الخميس 22 يناير 2026
إن قضاءً نزيهاً ومحايداً ومستقلاً هو العمود الفقري لأي مجتمع ديمقراطي، وأحد الأعمدة المركزية لبناء دولة فعّالة وقابلة للاستمرار. فعندما تلتزم المحاكم بسيادة القانون، تحمي حقوق الأفراد، وتقيّد تعسّف السلطة، وتضمن تدبير العدالة على نحو عادل وشفّاف. أمّا حين يغيب هذا الركن، فإن أكثر الدساتير إحكاماً وأمتن المؤسسات السياسية تعجز عن أداء وظيفتها، حيث تفقد القوانين قوّتها الإلزامية، وتتحوّل الحقوق إلى شعارات رمزية، ويتآكل رصيد الثقة العامة بالدولة ومؤسساتها. في الدول الناشئة أو تلك التي تمرّ بمرحلة انتقال سياسي، يُعدّ وجود جهاز قضائي كفء حجر الأساس الذي تُبنى عليه شرعية الحكم، واستدامة السلم الأهلي.
أصبح القضاء في صوماليلاند، خلال السنوات الأخيرة، محوراً لقلق متزايد في أوساط الرأي العام. فعلى مدى العقد الماضي برزت أسئلة جدية حول استقلال المحاكم، ومستوى احترافيتها، وسلامة بنيتها الأخلاقية والمؤسسية. وقد تعاملتُ شخصياً مع المنظومة القضائية في صوماليلاند لما يقارب أربعة عشر عاماً. لا أسرد هنا تفاصيل تجربتي الخاصة، ولا محاولة إعادة فتح ملفات قضايا بعينها؛ إنما هو حصيلة تأملات واستنتاجات مبنية على احتكاك مباشر وطويل المدى، وضعني في الصف الأمامي لمشاهدة كيفية عمل النظام القضائي في الواقع، لا كما يُفترض أن يعمل على الورق.
مع استعداد وزارة العدل لعقد مؤتمر وطني في الثاني من ديسمبر/كانون الثاني لمناقشة إصلاح القضاء، أرى أنه من الضروري أن يسمَع إلى الأصوات من داخل المنظومة؛ سواء أصوات المشتغلين بالقانون أو المواطنين العاديين الذين أمضوا سنوات في دهاليز المحاكم. فهؤلاء الذين تكرّر تعاملهم مع القضاء يمتلكون رؤى يصعب التقاطها من الخارج، وهي ضرورية لأي جهد إصلاحي حقيقي.
ما أورده ملاحظات مواطن مهموم بالشأن العام، عاش التجربة من الداخل، ويشعر بمسؤولية أخلاقية تجاه مشاركتها. وأترك للقارئ أن يقيّم هذه الملاحظات كما يشاء، وأن يستخلص منها ما يراه من استنتاجات. غايتي أن أتحدّث بصراحة، بلا خوف ولا مجاملة، عن أبرز أوجه الخلل في القضاء، وعن الإصلاحات العاجلة التي يتطلّبها بناء نظام عدالة جدير بالثقة، قائم على المبادئ، لا يخشى في الحق لومة لائم.
تطوّر الإطار القانوني في صوماليلاند عبر تفاعل معقّد بين الأعراف القبلية والقانون الإسلامي والقوانين الوضعية. فقبل الحقبة الاستعمارية كان المجتمع يعتمد أساساً على «القانون العرفي»، وهي منظومة مجتمعية تقليدية لتسوية النزاعات، أثبتت في ذلك الزمن فاعلية عملية تفوقت – في مجالات عديدة – على تطبيق الشريعة الإسلامية في صورتها المؤسسية الرسمية. وحتى بعد امتزاج العرف بالمبادئ الإسلامية، ظلّ هذا النظام المرجعية الأكثر حضوراً في الواقع اليومي للناس.
دخل القانون الوضعي إلى البلاد مع مجيء الاستعمار البريطاني، وجرى دمجه تدريجياً في الممارسات القانونية القائمة، فنتج عن ذلك نظام مركّب يجمع بين أكثر من مرجعية. اليوم، يستند النظام القانوني في صوماليلاند إلى ثلاثة مصادر رئيسة: القانون المدني والشريعة الإسلامية والقانون العرفي.
في نموذج إصلاحي متماسك، يجب أن تُقبل الطعون فقط إذا استندت إلى حجج قانونية جدّية، مدعومة بأدلة، ومطابقة لمعايير واضحة. هكذا يكون على محاكم الاستئناف أن تراجع أولاً عريضة الطعن، والمذكرات المكتوبة من الطرفين، وسجلّ المحكمة الأدنى، بما فيه من محاضر الجلسات وأسباب الحكم، لتقرر ما إذا كان الاستئناف يستحق الانتقال إلى مرحلة النظر الموضوعي أم لا
تتداخل هذه المصادر في تنظيم مجالات متعددة من القضايا المدنية والجنائية، وتحتل الشريعة الإسلامية موقعاً مركزياً في الدستور والإجراءات القانونية، بما يعكس الطابع الإسلامي الغالب للمجتمع. ويُنظر، في أغلب الحالات، إلى أي تشريع يتعارض مع مبادئ الشريعة باعتباره تشريعاً «غير مشروع». كما تستمر محاكم غير رسمية تستند إلى الفقه الإسلامي في الفصل في قضايا الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وميراث وغيرها.
مع ذلك، فإن البنية القانونية الرسمية لصوماليلاند تستند بدرجة كبيرة إلى تقاليد «القانون العام» الإنجليزي، الذي يشكل امتداداً لإرث الإدارة البريطانية في المنطقة. ويمكن تتبّع جذور هذا القانون إلى الوثيقة الشهيرة «الماغنا كارتا» الصادرة عام 1215، وهي ميثاق ملكي أصدره الملك جون ملك إنجلترا. وقد أرست تلك الوثيقة مبدأ قانونياً ثورياً في زمانها، مؤدّاه أن جميع الأشخاص – بمن فيهم الملك نفسه – يخضعون للقانون. هذا المبدأ هو الذي تطوّر لاحقاً إلى ما نعرفه اليوم باسم «سيادة القانون».
بهذا المعنى، فإن الإطار القانوني في صوماليلاند يحمل تراكماً تاريخياً متعدد الطبقات، لكن المشكلة ليست في النصوص وحدها، بل في كيفية عمل المؤسسات التي تطبّقها، وفي الثقافة القضائية التي تحكم أداء القضاة والمحامين على حدّ سواء.
يتكوّن الهرم القضائي في صوماليلاند من المستويات الآتية: محكمة المقاطعة (District Court)؛ والمحكمة الإقليمية (Regional Court)؛ ومحكمة الاستئناف (Appeal Court)؛ والمحكمة العليا (Supreme Court)؛ ومراجعة الأحكام / تجميد الأحكام (Review Judgment / Block Judgment).
إن المحكمة العليا تؤخّر إصدار الأحكام عن عمد، إلى حدّ أنها تُرهق المتقاضين وتدفعهم عملياً إلى الاستسلام أو القبول بتسويات قسرية. هذا ليس عدلاً، بل هو «إحباط مؤسسي» مُقنّن
وقد أُدخلت آليتا «مراجعة الحكم» و«تجميد الحكم» خلال فترة ولاية رئيس المحكمة العليا القاضي عدن حاجي علي، وكان الهدف المعلن منهما إتاحة فرصة إضافية لمراجعة بعض أحكام المحكمة العليا. غير أن هذه الإضافة تصطدم مباشرة بنصّ الدستور، الذي يعتبر أن المحكمة العليا هي أعلى سلطة قضائية في البلاد، وأن أحكامها نهائية غير قابلة للطعن.
نظريا، يفترض أن يضمن هذا الهرم القضائي تدرّجاً منطقيّاً في النظر في القضايا: من المحكمة الأدنى إلى الاستئناف ثم المحكمة العليا في القضايا ذات الأهمية الخاصة، أو التي تنطوي على إشكالات قانونية كبرى. غير أن ما يحدث عملياً في الواقع يكاد يكون العكس تماماً.
الإجابة المباشرة التي أخلص إليها بعد سنوات من المتابعة هي أن محاكمنا نادراً ما تصدر أحكاماً نهائية باتّة. فبقدور المتقاضين استئناف أي قرار تقريباً، وفي أي مرحلة، من دون إلزام بتقديم أدلة جديدة أو إثبات وقوع خطأ قضائي. القضاة – في معظم الأحيان – لا يرفضون الطعون ولا يضعون لها سقفاً أو معايير، والنظام نفسه يشجّع هذا التصعيد المتواصل. لتكون النتيجة منظومة قضائية أشبه بلعبة؛ "دوّامة تدور بلا توقف".
أورد هنا مثالاً عن قضية تابعتها شخصياً قصد بيان حجم الخلل، فقد توفي رجل وترك زوجتين. قبل وفاته اشترى سيارة مستعملة من نوع «سوزوكي» بنحو ثلاثة آلاف دولار، وسجّلها رسمياً باسم زوجته الثانية. بعد وفاته، رفع الابن من الزوجة الأولى دعوى ضد زوجة أبيه، مطالباً بملكية السيارة.
على الرغم من وضوح المستندات التي تثبت ملكية الزوجة الثانية، طافت هذه القضية البسيطة جميع درجات السلم القضائي. فقد حكمت محكمة المقاطعة لصالح الزوجة الثانية، ثم أيّدت المحكمة الإقليمية الحكم ذاته. بعدها انتقلت القضية إلى محكمة الاستئناف فكرّرت النتيجة نفسها، وفي خطوة تكاد تكون غير معقولة، أيدت المحكمة العليا الحكم أيضاً. سواء حاول الابن بعد ذلك طلب المراجعة أم لا، فالمغزى أن نزاعاً محدود القيمة حول سيارة مستعملة كان ينبغي أن يُحسم عند مستوى المحكمة الإقليمية، استنزف ما لا يقل عن عام، وربما عامين كاملين من وقت القضاء وموارده. ومن غير المقبول عقلاً أن تصل قضية بهذه البساطة إلى أعلى سلطة قضائية في البلاد.
في صوماليلاند تسير الأمور في الاتجاه المعاكس، فالطعون تواصل صعودها في السلم القضائي حتى في أبسط القضايا، ما يرهق المحاكم، ويُضعف مكانة الدرجات الأدنى. وعندما تُضطر المحكمة العليا إلى قضاء وقتها في قضايا كان ينبغي حسمها منذ المراحل الأولى، تعجز عن أداء دورها الجوهري في توحيد تفسير القانون، ووضع المعايير الوطنية
لا تتمتّع محاكم صوماليلاند اليوم بالهيبة التي ينبغي أن يتحلّى بها جهاز العدالة. فكل مواطن يطرق أبواب القضاء طلباً للإنصاف والحياد، ويزور محاكم المقاطعات أو الأقاليم أو الاستئناف أو المحكمة العليا في يوم عمل اعتيادي، سيرى بأمّ عينه الأعداد الكبيرة من الناس المنتظرين في قاعات الانتظار وممرات المحاكم؛ مواطنين يتطلعون إلى يوم يسمعون فيه كلمة الفصل في قضاياهم.
ومع ذلك، يتّضح – من خلال التجربة – أن المحكمة العليا تؤخّر إصدار الأحكام عن عمد، إلى حدّ أنها تُرهق المتقاضين وتدفعهم عملياً إلى الاستسلام أو القبول بتسويات قسرية. هذا ليس عدلاً، بل هو «إحباط مؤسسي» مُقنّن. لقد أقسم رئيس المحكمة العليا، شأنه شأن كل قاضٍ، على أن يحكم بالعدل «دون خوف أو محاباة»، لكن نمط التأجيلات المزمنة السائد حالياً يفرغ هذا القسم من مضمونه.
كثيراً ما يُطرح سؤال: كيف تحدث هذه التأخيرات عملياً؟ تُنظر قضايا المحكمة العليا عادة أمام هيئة مكوّنة من خمسة قضاة. وبعد انتهاء الجلسات، يفترض أن يجتمع الرئيس بزملائه لمناقشة القضية والوصول إلى حكم، بحيث يكون لكل قاضٍ صوت متساوٍ في القرار النهائي.
لكن ما عاينته بنفسي هو وجود قضايا لم يدعُ فيها رئيس الهيئة إلى أي اجتماع للمداولة، ليس لأشهر بل لسنوات. ما زال أصحاب هذه القضايا ينتظرون أحكاماً لم تصدر. وخلال تلك الفترة لا يتدخّل بقية القضاة، ولا يطالبون الرئيس بتحريك الملفات أو دفعها نحو الحسم. التفسير الوحيد الذي أستطيع تصوّره هو أن القضاة يخشون أن يُتَّهموا بأن لهم «مصلحة شخصية» إذا ألحّوا على تسريع البتّ في القضايا. هذا الخوف شلّ إرادة الجهاز القضائي، وأدخله في حالة جمود مزمنة.
لن تتوقف دوّامة الاستئناف في صوماليلاند ما لم يخضع النظام لإصلاح حقيقي، فالمطلوب ليس تجميل السطح، بل إعادة تصميم شاملة لآلية الطعن برمّتها. فالممارسة الحالية، التي تُعامل الاستئناف كحق تلقائي بغضّ النظر عن الأسس القانونية، ينبغي أن تُلغى أو تُقيَّد بصرامة.
في نموذج إصلاحي متماسك، يجب أن تُقبل الطعون فقط إذا استندت إلى حجج قانونية جدّية، مدعومة بأدلة، ومطابقة لمعايير واضحة. هكذا يكون على محاكم الاستئناف أن تراجع أولاً عريضة الطعن، والمذكرات المكتوبة من الطرفين، وسجلّ المحكمة الأدنى، بما فيه من محاضر الجلسات وأسباب الحكم، ثم تقرر – بعد هذا الفحص الأولي – ما إذا كان الاستئناف يستحق الانتقال إلى مرحلة النظر الموضوعي أم لا.
عندئذ يمكن لمحكمة الاستئناف أن تنتهي إلى واحد من ثلاثة مسارات واضحة: أولا؛ تأييد الحكم الصادر عن المحكمة الأدنى، وبذلك يصبح نهائياً واجب النفاذ. ثانيا؛ نقض الحكم إذا ثبت أن المحكمة السابقة ارتكبت خطأ قانونياً أو إجرائياً جوهرياً. ثالثا؛ إعادة القضية إلى محكمة الموضوع لإجراء مزيد من التحقيق أو استكمال الوقائع، عندما يكون الملف بحاجة إلى توضيحات إضافية.
هكذا تعمل الأنظمة القضائية الفاعلة في العالم، فتحافظ على الكفاءة الإجرائية من جهة، وعلى الثقة العامة في العدالة من جهة أخرى. في معظم البلدان، لا تنظر المحكمة العليا إلا عدداً محدوداً جداً من القضايا كل عام، لأن أحكامها تُنشئ سوابق ملزمة تشكّل مرجعاً للقضاء كلّه لسنوات طويلة. لذلك يُحال على المحكمة العليا فقط ما كان من القضايا متعلّقاً بمسائل دستورية أو قانونية كبرى، أو بقضايا ذات أهمية وطنية واسعة. وظيفة المحكمة العليا ليست إدارة النزاعات اليومية الروتينية، بل حسم الأسئلة القانونية الكبرى التي تمسّ بنية النظام كله.
في صوماليلاند تسير الأمور– للأسف – في الاتجاه المعاكس، فالطعون تواصل صعودها في السلم القضائي حتى في أبسط القضايا، ما يرهق المحاكم، ويُضعف مكانة الدرجات الأدنى. وعندما تُضطر المحكمة العليا إلى قضاء وقتها في قضايا كان ينبغي حسمها منذ المراحل الأولى، تعجز عن أداء دورها الجوهري في توحيد تفسير القانون، ووضع المعايير الوطنية. وفي غياب سوابق قضائية واضحة، تصدر المحاكم الدنيا أحكاماً متناقضة، ما يزعزع يقين المتقاضين، وتستمر القضايا في الترحال بين الدرجات لسنوات. عندها يغدو «العدل» شيئاً يمكن إطالة أمده والتلاعب به، بدلاً من أن يكون خدمة تُقدَّم بسرعة وبإنصاف.
هذه المشكلات ليست حوادث عابرة، بل انعكاسا لاختلالات أعمق في بنية القضاء وإدارته. إن تسليط الضوء على «دوّامة الاستئناف» ليس سوى كشفا لأحد أكثر العيوب تدميراً في النظام الحالي. لقد ركّزت اهتمامي، في هذه المرحلة، على آليات العمل والتصميم المؤسسي أكثر من الانشغال بالتفاصيل الفنية للنصوص القانونية. بإمكان المحامين والباحثين في القانون مناقشة الجوانب النظرية والفقهية، لكن الجمهور العادي يرى بوضوح – كما رأيت بنفسي عبر سنوات طويلة – أن الفساد يمسّ القضاة والمحامين معاً، وأن التأجيلات صارت قاعدة لا استثناء، وأن النظام في صورته الراهنة يفشل في أداء رسالته الأساسية: خدمة الناس وإحقاق الحق.
صوماليلاند في حاجة إلى مواجهة صادقة مع نفسها، وإلى اعتراف شجاع بأن منظومتها القضائية لا تقوم بالدور الذي وُجدت من أجله. ومن دون التزام سياسي ومؤسسي جاد بإعادة بناء نظام عدالة فعّال ومستقل، يتمتّع بالكفاءة والاحترام، سيظل المواطن يدور في حلقة مفرغة، وسيبقى القضاء – الذي يفترض أن يكون ملاذه الأخير – جزءاً من المشكلة لا مدخلاً إلى الحل.