تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 18 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

دور النساء الأفريقيات في صنع السلام

3 مايو, 2025
الصورة
النساء الأفريقيات في صنع السلام
Share

وجد النساء الأفريقيات، مثلهن مثل سائر شعوب أفريقيا، أنفسهن في خضم حروب عصفت بالقارة فور تحريرها من المستعمر الأوروبي، فقد شهدت معظم هذه الدول في الحقبة التي تلت الاستعمار حروب أهلية، بسبب ممارسات الدول المستعمرة عليها، وكانت معظمها تعتمد على تفضيل فئة على فئة. لم يحاول المستعمر ربط شعوب أفريقيا بعضه ببعض، بل على العكس أساء إدارة التنوع الثقافي والإثني والعرقي لتحقيق مصالحه. هكذا ظلت الحروب تتوالد، وتعيد إنتاج نفسها بسبب نقص الإرادة الوطنية للقادة في تلك الدول لبناء بلدانها.

كانت المرأة الأفريقية خلال تلك الحروب في مقدمة من يدفعون الثمن، أضعاف ما يدفعه الرجل، فتاريخ انتهاكات الحرب على النساء في مختلف دول أفريقيا طويل ومخزي للغاية؛ من العنف الجنسي خلال الحرب والاتجار بهن في الأسواق إلى الحمل الإجباري واختطاف أطفالهن من قبل العساكر قصد التجنيد في المعارك ودفعهم للقتال.

هذا لا ينفي وجود نساء حملن السلاح جنبا إلى جنب مع رفاقهن، وهنالك من كن عاملات في ميادين الحرب كممرضات وطباخات وغير ذلك من الأعمال التي كانت تتم بصورة طوعية أو إجبارية، ومع هذا كله فقد كان حرص النساء في الدول التي شهدت حروبا في أفريقيا على تحقيق السلام شديدا جدا.

صحيح أن القارة الافريقية تمتاز بنظام قبلي أبوي وهرمي، ما ينعكس على تنظيم موازين القوة بين النساء والرجال، فالأدوار الاجتماعية الموجودة داخل هذا النظام لا تسمح للنساء بالمشاركة في إبداء آرائهن في شؤون القبيلة أو العشيرة، فكيف هو الحال في التدخل في السياسات والهيكل التنظيمي للدولة، فمعظم المجتمعات في  دول أفريقيا متمسكة بالعادات والتقاليد، ولم يكن من السهل على النساء فيها  تخطي العقبات التي كانت بطريقهن حتى تصلن إلى طاولة المفاوضات، وتنتصبن في مناصب قيادية، وتصير لهن القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية تخص الدولة.

نضال النساء من أجل السلام في ليبيريا 

"نريد السلام، لا مزيد من الحرب" كان هذا هو الشعار الذي استخدمه النساء في ليبيريا أيام نضالهن من أجل السلام، إبان الحرب الأهلية الثانية. كون النسوة الليبيريات تحالفات عدة من أجل وقف الحرب والاقتتال، ومن بين جميع المبادرات النسائية الليبيرية، كانت هناك ثلاث حركات نسائية تعتبر الأقوى، وهي: "مبادرة نساء ليبيريا" و"شبكة نساء اتحاد نهر مانو من أجل السلام" و"شبكة النساء في بناء السلام". كانت هذه الحركات الثلاث تعمل على المستويين المحلي والوطني والإقليمي، في الفترات الأولى للحرب الأهلية الثانية.

كانت المرأة الأفريقية خلال تلك الحروب في مقدمة من يدفعون الثمن، أضعاف ما يدفعه الرجل، فتاريخ انتهاكات الحرب على النساء في مختلف دول أفريقيا طويل ومخزي للغاية

من الناحية السياسية، فقد نجحت منظمة "المرأة من أجل السلام والأمن" في خلق أثر بليغ في مجريات عمليات السلام، التي شهدتها العاصمة الغانية أكرا عام 2003، حيث قامت ليما غبوي وزميلاتها بتنظيم النساء في سوق السمك، وتنفيذ اعتصامات يوميا لمدة ثلاثين يوما تقف فيها النساء مرتديات الأبيض، مع ربط شعرهن بقطعة قماش، وكن يرددن نريد السلام لا مزيد للحرب. 

كانت الحركة متنوعة وشاملة لنساء من مختلف الطبقات والأديان، واستطاعت إرسال وفد إلى غانا لمواصلة الضغط على الفصائل المتحاربة أثناء عملية السلام. ونظمت الكتلة اعتصاما خارج القصر الرئاسي، وكانت أعمالهن تلك سبباً للاتفاق خلال محادثات السلام المتوقفة آنذاك. ولاحقا ساعدت الحركة على تنصيب أول رئيسة للبلاد؛ إلين جونسون سيرليف التي أدت اليمين الدستورية عام 2006.
مُنحت السيدة إلين جونسون سيرليف جائزة إبراهيم للإنجاز في القيادة الأفريقية، والبالغة قيمتها خمسة ملايين دولار أمريكي. وأشادت مؤسسة مو إبراهيم لدى منحها الجائزة ب"القيادة التحويلية" التي مارستها جونسون سيرليف في بلد "دمرته وحطمته أربعة عشر عامًا من الحرب الأهلية". 

نشير إلى أن هذه هذه الجائزة، التي أسسها البريطاني من أصول سودانية الدكتور مو إبراهيم، تقرر أن تُمنح، وبشكل حصري، للقادة الأفارقة المنتخبين ديمقراطيًا الذين يغادرون مناصبهم طوعًا، بعد انتهاء ولايته الدستورية.

نساء يصنعن السلام جنوب السودان 

خاضت النساء في جنوب السودان بدورهن معركة من أجل السلام، وتدرجت عبر مراحل، يمكن تقسيم عملهن هناك إلى مرحلتين: 

مرحلة ما قبل الانفصال: وهي المرحلة التي تتشارك فيها نساء جنوب السودان التاريخ النضال والعمل النسائي، ومن أبرز تلك التعاونيات مبادرة "تمكين المرأة السودانية من أجل السلام" التي تأسست عام 1990. تذكر بلقيس بدري في ورقتها البحثية عن الكوتا (المحاصصة) وانعكاساتها على المشاركة السياسية للمرأة السودانية على أن المبادرة قادتها جمعية بابكر بكري بالشراكة مع السفارة الهولندية وقتها. 

كانت الحركة متنوعة وشاملة لنساء من مختلف الطبقات والأديان، واستطاعت إرسال وفد إلى غانا لمواصلة الضغط على الفصائل المتحاربة أثناء عملية السلام. ونظمت الكتل اعصاما خارج القصر الرئاسي، وكانت أعمالهن تلك سبباً للاتفاق خلال محادثات السلام المتوقفة آنذاك

وقد لعبت تلك المبادرة دورا مفصليا في عمليات سلام نيفاشا، حيث قامت المبادرة بإرسال نساء لحضور مجريات عملية الحوار من أجل السلام، في الوقت التي لم يكن هنالك سوى امرأة واحدة فقط، وقد كانت حاضرة ضمن وفد  الحركة الشعبية.

المرحلة ما بعد الحرب الأهلية في جنوب السودان: وقتها عمل النساء في المجتمع المدني وجميع القطاعات السياسية والمجتمعية لبناء السلام. تقول باليكي ايانق، مستشارة النوع الاجتماعي لمنطقة مينا في منظمة "العدالة الآن" (Equality now)، بأن النساء في  جنوب السودان لعبن دورًا محوريًا في عملية بناء السلام. وغالبًا في المساحات التي لا يتم الاعتراف بها أو تُقلل قيمتها. 

سياسيًا، استخدمت النساء مواقعهن في البرلمان والوزارات وطاولات التفاوض رغم محدوديتها للدفع نحو إدراج بنود تراعي النوع الاجتماعي في اتفاقيات السلام، مثل تخصيص نسبة 35٪ لتمثيل النساء في اتفاق السلام المُنشط (R-ARCSS). 

أما اجتماعيا فقد كانت النساء صانعات للسلام قبل أن يتم الاعتراف الرسمي بهن. ففي المجتمعات التي مزقتها الحروب، تعمل النساء وسيطات على الخطوط الأمامية، حيث يسعين إلى المصالحة بين العائلات، ويدافعن عن اللاعنف، ويعدن بناء النسيج الاجتماعي من خلال مبادرات في التعليم والصحة والدعم النفسي والاجتماعي.

تضيف المتحدثة بأن تأسيس "ائتلاف نساء جنوب السودان من أجل السلام" ومشاركتهن المباشرة في مفاوضات السلام في أديس أبابا يُعد إنجازًا غير مسبوق. ليس فقط على المستوى الرمزي بل على المستوى الفعلي، حيث تمكنّ من التأثير في بنود جوهرية من الاتفاق. 

أما على المستوى المجتمع المدني، فقد برزت جهود النساء في مجالات العدالة الانتقالية والتعافي المجتمعي، وهي مجالات غالبًا ما يتم تهميشها في الحوارات السياسية العليا، لكنها تبقى ضرورية وجوهرية في عملية تحقيق السلام المستدام.

المشاركة المحدودة للنساء

رغم وجود أمثلة لنساء استطعن الوصول والتأثير على عمليات السلام، إلا أن فرص مشاركتهن كانت محدودة. فهناك عقبات تواجهن، ومنها الظروف المادية، فقد كان العديد من النساء عاجزات عن الحضور الفعلي بسبب القيود المادية. 

يعدّ الحضور الفعلي لمجموعة متنوعة من النساء أمرًا حاسمًا لضمان إدراج أولويات النساء في اتفاقيات السلام. لكن مفاوضات السلام غالبًا ما تُعقد في أماكن يصعب الوصول إليها بالنسبة للناشطات، حيث كانت المشاركة فيها مقتصرة على الأطراف المتحاربة فقط.

تم قيود أخرى بنيوية عميقة ومتجذرة في قيم المجتمع، تقول باليكي في هذا الصدد بأن العقبات المتبقية هي عقبات هيكلية عميقة. إذ لا تزال الأعراف الذكورية تُعرّف القيادة واتخاذ القرار على أنهما حكر على الرجال، مما يهمش النساء سياسيًا واجتماعيًا. كما تحدّ المخاوف الأمنية، خاصة في مناطق النزاع، من قدرة النساء على الحركة والمشاركة. فضلا عن ذلك، تظل عملية السلام غالبًا محصورة في أوساط النخب والعسكريين، مما يهمش ليس النساء فقط، بل المجتمع المدني ككل.

يعدّ الحضور الفعلي لمجموعة متنوعة من النساء أمرًا حاسمًا لضمان إدراج أولويات النساء في اتفاقيات السلام. لكن مفاوضات السلام غالبًا ما تُعقد في أماكن يصعب الوصول إليها بالنسبة للناشطات

تطرح باليكي سبل حل تلك التحديات، عن طريقة المقاربة المزدوجة، مثل: إصلاحات قانونية وهيكلية لتطبيق الكوتا النسائية، وحماية المدافعات عن حقوق النساء، وتجريم العنف السياسي القائم على النوع الاجتماعي. كما تدعو إلى استثمار طويل الأمد في تغيير الأعراف الاجتماعية عبر التعليم، والحوار بين الأجيال، واستخدام الإعلام لإعادة تعريف القيادة، وبناء السلام كممارسات شاملة ومجتمعية. كما يجب أن يتحول تمويل المانحين من مشاريع قصيرة الأجل إلى دعم مرن ومستدام لحركات النساء.

تفصلنا أشهر قليلة عن الذكرى الخامس والعشرون لقرار 1325 لمجلس الأمن حول "المرأة والسلام"، الذي يضمن مشاركة النساء في العمليات السياسية وعمليات السلام، والذي يبقى من أبرز ما ساعد النساء في أفريقيا للحصول على حقوقهن، بمعية عدة اتفاقيات أممية أخرى. ومع ذلك لا تزال النساء في أفريقيا ككل، بشكل خاص، يقاتلن من أجل نيل مكانة سياسية أكثر احتراما، في ظل الحروب والنزاعات التي تواجه دول مثل السودان وجنوب السودان والكونغو لا يزال عمل النساء ومجهوداتهن ترى كعمل جانبي.