تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 15 سبتمبر 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

فانو وحكومة آبي أحمد: صراع مفتوح يعمّق أزمة إثيوبيا

26 أغسطس, 2026
الصورة
فانو وحكومة آبي أحمد: صراع مفتوح يعمّق أزمة إثيوبيا
Share

حمل مقاتلو فانو، وكنت واحدًا منهم، السلاح إزاء ما رأيناه تهديدًا وجوديًا يواجه شعب الأمهرة من الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا. ولم يكن اللجوء إلى المقاومة المسلحة خيارنا الأول؛ فقد ناشد شعبنا الحكومة مرارًا وقف الهجمات على المدنيين، لكن مناشداته لم تلقَ آذانًا صاغية.

عندما تُستنفد الوسائل السلمية، وتتخلى الحكومة عن واجبها في حماية مواطنيها، تصبح المقاومة السبيل الوحيد للبقاء، وتكتسب مشروعيتها الأخلاقية والقانونية. من هنا، جاء نضالنا استجابةً لضرورة البقاء، لا مدفوعًا بطموحات شخصية أو رغبة في تحقيق مكاسب سياسية.

لذلك، لا يصح اختزال نشأة حركة فانو الحالية في تداعيات اتفاق بريتوريا، كما تفعل بعض السرديات؛ إذ إن السخط الشعبي الذي مهّد لظهورها سبق توقيع الاتفاق بوقت طويل.

عقب إعلان الحكومة الحرب على شعب الأمهرة، خاضت فانو معركة البقاء بإمكانات محدودة، لكنها عوّضت نقص الموارد بشجاعة مقاتليها، وثقتهم بقدرتهم على اغتنام أسلحة الخصم، فضلًا عن الدعم اللوجستي الذي وفره المجتمع المحلي. ومع تراكم الخبرة، واتساع قاعدة الدعم، تطورت الحركة لتصبح قوة عسكرية يُحسب لها حساب.

يحافظ النظام على قبضته على السلطة عبر تغذية الفوضى، وتحويل الحرب والاعتقالات الجماعية التعسفية والخطاب التحريضي المثير للانقسام إلى أدوات للسيطرة

تستمد فانو مشروعية نضالها من دفاعها عن بقاء شعب الأمهرة. وعلى النقيض، تفتقر القوات الحكومية إلى أهداف استراتيجية واضحة، لأنها تخوض حربًا ضد أبناء شعبها. هنا يتجلى الفارق العميق في دوافع القتال؛ فبينما تقاتل فانو دفاعًا عن وجود شعبها، تُزج القوات الحكومية في مواجهة السكان بهدف إبقاء النظام الوحشي متشبثًا بالسلطة.

انعكس هذا التفاوت على سير المعارك، فتراجعت قدرة قوات النظام ورغبتها في مواصلة القتال بعد تكبدها خسائر فادحة، واضطر عدد من جنودها إلى الاستسلام بأسلحتهم. في المقابل، ما تزال فانو مصممة على المضي في نضالها، مهما طال أمد الحرب أو بلغت كلفة التضحيات.

لم يقتصر تطور فانو على أدائها الميداني؛ فقد نجحت في تحويل شبكة مقاومة متناثرة إلى قوة قتالية نخبوية، أكثر تنظيمًا وشدة بأس، بالتوازي مع بناء قيادة آخذة في التماسك والانتظام. كما أسهم تأسيس «الحركة الوطنية لفانو الأمهرة» (AFNM) في تعزيز التنسيق والقدرات العملياتية، وأضفى مزيدًا من التماسك على التخطيط الاستراتيجي والتحرك العسكري.

في المقابل، زج النظام بقدرات عسكرية متطورة، شملت الطائرات المسيّرة والمقاتلات الجوية ومنظومات صواريخ «بي إم» والوحدات الآلية وفرق المشاة، إلى جانب حملات دعائية واسعة النطاق. ومع ذلك، لم تمكّنه هذه الموارد من تحقيق نصر عسكري حاسم؛ فالتفوق التكنولوجي وحده لا يكفي لحسم معركة يخوضها الطرف الآخر دفاعًا عن بقائه.

خلال السنوات الثلاث الماضية، نفّذ سلاح الجو الحكومي، بمشاركة عناصر إماراتية، آلاف الغارات الجوية وضربات الطائرات المسيّرة، واستهدفت جميعها تقريبًا مدنيين من الأمهرة ومرافق حيوية للبنية التحتية العامة، من بينها المدارس والمنشآت الصحية. وتمثل هذه الهجمات، في نظرنا، أعمالًا إرهابية تكشف حجم الكراهية والعداء تجاه شعبنا.

تأتي هذه الضربات ضمن نمط أوسع من الانتهاكات الممنهجة للقانون الدولي الإنساني، يشمل استخدام العنف الجنسي والتجويع والاستهداف المتعمد للمدنيين ومرافق البنية التحتية الحيوية. وفي المقابل، تلتزم فانو بالقانون الدولي وبالمبادئ والواجبات المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف.

وقد بلغت الحركة ذروة قدراتها العسكرية والقيادية، بالتزامن مع اتساع التأييد الشعبي لها. ومع تحول ميزان القوى العسكري والسياسي لمصلحتها، تضيق الخيارات المتاحة أمام الحكومة، التي باتت عالقة بين الاستسلام ومواصلة القتال؛ وفي كلتا الحالتين، تتجه نحو الهزيمة.

من المفارقات المؤلمة أن سلاح الجو، الذي أُنشئ بأموال دافعي الضرائب الإثيوبيين للدفاع عن البلاد وحماية شعبها، أصبح متاحًا للإمارات لتنفيذ عمليات تستهدف إثيوبيين آخرين

أما النظام، فيحافظ على قبضته على السلطة عبر تغذية الفوضى، وتحويل الحرب والاعتقالات الجماعية التعسفية والخطاب التحريضي المثير للانقسام إلى أدوات للسيطرة. وكلما اقتربت البلاد من السلام، بدا كأنه يعيد إشعال الحرب وعدم الاستقرار، متجاهلًا أبسط المبادئ الأخلاقية والإنسانية.

كما يستند النظام إلى أكاذيب فجة لصناعة وهم بالشرعية، فينظم انتخابات صورية من دون مشاركة شعبية حقيقية، ويقيم حوارًا وطنيًا زائفًا، بينما تغرق مساحات واسعة من البلاد في الحرب وتظل خارج سيطرته الفعلية.

تواجه الحكومة ضغوطًا متصاعدة بفعل خسائرها العسكرية الفادحة وتراجعها الميداني أمام فانو، إلى جانب تدهور علاقاتها مع إقليم تيغراي، واستمرار النزاعات المسلحة في أوروميا ومناطق أخرى. وتضاف إلى ذلك أزمة شرعية متفاقمة، ومعارضة شعبية متنامية، ودعم دبلوماسي آخذ في الانحسار، ما أدى إلى مزيد من إضعاف النظام وتقويض قبضته على السلطة.

لا تتوقف أعمال الحكومة العدائية وممارساتها القائمة على إرهاب الدولة عند حدود إثيوبيا؛ إذ تمتد إلى دعم قوات الدعم السريع في السودان، في خضم الحرب الأهلية المستمرة هناك، فضلًا عن نمط أوسع من المواقف والأعمال العدائية تجاه الدول المجاورة.

بذلك، لا تشكل الحكومة تهديدًا خطيرًا لشعبها فحسب، بل بات يُنظر إليها أيضًا بوصفها قوة تسعى إلى تغيير الوضع الإقليمي القائم، وتؤدي دورًا مزعزعًا للاستقرار في القرن الأفريقي. وقد أسهمت ممارساتها الإرهابية في الداخل ونهجها العدائي إقليميًا في تعميق الأزمة الإثيوبية، وتقويض الأمن والاستقرار في مختلف أنحاء المنطقة.

لم تمكّنه هذه الموارد من تحقيق نصر عسكري حاسم؛ فالتفوق التكنولوجي وحده لا يكفي لحسم معركة يخوضها الطرف الآخر دفاعًا عن بقائه

برز الدور الإماراتي في هذه الحرب من خلال تزويد نظام رئيس الوزراء آبي أحمد بطائرات مسيّرة مسلحة، ومساعدات لوجستية، ودعم تقني استُخدم في قتل المدنيين وتدمير البنية التحتية العامة. كما شارك أفراد إماراتيون، إلى جانب قدرات تقنية وعسكرية، بصورة أساسية في تشغيل الطائرات المسيّرة داخل إثيوبيا.

بفعل هذا الدعم، تحول شعب الأمهرة إلى حقل تجارب للتقنيات العسكرية الناشئة، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة. أما سلاح الجو الإثيوبي، الذي كان يُنظر إليه يومًا بوصفه رمزًا للفخر الوطني، فقد تحول إلى أداة للدمار وبث الرعب بين مواطني البلاد.

ومن المفارقات المؤلمة أن سلاح الجو، الذي أُنشئ بأموال دافعي الضرائب الإثيوبيين للدفاع عن البلاد وحماية شعبها، أصبح متاحًا للإمارات لتنفيذ عمليات تستهدف إثيوبيين آخرين، وتدمر مرافق بنيتهم التحتية الحيوية.

وقد يكون دعم الإمارات لحكومة آبي، في حربها ضد الشعب الإثيوبي، مدفوعًا بحسابات ومكاسب استراتيجية قصيرة الأجل، لكنه يهدد على المدى البعيد بتقويض مصالحها ونفوذها في إثيوبيا وعموم القرن الأفريقي.

في المحصلة، م يعد بقاء النظام ممسكًا بزمام السلطة احتمالًا قائمًا. وعقب إزاحته، ينبغي أن تكون العملية الانتقالية شاملة، وأن تضمن المساءلة وتحمي حقوق جميع الإثيوبيين، فضلًا عن إرساء أسس حكم ديمقراطي يحول دون دخول البلاد في دورة جديدة من الصراع خلال مرحلة ما بعد آبي أحمد.وحدها عملية انتقالية من هذا النوع يمكن أن تحقق سلامًا واستقرارًا دائمين في إثيوبيا وعموم منطقة القرن الأفريقي.