الأحد 15 فبراير 2026
بحضور لافت من سياسيين ووجهاء وممثلين عن منظمات المجتمع المدني، و بتغطية إعلامية واسعة، اختُتم مساء يوم 20 من الشهر الجاري مؤتمر كسمايو للمعارضة، الذي نظّمه ما يُعرف بـ«مجلس مستقبل الصومال» المُعلن عن تأسيسه مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ويضم قيادتي ولايتي بونتلاند وجوبالاند، إلى جانب أعضاء «منتدى الإنقاذ» المعارض الذي يتخذ من مقديشو مقرا له. شهد المؤتمر، الذي استمر ثلاثة أيام، انعقاد جلسات مغلقة خُصصت لاجتماعات أعضاء المجلس، إلى جانب جلسات مفتوحة ألقى خلالها القادة وعدد من المشاركين كلمات تناولت القضايا السياسية الراهنة في البلاد.
جاء انعقاد المؤتمر، الذي تأجل عدة مرات لأسباب سياسية وفنية، في سياق البحث عن خارطة طريق مشتركة بين أطراف المجلس لمواجهة سياسات الرئيس حسن شيخ محمود، ومنع المضي قدمًا في خطته الانتخابية الأحادية المتعلقة بالاستحقاقات المقبلة، إلى جانب استكمال الهيكل الإداري للمجلس لتعزيز فاعلية دوره، وجعله كيانًا منافسًا للحكومة الفيدرالية في المشهد السياسي.
يرصد هذا التقرير مطالب المعارضة التي خرج بها المؤتمر، وفرص استجابة الرئيس لها، مع مناقشة الخيارات البديلة المتاحة أمامه، إضافة إلى الدور الخارجي المحتمل وتأثيره في مسار الأزمة السياسية.
أمهل المؤتمر، في بيان ختامي أصدره، الرئيس حسن شيخ محمود مدة شهر واحد، تنتهي في 20 يناير/كانون الأول القادم، لدعوة جميع القوى السياسية المعنية في البلاد للدخول في مفاوضات تهدف إلى التوصل إلى اتفاق حول آلية إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة، مشددا على أنه في حال تجاهل هذه الدعوة، فإن المجلس سيتخذ الإجراءات اللازمة للشروع في تنظيم انتخابات موازية لتلك التي تخطط لها الحكومة الفيدرالية.
في هذا السياق أعرب المؤتمر عن استعداده للدخول في حوار مع الرئيس حول آلية انتخابية متوافق عليها، شفافة، وأكثر تطورا وشمولية من انتخابات عام 2022، على أن تُجرى في موعدها الدستوري المحدد، مؤكدا أن المرجعية الدستورية الوحيدة التي يعترف بها هي الدستور المؤقت لعام 2012، وأن أي تعديل أُجري عليه بشكل أحادي يُعد باطلا ولاغيا وفق رؤية المجلس.
توعّد أعضاءالمجلس بتنفيذ ما ورد في البيان الختامي، مؤكدين أنه في حال عدم استجابة الرئيس للدعوة، يتجه المجلس مباشرة إلى تفعيل «الخطة البديلة» المتمثلة في الشروع بترتيبات تشكيل إدارة موازية في البلاد، ويبدو أن هذا الموقف جاء في محاولة لنفي بعض الانتقادات الموجهة إليهم، والتي ترى أن نشاط المعارضة لا يتجاوز الخطابات والبيانات، وأنها تفتقر إلى أي استعداد للدخول في مفاوضات، كما لا تمتلك خطة انتخابية بديلة عن تلك التي يتبناها الرئيس.
من هذه الزاوية، يمكن الاعتبار أن المؤتمر حقق نجاحا نسبيا على صعيد القرارات الصادرة عنه، إذ وضع الرئيس حسن شيخ محمود أمام اختبار حاسم؛ إمّا الاستجابة لمطالب المعارضة والدخول في مسار توافقي، أو المضي نحو التصعيد والمواجهة. لكن هذا النجاح ظل منقوصا، بعدما أخفق المؤتمر في استكمال الترتيبات البنيوية والتنظيمية، إذ فشل في اختيار زعيم للمجلس وتشكيل الطاقم الإداري، نتيجة الخلافات والتجاذبات السياسية التي شهدتها جلساته المغلقة، الأمر الذي انتهى بالإبقاء على اللجنة الفنية المكلّفة بالتحضير للمؤتمر لتتولى مؤقتا تنسيق أعمال المجلس وإدارة شؤونه.
تتراجع قدرة الرئيس حسن شيخ محمود على المناورة وشراء الوقت، في ظل تآكل شرعيته السياسية مع اقتراب انتهاء ولايته الرئاسية، التي لم يتبق منها سوى نحو أربعة أشهر ونصف
أضعف هذا الفشل التوقعات بشأن جدوى القرارات والمطالب الصادرة عن المجلس، إذ كشف عن ضعف الثقة بين أعضائه، وغياب أي قاسم مشترك بينهم سوى هدف الإطاحة بالرئيس حسن شيخ محمود، مما يثير تساؤلات حول إمكانية المراهنة على المجلس، نظرا للخلل الواضح في التنسيق والعمل المشترك بين أعضائه. يُعزى فقدان الثقة بين أعضاء المجلس إلى انعكاسات ما شهده ما يُعرف بـ«مجلس الإنقاذ الوطني» عام 2021، الذي خاض مواجهات سياسية وعسكرية مع حكومة فرماجو، حيث كان محمود أحد أبرز أعضائه، لكن مع وصوله إلى الرئاسة، عمِل محمود على إقصاء رفقائه، ما دفعهم إلى إعادة إنتاج معارضتهم بنفس الوجوه والمنصات.
عموما، يمكن القول إن المعارضة في هذه المرة تجاوزت الاتهامات الموجهة إليها بعدم امتلاك رؤية واضحة للانتخابات، توازي تلك التي تتبناها الحكومة الفيدرالية، إذ شددت على انفتاحها على الحوار مع الرئيس حسن شيخ محمود لمناقشة سبل التوصل إلى آلية انتخابية توافقية، من دون السعي إلى فرض أفكار محددة مسبقًا، وهو ما عكس أن مؤتمر كسمايو شكّل للمعارضة فرصة لإعادة إنتاج دورها في معادلة اتخاذ القرار، من خلال الانتقال من مربع الاعتراض البحت إلى محاولة فرض معادلة ضغط واضحة ومباشرة على الرئيس.
قد يبدو سابقا لأوانه، لكن الرئيس حسن شيخ محمود بدا راغبا في التعاطي الإيجابي مع دعوة المعارضة، إذ أكد في خطاب ألقاه أمام تجمع لأنصار حزبه في 23 ديسمبر /كانون الأول الجاري استعداد حكومته للموافقة على دعوة الحوار الصادرة عن مؤتمر المعارضة في كسمايو، مشيرًا إلى أن الحكومة ستصدر لاحقًا ردًا رسميًا بهذا الشأن. لكنه في المقابل، شدد على رفض العودة إلى ما وصفه بالأفكار التي أُديرت من خلالها البلاد على مدى العقدين الماضيين، في إشارة فُهم منها أنه لن يقبل، في أي حوار محتمل، بأي مسار يعيد اعتماد نظام الانتخابات غير المباشرة التي استُخدم في الاستحقاقات السابقة.
واقعيا، تتراجع قدرة الرئيس حسن شيخ محمود على المناورة وشراء الوقت في ظل تآكل شرعيته السياسية مع اقتراب انتهاء ولايته الرئاسية، التي لم يتبق منها سوى نحو أربعة أشهر ونصف، ما يضعه تحت ضغوط متزايدة لاتخاذ خطوات حقيقية لمعالجة الأزمة الراهنة، وفي مقدمتها ملف الانتخابات. في هذا السياق، يجد الرئيس نفسه أمام خيارين؛ إما الاستجابة للدعوة وقيادة مبادرة حوار سياسي جاد تُفضي إلى التوافق على آلية انتخابية مشتركة، أو الاستمرار في التمسك بخطته الانتخابية الحالية، مع محاولة كسب الوقت رغم محدودية فرص نجاح هذا الخيار.
كشف المؤتمر عن ضعف الثقة بين أعضائه، وغياب أي قاسم مشترك بينهم سوى هدف الإطاحة بالرئيس حسن شيخ محمود، مما يثير تساؤلات حول إمكانية المراهنة على المجلس، نظرا للخلل الواضح في التنسيق والعمل المشترك بين أعضائه
يرجح أن يسعى الرئيس محمود، عبر المفاوضات المحتملة، إلى التخلي عن خطته الانتخابية الحالية، والموافقة على بحث خيار بديل، يحظى بتوافق الأطراف المعنية، مقابل منحه تمديدًا لفترة تتراوح بين عام وعامين، بحجة أن تنفيذ أي خطة بديلة يتطلب وقتًا، غير أن المعارضة لا تبدو مستعدة لتقديم تنازلات من هذا النوع بسهولة.
في فترات الحكومات السابقة، شهدت البلاد تمديدات فُرضت بذريعة الحاجة إلى التوافق، إذ حصلت الحكومة الانتقالية في الفترة بين 2009 و2012، بقيادة الرئيس السابق شريف شيخ أحمد، على تمديد نحو عام ونصف، بينما مُنحت الولاية الأولى للرئيس حسن شيخ محمود بين 2012 و2017 تمديدًا بنحو ستة أشهر، في حين حصل الرئيس السابق محمد عبد الله فرماجو على تمديد تجاوز العام.
وبالنظر إلى هذه السوابق، تبرز إشكالية جوهرية تتعلق بطبيعة الحوار وحدوده ونقطة انطلاقه، في ظل رفض الحكومة الفيدرالية الاعتراف بشرعية رئاسة أحمد محمد إسلام «مدوبي» لولاية جوبالاند، واستمرار القطيعة مع ولاية بونتلاند، رغم أن دعوة الحوار محددة بملف الانتخابات، وسعي المعارضة، ممثلة بـ«مجلس مستقبل الصومال»، للدخول في المفاوضات ككيان موحد لا كأطراف منفصلة، ما يطرح التساؤل حول كيفية تمكن الرئيس من التفاوض مع طرف لا يعترف بشرعيته السياسية، ولا سيما فيما يتعلق برئاسة ولاية جوبالاند.
في ظل غياب مؤسسات قضائية راسخة ومرجعيات سياسية أو مدنية قادرة على إدارة النزاعات واحتوائها، يبرز العامل الخارجي كقوة الحسم الأكثر حضورا في المشهد الصومالي، حيث تتصدر دول الجوار، وعلى رأسها كينيا وإثيوبيا، إلى جانب بعض الدول الغربية، واجهة إدارة الخلافات الداخلية، لتتحول عمليًا إلى مرجعية للفصل بين القوى الصومالية المتنازعة، في فراغ وطني واضح يعكس هشاشة آليات التسوية الداخلية.
يكرّس هذا الواقع التدخل الخارجي بوصفه الرهان شبه الوحيد الذي يعوّل عليه الشارع الصومالي، ولا سيما في المراحل السياسية الساخنة التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية. فمهما اختلفت السياقات السياسية، نادرا ما يغيب الدور الخارجي عن المشهد، غير أن فاعليته تتعاظم مع اقتراب نهاية الولايات الدستورية للحكومات، حين يتحول إلى العامل الأقدر على فرض تفاهمات بين الأطراف المتنازعة حول القضايا الخلافية، مستندًا إلى أدوات الضغط السياسي والتلويح بالعقوبات بحق من يُنظر إليه كمعرقل للتسويات أو مقوض على ما يتم التوصل إليه.
يعكس هذا الدور الخارجي المتنامي هشاشة البنية المؤسسية والقانونية في البلاد، وتعدد الإدارات ذات الصلاحيات غير المحددة، في مقابل ضعف السلطة المركزية التي كان يفترض أن تقود العملية السياسية، وتمتلك القرار السيادي، وهو ما جعل المشهد السياسي أكثر قابلية للارتهان للتدخلات الأجنبية.
مهما اختلفت السياقات السياسية، نادرا ما يغيب الدور الخارجي عن المشهد، غير أن فاعليته تتعاظم مع اقتراب نهاية الولايات الدستورية للحكومات
في هذا السياق، تشهد الساحة تحركات متوازية من جانب الرئيس حسن شيخ محمود من جهة، والمعارضة من جهة أخرى، في محاولة لاستقطاب الفاعلين الدوليين ودفعهم للانخراط في الأزمة السياسية الراهنة والمساهمة في احتوائها. فقد أجرى الرئيس حسن شيخ محمود زيارة خاطفة إلى إثيوبيا، تزامنت مع انعقاد مؤتمر كسمايو، التقى خلالها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، فيما يُتوقع أن يتوجه في الـ27 من الشهر الجاري إلى العاصمة الكينية نيروبي لعقد قمة ثلاثية مع آبي أحمد والرئيس الكيني ويليام روتو، تتصدر أجندتها الأوضاع السياسية في الصومال والدور المحتمل الذي يمكن أن تلعبه أديس أبابا ونيروبي، باعتبارهما من أكثر الدول تأثيراً في الشأن الداخلي الصومالي، ولا سيما في ما يتعلق بالولايات التي تشهد توتراً مع الحكومة الاتحادية.
وفي تطور موازٍ، التقى زعيم «منتدى الإنقاذ» المعارض، الشيخ شريف شيخ أحمد، في 24 من ديسمبر/كانون الأول الجاري بالعاصمة مقديشو، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصومال، جيمس سوان، لبحث سبل اضطلاع المكتب الأممي بدور أكثر فاعلية في تسوية الأزمة الحالية، لا سيما ما يتعلق بمسار العملية الانتخابية والاتجاه السياسي العام الذي تتجه نحوه البلاد.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو مآل الأزمة مرهونا بما ستؤول إليه مواقف الأطراف الخارجية، الإقليمية منها والدولية، بوصفها العامل الوحيد القادر على دفع الفرقاء نحو التسوية، وفرض معادلات للحل، ورعاية تنفيذ ما يتم التوصل إليه، وهو ما سيكشف عنه عامل الوقت، مع أن هذا الدور لا يخلو من تناقضات، إذ كثيرا ما تصطدم حسابات الربح والمصالح لتلك الدول بعضها ببعض، أو مع المصالح الصومالية ذاتها، بما يسهم أحيانا في تأجيج الأزمة أو إطالة أمدها، أو إنتاج تسويات تحمل آثارا سلبية على البلاد في المدى البعيد.