السبت 11 أبريل 2026
"...يا إلهي، لكنني أشعر بابتعادي عنهم أكثر فأكثر! كيف سما أولئك القديسون المبتهجون بأنفسهم؟ وباتوا آخرين؟ وتماهت هويتهم مع الحب؟ هل هذا زمني أم موطني الذي يقتلني ببطء؟ كم أشعر بالوحدة! لسنوات ألفتُ النظر لمصلوب تلو الآخر؛ بلا جدوى!.."
فقدت أفريقيا في أبريل/ نيسان الجاري المفكر الكونغولي فالنتين موديمبي (1941- 2025)؛ الذي عُد بجدارة واحدًا من أهم مفكريها وأكثرهم انخراطًا في قضايا ما بعد الاستعمار، ونقد الهيمنة الغربية بكافة أوجهها، لاسيما التي باتت تتجلى راهنًا في موطنه جمهورية الكونغو الديمقراطية.
توفي موديمبي مخلفًا إرثا فكريا مهما وجادا، ويمثل كونه أفريقي الهوى والذائقة، ومتمردا على الموروث الاستعماري إضافة كبيرة. فقد قارن علي مزروعي مشروع موديمبي الفكري بمشروع إدوارد سعيد، من جهة نقدهما للكولونيالية وقدرتهما على تفكيك خطابها بمستوياته المتعددة (سياسيًا، واجتماعيًا، وأيديولوجيًا)؛ وقابل مزروعي الذي امتلك معرفة نادرة بالثقافتين العربية والأفريقية معًا، بين مشروع الآخر/ الغيرية (alterity) لدى موديمبي ومشروع الاستشراق لدى سعيد من زاوية رئيسة، وهي جهد تفكيك الهيمنة المعرفية الغربية؛ إضافة إلى ذلك فإن مجمل مشروع موديمبي يبدو الأكثر اتساقًا –أفريقيًا- مع إسهامات نخبة أفريقية وطنية، مضافًا لها جهد فكري متقن يجمع بين فهم عميق نسبيًا للتاريخ، وتوثب خلاق لفلسفته وتجاوز أطر مركزيته الغربية الراسخة أفريقيًا، وصولًا لتفكيكها بمقدرة ملفتة.
كرس موديمبي جزءًا كبيرًا من حياته البحثية لدراسة الأيديولوجيات. ومن ثم فإنه كان واعيًا، حسب رصد بيير- فيليب فريتور P. Fraiture في مقدمة كتابه عن سيرة حياة موديمبي (2013)، بالطبيعة المراوغة للهوية والذاكرة الثقافية وإمكانات توظيفها لتقديم قراءة "تاريخية" جديدة للقارة الأفريقية.
نظر موديمبي للأماكن والأفراد والنصوص كمواد مرنة، يمكن إعادة ابتداعها، وإكسابها معانٍ ووظائف جديدة. وحكمت رؤيته تلك تفسيره للحداثة الاستعمارية وأثرها الحقيقي والرمزي على الكونغو المعاصرة (كمثال شبه كامل لأزمة القارة الأفريقية الحداثية).
ووضع موديمبي فكرة اتساق المنطق المحرك للتبشير (الأوروبي) في أفريقيا وأمريكا مع منطق عصر الكشوف الكبرى، وأن الحاجة للتوسع الإمبريالي قد انعكست بطموح في الدعوة للمسيحية، وبات العاملان، بمرور الوقت، متشابكان ولا يمكن التمييز بينهما.
يقيم موديمبي في مؤلفه "فكرة أفريقيا" (1994) السبل المتنوعة التي يمكن من خلالها تفسير الفضاء الكونغولي، وربطه بالذكريات المعادية للسرد الغربي. مع ملاحظة تأثره الملموس بموضوعات جان بول سارتر وصياغاته في الكتابة، فقد عمد في سبيل ذلك إلى توظيف جوانب ظاهراتية يومية وسيرته الذاتية لإنتاج معرفة أفريقية جديدة.
ثمة جانب هام آخر في فهم فكر موديمبي وهو تمرده على كاثوليكيته باعتبارها ملمحًا "غربيًا" رافق الاستعمار في بلاده؛ وهذا ما يتضح في تقديم موديمبي، رغم نشأته الكنسية- الكاثوليكية الصارمة، في سنوات لاحقة في الستينيات والسبعينيات نقدًا رصينًا للتبشير ودور الكنيسة الأوروبية (ضمن نقد أكثر تعقيدًا لدور الدين غير الأفريقي بشكل عام) في استعمار القارة الأفريقية؛ ووظف نموذج الاستشراق الذي وضعه إدوارد سعيد، مع مفهوم ميشيل فوكو عن التاريخانية "historicism" (أو التاريخانية الجديدة، كما ناقشها جيوفري هارفام G. Harpham في دراسة موجزة حول "فوكو والتاريخانية الجديدة" American Literary History, Summer 1991)؛ ووضع موديمبي، على سبيل المثال، فكرة اتساق المنطق المحرك للتبشير (الأوروبي) في أفريقيا وأمريكا مع منطق عصر الكشوف الكبرى، وأن الحاجة للتوسع الإمبريالي قد انعكست بطموح في الدعوة للمسيحية، وبات العاملان، بمرور الوقت، متشابكان ولا يمكن التمييز بينهما.
لكن رؤية موديمبي تلك، وما يمكن وصفه بالنزق العلمي الذي يظهر بين حين وآخر في أفكار الكتابة الأفريقانية وجموحها، اعتمدت على انتقاء وقائع تاريخية لتعزيز فكرته عن الذاكرة الأفريقية، وربطها بالتحرر الأكاديمي في كتابة تاريخ أفريقيا منذ منتصف القرن الماضي، مما أثار انتقادات منهجية وجيهة في بعض جوانبها لمنجزه كمؤرخ.
وفي تناص مع توجه موديمبي الفكري لترسيخ أولوية الذاكرة الأفريقية في التأريخ للقارة وفهمها فلسفيًا، يتذكر بحس "أفريقي" أصيل، يسم أفكاره ويعمق تميزها في واقع الأمر، تمشيته في شوارع مدينة كابولوي، يوم 30 يونيو/توز 1960 (يوم استقلال الكونغو) فيما كان لا يزال طالبًا لاهوتيًا.
لقد ركز في سرده على استجابة الجسد للحدث التاريخي الذي تناوله، وكيف أن هذه الاستجابة الحسية التي سرت في بدن الشاب الأفريقي تأثرًا بإعلان الاستقلال أكثر أهمية من محاولات تأريخية لتحديد قطع الصلات والفجوات بين "ما قبل" اسنعماري، و"ما بعد" بعد استعماري. وتبدو من هذه الملاحظة العابرة، ولع موديمبي بتقديم قراءة حية لتاريخ بلاده والقارة الأفريقية.
في مقدمة كتابه الأهم المعنون "اختراع أفريقيا: الغنوصية، والفلسفة، ونظام المعرفة" (1988) أكد موديمبي، الذي نشر قسمًا كبيرًا من الكتاب على مدار سنوات سابقة، مثل دراسته الهامة عن "الفلسفة الغنوصية الأفريقية ونظام المعرفة"- 1985 (وقد جنح موديمبي نفسه لاستخدام فكرة الغنصوية أو حب المعرفة بمعناها الواسع ومتعدد الإحالات كما أشار في مقدمة عمله الأيقوني) تناوله المبدئي للفلسفة الأفريقية ضمن بناء أوسع للمعرفة الأفريقية يسمى "أفريقانية" (Africanism)، وتوظيفه لهذه الفكرة المحورية لشروط الاحتمال وفقًا لمنهج ميشيل فوكو، المشتق بدوره حسب موديمبي من تعديلات الفيلسوف الفرنسي جان هيبوليت Jean Hyppolite التي أدخلها على الفلسفة الهيجلية. وتمثلت "شروط الاحتمال" تلك في رؤية أن الخطابات ليست مجرد أصول سوسيو-تاريخية لكنها ذات سياقات ابستمولوجية.
إن السياقات هي التي تجعلها محتملة، ويمكن أن تكون مسؤولة عنها بطريقة جوهرية. ومن ثم فإن موديمبي قرر التعامل مع خطابات تدور حول المجتمعات والثقافات والشعوب الأفريقية على أنها علامات على أمور أخرى، أي تأويلها وفق رؤيته الخاصة كأفريقي.
اعتمدت على انتقاء وقائع تاريخية لتعزيز فكرته عن الذاكرة الأفريقية، وربطها بالتحرر الأكاديمي في كتابة تاريخ أفريقيا منذ منتصف القرن الماضي، مما أثار انتقادات منهجية وجيهة في بعض جوانبها لمنجزه كمؤرخ
يواصل موديمبي طرح فكرته بأنه يميل لاستنطاق شكليات هذه الخطابات أو أهميتها أو استراتيجياتها كوسيلة لفهم نوع المعرفة التي تقصدها. ويشير في جملة بالغة الخطورة إلى أن عمله لا يستهدف تناول القضايا الكلاسيكية التي تطرحها الأنثروبولوجيا أو التاريخ الأفريقيين "واللذان قد يعكسان أو لا يعكسان حقيقة أفريقية موضوعية"؛ لكنه يتطلع مباشرة للنتائج، أو على وجه الدقة ما الذي يجعلها محتملة أو ممكنة، قبل قبولها كتعليق على ظهور تجربة أفريقية أو استعادتها.
وفي استعارة لا تخفى لأسلوب فوكو وإسهامه في الكتابة التاريخية، يؤكد موديمبي محاولته، في كتابه "اختراع أفريقيا"، طرح نوعا من أركيولوجية الغنوصية الأفريقية كنظام للمعرفة، ثارت فيه قضايا فلسفية رئيسة: من قبيل ما يتعلق بشكل ومضمون وأسلوب "أفرقة" المعرفة؛ ووضع نظم الفكر (الأفريقية) التقليدية وعلاقتها المحتملة بنوع المعرفة المعياري أو السائد (الغربي في الغالب).
وبغض النظر عن تشابكات مشروع موديمبي بأكمله ونتاج أفكار فوكو الثورية في نقد هيمنة المعرفة الغربية على كتابة تاريخ العالم وسرده؛ على الأقل من الناحية المنهجية، فإن موديمبي قدم في اختراع أفريقيا تفكيكًا أفريقيًا بامتياز للقوة والهيمنة الابستمولوجية الغربية كأداة لترسيخ القوة الاجتماعية والسياسية والتي أنتجت سياسة وخطابات الآخر وأيديولوجيات الغيرية، والتي تسربت بوعي أو بدونه داخل فكر النخب الأفريقية، كما صورتها حركات مثل الزنوجة والشخصية السوداء والفلسفة الأفريقية. ونجح موديمبي، حسب تحليل رائد طرحه د. أ. ماسولو D. A. Masolo في مقال دقيق حول "أركيولوجية المعرفة الأفريقية: مناقشة لموديمبي" (1991Callaloo, Autumn )، في تقديم أمثلة نادرة في تحليل الخطاب الديالكتيكي والسببية بين الذات والآخر- أو خطاب الهوية الديالكتيكي، أسهمت في نقد التصور الغربي، والأفريقي التابع له بشكل كبير، على حد السواء، وهو إسهام كبير لموديمبي، يستحق عناية أكبر في واقع الأمر لتطويره وإعادة ضبط أسسه التاريخية بشكل أكثر منهجية.
جنح موديمبي، كما أغلب أقرانه الأفارقة المعنيون بإعادة كتابة تاريخ أفريقيا بمنأى عن المركزية الأوروبية "الكولونيالية"، إلى دراسة صلة القارة بالعالم في العصور الكلاسيكية اليونانية على وجه التحديد. وقدم قراءات مهمة في هذا الصدد تضمنت نقدًا للكتابة التاريخية نفسها، كما في مقاله الهام والمثير للجدل بعنوان "هيرودوت الكذاب"، وتبنى فيه نقد المؤرخ بلوتارخ للأول.
حرص موديمبي على التوصل لخلاصات فريدة، أو شاذة ربما، وسهى إلى الفكاك من أسر المركزية الأوروبية أيديولوجيًا ومنهجيًا، حتى لو بتأثيراتها العكسية (بمعنى بناء مركزية أفريقية بنفس عوار أفكار المركزية الأوروبية، لكن على طرف نقيض)
في مقال ثان بعنوان "متى اُكتشفت غرب أفريقيا"، نشر ضمن مجموعة دراسات لموديمبي بعنوان (The Mudimbe Reader- Virginia, 2016)، وردت ملاحظة مهمة للغاية في سياق مناقشته لرحلة نخاو الثاني (الملك المصري الذي كلف طاقمًا من البحارة الفينيقيين) للدوران حول أفريقيا انطلاقًا من القلزم السويس والعودة لمصر عن طريق مضيق جبل طارق في القرن السادس قبل الميلاد. فقد علق موديمبي على مرور الرحلة بأعمدة هرقل (صفحة 144) بأن المقصود بهذا الموضع هو رأس الرجاء الصالح (في جملة اعتراضية)، وليس مضيق جبل طارق كما ورد في تسمية الرومان له.
يبدو من قراءة موديمبي المختصرة لتاريخ كشف غرب أفريقيا قبل القرن الخامس عشر، وفي سياق نقده للكتابة التاريخية الأفريقية المتأثرة بالتقسيم الغربي التقليدي لتاريخ القارة، تعويله في المقام الأول على محاولات سابقة لتتبع ذكر الأفارقة في النصوص اليونانية الكلاسيكية، ثم نقدها وتحليلها، وربما التوصل منها لخلاصات هشة خاضعة في المقام الأول لفكرة تفكيك التاريخ وإعادة إنتاج المعرفة لديه.
كان لدى موديمبي ولعٌ بالنصوص اليونانية فإنه احتفى، بشكل واضح في بحثه، بالعالم الفرنسي آلان بورجوا A. Boureois ومؤلفه La Grèce antique devant la négritude (1971)، ونقل عنه فقرات كاملة بالفرنسية مترجمة إلى الإنجليزية، ومنها فقرة ختامية: "إنه لمدعاة للراحة رؤية اليونانيين، على نقيض الكثير من الأمم التي اهتمت بأفريقيا فقط من أجل ثرواتها في الذهب والعاج والأيدي العاملة، ينظرون للزنوج قبل ألفي عام بصفتهم كائنات بشرية، بإعجاب وأخوة".
يتضح، كملاحظة أولية هنا، حرص موديمبي على التوصل لخلاصات فريدة، أو شاذة ربما، بغض النظر عن الأسس التاريخية، مثل الإشارة لأعمدة هرقل بأنها مضيق جبل طارق، وكذلك عدم قدرته، كما حال أفارقة كُثر في واقع الأمر منذ كتابات ويلموت بلايدن في منتصف القرن التاسع عشر وغيره من رواد "الأفريقانية"، على الفكاك من أسر المركزية الأوروبية أيديولوجيًا ومنهجيًا، حتى لو بتأثيراتها العكسية (بمعنى بناء مركزية أفريقية بنفس عوار أفكار المركزية الأوروبية، لكن على طرف نقيض).
بأي حال، فقدت أفريقيا، بوفاة فالنتين موديمبي، واحدًا من رواد فلسفة القارة الأفريقية وتاريخها. ولئن كانت الخسارة فادحة فإن إرثه وسجالاته الفكرية التي لا تزال مفتوحة على نقاشات أكبر، تمثل قيمة مضافة ومستدامة للأجيال الشابة من الباحثين والدارسين الأفارقة، الذين يسعون للاشتباك مع قضايا القارة التاريخية والفلسفية لتعزيز مستقبلها، وبناء رؤية أوضح لدى جموع أبنائها.