تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الاثنين 9 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

فك حصار الدلنج

27 يناير, 2026
الصورة
فك حصار الدلنج
Share

وفق بيان أصدره الجيش السوداني مساء الإثنين 26 يناير/كانون الأول 2026، فإن قوات الجيش السوداني مدعومة بقوات متحالفة معه تمكنت من فك الحصار المفروض على مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، بعد عمليات عسكرية متدرجة نُفذت على عدة محاور في محيط المدينة، وانتهت بفتح المداخل الرئيسية وتأمين خطوط الربط بينها وبين المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش. وجاء هذا التطور بعد فترة طويلة من الحصار الذي جعل الدلنج واحدة من أبرز المدن التي ظلت معزولة ميدانيًا، وتعتمد على مسارات محدودة وغير آمنة لإدخال الإمدادات، سواء للمدنيين أو للقوات الموجودة داخلها.

اعتمدت العملية، بحسب المعطيات المتوفرة، على تقدم بري منظم استهدف تفكيك نقاط الارتكاز التي كانت تشكل الطوق العسكري حول المدينة، مع تركيز خاص على الطرق التي تربط الدلنج بمحاور هبيلا وكادوقلي، وهي طرق ظلت خلال الأشهر الماضية مسرحًا للاشتباكات وعمليات الكر والفر. هذا التقدم أتاح للجيش تحقيق التحام ميداني مع قواته داخل المدينة، وهو ما يعني عمليًا انتهاء وضع الحصار الذي فُرض عبر السيطرة النارية والضغط المستمر على المداخل، وليس بالضرورة عبر احتلال المدينة من الداخل.

ميدانيًا، يمثل فك حصار الدلنج تحولًا مهمًا في معادلة الصراع بجنوب كردفان، لأن المدينة تشكل عقدة جغرافية بين عدد من المحاور الحيوية في الإقليم. وجودها تحت الحصار كان يمنح الطرف الذي يفرض الطوق قدرة على تعطيل حركة القوات، واستنزافها عبر العزلة ونقص الإمداد، دون الحاجة إلى معارك اقتحام واسعة. كسر هذا الطوق يفتح المجال أمام الجيش لإعادة ترتيب انتشاره في المنطقة، ونقل قوات وإمدادات بصورة أكثر مرونة، كما يخفف الضغط عن مدن ومناطق أخرى كانت تتأثر بشكل غير مباشر باستمرار الحصار، سواء من حيث التهديد العسكري أو انقطاع الطرق.

كما أن لهذا التطور أثرًا مباشرًا على ميزان السيطرة في جنوب كردفان، إذ يحدّ من قدرة قوات الدعم السريع وحلفائها على استخدام استراتيجية خنق المدن، التي أثبتت فعاليتها في مناطق أخرى، ويضعهم أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانسحاب إلى مواقع أبعد وإعادة التموضع، أو الدخول في مواجهات أكثر كلفة للحفاظ على النفوذ في محيط الدلنج. وفي الحالتين، فإن فك الحصار يقلص هامش المناورة، ويكسر حالة الجمود التي كانت تميز هذا المحور لفترة طويلة.

سياسيًا، لا يقل هذا التطور أهمية عن بعده العسكري. فك حصار مدينة ظلت محاصرة لفترة طويلة يمنح القيادة العسكرية ورقة قوية في خطابها الداخلي، خاصة في ظل الانتقادات الواسعة المتعلقة بحماية المدنيين، وفشل الدولة في ضمان وصول الإغاثة. الحدث يمكن تقديمه باعتباره دليلًا على قدرة الجيش على استعادة المبادرة في جبهات معقدة، وليس فقط الدفاع عن مواقع قائمة. كما أن له بعدًا رمزيًا، إذ ترتبط الدلنج في الذاكرة المحلية بوصفها مدينة صامدة في وجه الحصار، ما يجعل رفع الطوق عنها حدثًا ذا وقع معنوي يتجاوز حدود الولاية.

على المستوى التفاوضي، من شأن هذا التقدم أن يؤثر على حسابات الأطراف في أي مسار سياسي محتمل. التحولات الميدانية غالبًا ما تنعكس مباشرة على مواقف التفاوض، وفك حصار الدلنج قد يُستخدم لإعادة تعريف ميزان القوة، سواء عبر رفع سقف الشروط أو تحسين موقع الجيش وحلفائه في أي محادثات قادمة. في المقابل، قد يدفع هذا التطور الأطراف الأخرى إلى تعويض الخسارة عبر تصعيد في جبهات مختلفة، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة.

أما إنسانيًا، فإن كسر الحصار يفتح نافذة أمل لسكان المدينة الذين عانوا من نقص الخدمات الأساسية وقيود الحركة وصعوبة وصول المساعدات. فتح الطرق يعني نظريًا إمكانية دخول الإغاثة والمواد الطبية والغذائية، وعودة جزئية للنشاط التجاري، لكن ذلك يظل مرهونًا بمدى استقرار الوضع الأمني واستمرار السيطرة على محيط المدينة. التجارب السابقة في مناطق مشابهة تشير إلى أن فك الحصار لا يعني تلقائيًا نهاية المعاناة، لكنه يشكل شرطًا أوليًا لا غنى عنه لأي تحسن إنساني حقيقي.

في المجمل، فإن فك حصار الدلنج لا يمكن النظر إليه كحدث معزول، بل كحلقة في سياق أوسع من إعادة تشكيل خطوط السيطرة في جنوب كردفان. هو تطور يحمل دلالات ميدانية واضحة، ويبعث برسائل سياسية متعددة الاتجاهات، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل استراتيجية الحصار، وحدود قدرتها على الصمود في مواجهة عمليات عسكرية مضادة أكثر تنظيمًا.