا في عملية «سيرلي»، وهي مهمة سرية "أطلقها الجيش الفرنسي عام 2015 لتزويد ديكتاتورية المشير عبد الفتاح السيسي بمعلومات استخباراتية جوية". وتحت غطاء مكافحة الإرهاب، استُخدمت هذه المعلومات في شن حملة قصف ممنهجة استهدفت مدنيين يُشتبه في ضلوعهم في عمليات تهريب بالصحراء الغربية، على امتداد الحدود مع ليبيا.

استمر هذا التعاون الإجرامي بموافقة الرئيسين فرانسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، رغم التحذيرات التي أطلقها بعض الضباط الفرنسيين. وساعد على ترسيخ التقارب بين باريس والقاهرة تقاطع مصالحهما في الحرب الأهلية الليبية؛ إذ دعمت الدولتان، إلى جانب الإمارات العربية المتحدة، محاولة المشير خليفة حفتر الاستيلاء على السلطة.

نتائج متباينة

لم تفتر في عهد إيمانويل ماكرون جهود الترويج للمعدات العسكرية الفرنسية، وهو ما يفسر جزئيا مساعي باريس إلى توثيق علاقاتها مع أنغولا. ففي عام 2018، وقّع البلدان اتفاقية للتعاون الدفاعي، وسط مؤشرات إلى احتمال توسيع صفقات السلاح بينهما. وكانت أنغولا، التي سبق أن اشترت مروحيات من شركة «إيرباص»، قد ألمحت إلى اهتمامها باقتناء سفن حربية فرنسية أيضًا.

لكن هذا التعاون لم يكتسب الزخم المنشود. ووصل الأمر، في مرحلة ما، إلى طرح فكرة إغلاق البعثة الدفاعية الملحقة بالسفارة الفرنسية في لواندا، قبل أن تقرر باريس الاكتفاء بتقليص حجمها. واقتصرت البرامج المنفذة إلى حد بعيد على تنظيم دورات في اللغة الفرنسية لأفراد الشرطة الوطنية والقوات المسلحة الأنغولية، لإعدادهم للمشاركة في عمليات حفظ السلام أو التدريبات التي تُجرى بالفرنسية. وهي ترتيبات محدودة توجد نظائر لها في دول كثيرة غير ناطقة بالفرنسية.

على الرغم من اتساع التعاون العسكري الفرنسي ليشمل دولًا غير ناطقة بالفرنسية، لا تزال باريس تواجه صعوبة في ترسيخ حضور مؤثر إلى جانب الشراكات العسكرية القديمة التي تربط هذه الدول بقوى استعمارية سابقة أخرى، فضلًا عن الولايات المتحدة وروسيا والصين

لم تكن تجربة فرنسا في إثيوبيا أكثر نجاحا، فقد بدت العلاقات بين البلدين واعدة عقب وصول آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، قبل أن يُمنح، وسط جدل واسع، جائزة نوبل للسلام في العام التالي. وأتاحت جولة ماكرون في جيبوتي وإثيوبيا وكينيا، في مارس/آذار 2019، فرصة لتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي وتوقيع اتفاقية شراكة دفاعية، رافقتها حزمة كبيرة من المساعدات التنموية. وكان من بين أهداف الاتفاقية إعادة بناء البحرية الإثيوبية، وتطوير سلاح الجو في البلاد.

غير أن الأوضاع تغيرت جذريًا قبل دخول الاتفاقية حيز التنفيذ، فبحلول تصديق البرلمان الإثيوبي عليها في يونيو/حزيران 2021، كانت الحرب في تيغراي قد اشتدت، وجرائم الحرب التي ارتكبتها القوات الإثيوبية قد أصبحت موثقة. وذكر موقع «ميديابارت» الاستقصائي أنه أثار، منذ يناير/كانون الثاني 2021، تساؤلات بشأن "طبيعة التعاون الدفاعي الفرنسي مع إثيوبيا" ومستقبله، لكن وزارة القوات المسلحة لم ترد "إلا بعد خمسة أشهر، في 18 مايو/آيار، وبعد ثمانية تذكيرات خطية"، قبل أن تزعم، خلافا للحقيقة، أن باريس لم تزوّد أديس أبابا بأي أسلحة.

أمام تفاقم الحرب وتعدد الفظائع المنسوبة إلى الجيش الإثيوبي، قررت فرنسا في أغسطس/آب 2021 تعليق اتفاقية التعاون العسكري. لا يبدو أنها أُعيدت إلى حيز التنفيذ حتى الآن، رغم زيارة ماكرون لإثيوبيا في ديسمبر/كانون الأول 2024، ثم توقفه فيها مجددا في 13 مايو/آيار 2026، عقب قمة نيروبي.

قد يرتبط استمرار التعليق بحسابات فرنسا الجيوسياسية في القرن الأفريقي، ولا سيما الخلاف المتصاعد بشأن حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر. ففي منطقة تتشابك فيها المصالح والتحالفات، يتعين على باريس أن توازن علاقتها بأديس أبابا مع شراكات أخرى تحرص على الحفاظ عليها، خصوصًا مع مصر وجيبوتي.

التركيز على المحيط الهندي

أما إلى الجنوب، فقد واصلت العلاقات الاقتصادية والعسكرية بين فرنسا وكينيا توسعها بوتيرة متسارعة. وكان الرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا قد استضاف في مارس/آذار 2019 «قمة كوكب واحد»، التي يوليها ماكرون اهتماما خاصا. ثم وقّع البلدان عام 2023 اتفاقية للتعاون البحري. ووفقًا لما أوردته نشرة «أفريكا إنتليجنس» في مايو/آيار 2024، تتولى باريس منذ عام 2004 تدريب ضباط كينيين في كلية الدفاع المشتركة بالعاصمة الفرنسية.

تُوّج هذا المسار في نهاية عام 2025 بإبرام اتفاقية للتعاون الدفاعي، تركز أساسا على الأمن البحري وتبادل المعلومات الاستخباراتية. ويشمل التعاون أيضا تدريب قوات حفظ السلام، وإعدادها للمشاركة في بعثات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، على غرار البرامج التي تقدمها فرنسا لقوات أخرى في المنطقة. ويتولى هذه التدريبات أفراد من القوات الفرنسية المتمركزة في جيبوتي، حيث توجد آخر قاعدة عسكرية فرنسية كبرى في القارة.

من المقرر كذلك تنظيم مناورات بحرية مشتركة مع القوات المسلحة لمنطقة جنوب المحيط الهندي، المتمركزة في جزيرتي ريونيون ومايوت، والتي تجري بدورها تدريبات عسكرية مع جنوب أفريقيا.

ومن اللافت أن البرلمان الكيني أدخل تعديلات جوهرية على اتفاقية التعاون قبل إقرارها، في حين لا يتمتع المشرّعون الفرنسيون بسلطة مماثلة عند النظر في اتفاقيات من هذا النوع، ولا يطالبون بها إلا نادرا. ويكتسب هذا التدقيق البرلماني أهمية خاصة في بلد تأثر رأيه العام بشدة بالانتهاكات التي ارتكبها جنود بريطانيون متمركزون على أراضيه، وظلت من دون عقاب.

من منظور نيروبي، يندرج الاتفاق مع فرنسا ضمن مسعى أوسع لتنويع الشراكات الدفاعية. فقد صادقت كينيا عليه بالتزامن مع أربع اتفاقيات أخرى أبرمتها مع التشيك والصين وإثيوبيا وزيمبابوي، في وقت تضررت فيه سمعة القوات البريطانية، وباتت العلاقات مع الولايات المتحدة تُعد أقل قابلية للتنبؤ.

وربما تسعى كينيا أيضا، على غرار جيبوتي، إلى استثمار موقعها البحري الاستراتيجي، وتعزيز مكاسبها من تنافس القوى العسكرية الأجنبية عليه. وفي السياق نفسه، تعمل إيطاليا وألمانيا على إبرام اتفاقيات مماثلة مع نيروبي.

التجارة المربحة في «الحرب على الإرهاب»

قبل أن يتبلور التعاون الراهن بين باريس ونيروبي، كانت فرنسا قد تعاونت سرا مع كينيا عام 2010 لدعم عملياتها ضد حركة الشباب في الصومال. ولم تكن هذه حالة معزولة؛ إذ شكّلت «الحرب على الإرهاب» أحد أبرز دوافع التقارب العسكري الفرنسي مع عدد من الدول الأفريقية، ضمن مسار تطور على مرحلتين منفصلتين.

بدأت المرحلة الأولى في عهد الرئيس فرانسوا هولاند، فحين تحولت عملية «سرفال» في مالي إلى عملية «برخان» عام 2014، واتسع نطاقها ليشمل مالي وبوركينا فاسو والنيجر وموريتانيا وتشاد، كانت مؤشرات التمدد الاستراتيجي المفرط قد بدأت تظهر بالفعل. ومع ذلك، مضى هولاند في توسيع الرقعة الجغرافية للعمليات العسكرية الفرنسية، وعرض منذ عام 2015 تقديم الدعم لنيجيريا.

تستمر مبيعات السلاح والتعاون العسكري في التداخل مع الحسابات السياسية والاستراتيجية، حيث تظل جهود الترويج للمعدات العسكرية الفرنسية من أبرز دوافع التقارب مع دول القارة

في مطلع عام 2016، توجه هولاند إلى أبوجا، حيث "نصّب نفسه راعيًا عسكريًا للحرب على بوكو حرام"، وفق تعبير صحيفة «لوموند». ولم يكن تهديد التنظيم الجهادي مقتصرا على نيجيريا؛ إذ امتد إلى النيجر وتشاد، حيث تنتشر قوات فرنسية، وكذلك إلى الكاميرون، الواقعة ضمن نطاق النفوذ الفرنسي التقليدي. وفي هذا السياق، زودت فرنسا نيجيريا بمعلومات استخباراتية جوية، وأخرى جُمعت عبر الأقمار الصناعية، إلى جانب تدريبات أشرفت عليها مديرية الاستخبارات العسكرية الفرنسية.

في أبريل/نيسان من العام نفسه، زار وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان نيجيريا لتوقيع خطاب نوايا يمهد لاتفاقية تعاون عسكري بين البلدين. وكان من المنتظر أن تشمل الاتفاقية أيضًا جهود مواجهة التهديدات البحرية في خليج غينيا، إحدى المناطق المهمة لإنتاج النفط. وشرح وزير الدفاع النيجيري دوافع هذا التقارب بقوله: "تتمتع فرنسا بنفوذ كبير في جميع الدول الناطقة بالفرنسية في المنطقة".

كما استهدفت المبادرة معالجة الصعوبات العملياتية التي تواجهها القوة المشتركة متعددة الجنسيات، التي تضم دولًا مجاورة تتعاون في محاربة بوكو حرام، وكانت فرنسا تسعى إلى تعزيز قدراتها ورفع مستوى التنسيق بين أعضائها.

بطبيعة الحال، حضرت مبيعات السلاح بقوة في هذه الحسابات. وقال مصدر فرنسي لوكالة «فرانس برس»: "سنساعدهم على تحديد احتياجاتهم وإجراءات الشراء". غير أن الصحفي المتخصص في شؤون الدفاع لوران لاغنو أشار، في موقع «أوبيكس 360»، إلى أن "القوات النيجيرية واجهت مرارًا صعوبات في شراء المعدات، ولا سيما بسبب سجلها السيئ في مجال حقوق الإنسان ومشكلات الفساد".

في السنوات اللاحقة، أجرت فرنسا، التي تحتفظ بوجود بحري دائم في خليج غينيا ضمن عملية «كوريمب»، عدة تدريبات مشتركة مع القوات النيجيرية. وسرعان ما أصبحت نيجيريا ثاني أكبر مشترٍ للأسلحة الفرنسية في المنطقة بعد السنغال. ومع ذلك، لم ترَ اتفاقية الشراكة الدفاعية التي جرى التمهيد لها النور.

إعادة الانتشار خارج «المجال المحفوظ»

بدأت المرحلة الثانية مع اضطرار فرنسا إلى سحب قواتها من عدة دول في أفريقيا جنوب الصحراء؛ من مالي عام 2022، ثم بوركينا فاسو والنيجر عام 2023، وصولا إلى السنغال وتشاد عام 2025. أمام هذا الانحسار، سعت باريس إلى «إعادة تشكيل» تموضعها العسكري في القارة، مانحة التعاون العسكري دورا أكبر للتعويض عن تقليص القوات المتمركزة في القواعد أو المنتشرة ضمن العمليات الخارجية. وبدأت، في هذا السياق، عرض خبراتها وخدماتها على دائرة أوسع من الدول التي تواجه تمردات جهادية.

أمام هذا الانحسار، سعت باريس إلى "إعادة تشكيل" تموضعها العسكري في القارة، مانحة التعاون العسكري دورا أكبر للتعويض عن تقليص القوات المتمركزة في القواعد أو المنتشرة ضمن العمليات الخارجية

في غانا، ظل التعاون مقتصرا على تدريب قوات حفظ السلام وتعليم اللغة الفرنسية. أما مع نيجيريا، فقد استعادت العلاقات العسكرية زخمها. وتقارب الرئيس النيجيري بولا تينوبو ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون عقب موجة الانقلابات التي شهدتها منطقة الساحل، إذ أيد كلاهما خطط الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «إيكواس» للتدخل العسكري بعد الإطاحة بالرئيس محمد بازوم في النيجر عام 2023.

تجلى هذا التقارب خلال محاولة الانقلاب التي شهدتها بنين في ديسمبر/كانون الأول 2025، حين تدخلت فرنسا عسكريا بالتنسيق مع نيجيريا. واعتمدت القوات النيجيرية على معلومات استخباراتية فرنسية في قصف معسكر الانقلابيين.

مع تدهور الأوضاع الأمنية وتصاعد المخاوف من امتداد الاضطرابات، وجّه الرئيس النيجيري نداءات متكررة طلبًا للمساعدة. وفي يناير/كانون الثاني 2026، أوفدت باريس إلى أبوجا الجنرال باسكال ياني، قائد «قيادة أفريقيا»، ثم لحق به في أبريل المستشار العسكري الأول لماكرون.

لا يزال التعاون في مواجهة بوكو حرام شمالي نيجيريا يُدار إلى حد بعيد بالتنسيق مع بريطانيا والولايات المتحدة، لكنه يبقى مثقلا بسجل جرائم الحرب المروعة التي ارتكبتها القوات النيجيرية. أما في غرب البلاد، فتنفذ القوات الخاصة الفرنسية، وفقًا لنشرة «أفريكا إنتليجنس»، "عمليات منسقة على طول الحدود بين نيجيريا وبنين، بمشاركة القوات النيجيرية والبنينية". وتستهدف هذه العمليات بصورة خاصة قادة جماعة «أنصارو» المرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. كما منحت نيجيريا فرنسا حق التحليق في أجوائها، ما يتيح لها جمع المعلومات الاستخباراتية الجوية وتوفيرها للقوات المشاركة.

توسع محدود

على الرغم من اتساع التعاون العسكري الفرنسي ليشمل دولًا غير ناطقة بالفرنسية، لا تزال باريس تواجه صعوبة في ترسيخ حضور مؤثر إلى جانب الشراكات العسكرية القديمة التي تربط هذه الدول بقوى استعمارية سابقة أخرى، فضلًا عن الولايات المتحدة وروسيا والصين، وتركيا بصورة متزايدة.

حتى الآن، لا يمنح هذا التعاون المحدود فرنسا مستوى النفوذ نفسه الذي تمتعت به تاريخيا في بعض الدول الناطقة بالفرنسية. كما لا يمكّنها من نسج علاقات التبعية ذاتها، أو التدخل بالقدر نفسه في النزاعات والأزمات السياسية الداخلية، كما فعلت سابقًا، أو كما لا تزال تفعل في بعض الحالات داخل نطاق نفوذها التقليدي.

يتضح هذا التفاوت أيضًا في توزيع المستشارين العسكريين الفرنسيين في أنحاء القارة. فعلى الرغم من انتداب عدد محدود منهم للعمل في أكاديميات عسكرية داخل دول غير ناطقة بالفرنسية، لا توجد أي من المدارس الوطنية السبع عشرة ذات البعد الإقليمي خارج النطاق الفرنكوفوني. وقد أنشأت فرنسا هذه المدارس في أنحاء أفريقيا منذ تسعينيات القرن الماضي، وتشرف عليها مديرية التعاون الأمني والدفاعي.

مع ذلك، تسعى باريس إلى توسيع حضورها خارج هذا النطاق، إذ تعمل شركة «إم بي دي إيه» المصنعة للصواريخ وشركة «ديلير» المتخصصة في الطائرات المسيّرة على الترويج لإنشاء أكاديمية للطائرات المسيّرة في غابورون، عاصمة بوتسوانا. وتحظى المبادرة بدعم مجموعة «ديفانس كونسيي إنترناسيونال» الفرنسية شبه الحكومية، إلى جانب الإدارة العامة للتسليح والإدارة العامة للعلاقات الدولية والاستراتيجية.

ووفقًا لـ«أفريكا إنتليجنس»، يُفترض أن تخدم الأكاديمية "قوات دفاع بوتسوانا، والشرطة وأجهزة إنفاذ القانون في البلاد، إلى جانب مؤسسات مماثلة في الدول المجاورة، مثل جنوب أفريقيا وأنغولا وملاوي وموزمبيق وناميبيا وزامبيا".

لكن مثل هذه المبادرات لا تغير الصورة العامة حتى الآن؛ إذ يظل التعاون العسكري المكثف إحدى السمات الأساسية لـ«المجال المحفوظ» التقليدي لفرنسا في أفريقيا.