تُظهر المتابعة لحيثيات الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال أو صوماليلاند أن دافعها الرئيسي لا يقتصر على الاعتبارات الدبلوماسية الرمزية، بل يتمثل في الاستفادة من صوماليلاند، وتحويل موقعها الاستراتيجي المطل على خليج عدن وقربها من باب المندب واليمن إلى رصيد جيوسياسي وأمني، ويأتي في القلب من ذلك الحاجة إلى توسيع قدرتها على الرصد والمراقبة الأمنية لكافة التحركات في المنطقة؛ ومن ثم بناء قنوات استخباراتية ولوجستية لحمايتها وحماية مصالحها المتعلقة بحماية الملاحة البحرية في البحر الأحمر.
يمنحها هذا على المدى المنظور قدرات أكبر في الرصد والإنذار المبكر لأية تحركات أمنية وعسكرية في المنطقة، قد تشكل لها تهديدا. كما تسعى من خلال هذا الاعتراف أيضا إلى ترسيخ نفوذها في القرن الأفريقي وبنية البحر الأحمر، وخلق عمق استراتيجي وشبكة شركاء للتعامل مع التهديدات القادمة من اليمن والممرات البحرية بتكلفة أقل وزمن أسرع.
ستقابل هذه المكتسبات تكاليف باهظة تتمثل في ارتفاع احتمال الاستهداف الحوثي، وهو ما أكدته تصريحات قياداتها في هذا الصدد غير مرة، وكذا الرفض المعلن من حكومة مقديشو والمحيط العربي، وهو ما رفع من منسوب التوتر السياسي في المنطقة، وخاصة بعد نشوء التحالف السعودي التركي والباكستاني. وعلى هذا الأساس، لا يرجح أن تنشئ إسرائيل قاعدة عسكرية معلنة لما في ذلك من مخاطر عالية، والأرجح أن تقوم على نحو مباشر أو عبر حلفائها بمقاربات أكثر نعومة وقبولا، مثل الواجهات الاقتصادية والتكنولوجية والتعاون الدبلوماسي مع أرض الصومال.
إن القيمة الاستراتيجية لصوماليلاند تنبع من موقعها الجغرافي الاستراتيجي، فهي قريبة من مضيق باب المندب وكذلك اليمن في الضفة المقابلة لها. ويشكل ميناء بربرة كلمة السر للحالة الجيوسياسة للمنطقة، لما له من دور استراتيجي في حسابات حركة الملاحة البحرية والأمن الإقليمي. وعليه، تشكل المنطقة وأية شراكات معها سواء من بوابة الاعتراف أو الاتفاقيات التجارية والاقتصادية، وخاصة مع ميناء بربرة، معادلة استراتيجية ومفتاحية كبرى للتفاعلات والتدافع والاصطفافات في القرن الأفريقي والشرق الأوسط. لهذا لا يمكن قراءة اعتراف إسرائيل بصوماليلاند كعلاقة ثنائية معزولة. وإنما يمكن قراءتها كمقايضة جغرافية سياسية مع صوماليلاند تُمنح من خلالها إسرائيل فرصة إعادة التموضع الاستراتيجي، وصياغة جديدة لنفوذها وفرصة للتوسع الموزون لها في القرن الأفريقي والشرق الأوسط.
الدافع الأكثر حضورا وتكرارا في التصريحات السياسية، وفي الدراسات التي كتبت حول دوافع الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند، هو حاجة إسرائيل إلى أن يكون لها دور فاعل وحقيقي في تأمين طرق التجارة الدولية والملاحة البحرية. فلقد حولت هجمات الحوثيين طرق الملاحة البحرية إبان العدوان الإسرائيلي على غزة إلى ساحة حرب، وهذا التوسيع لساحات المواجهة من قبل الحوثيين أثر كثيرا على إسرائيل حيث رفع عليها تكلفة الحرب كثيرا وشتت من مجهودها الحربي، لذا فالتقارب مع صوماليلاند وعقد الاتفاقيات معها سيوفر منفذا لإسرائيل للتعاون الأمني في المراقبة البحرية وتبادل المعلومات عن أنماط التحركات الحوثية ومن يساندها.
لا يمكن قراءة اعتراف إسرائيل بصوماليلاند كعلاقة ثنائية معزولة، وإنما كمقايضة جغرافية سياسية تُمنح من خلالها إسرائيل فرصة إعادة التموضع الاستراتيجي وصياغة جديدة لنفوذها
سيمنح الوُجود الإسرائيلي في المنطقة قدرة لإدارة الصراع بفعالية أكبر، من خلال بناء شبكة مراقبة وتعاون في المنطقة لرصد من يتحرك وأين ومتى؟ كما أن تواجدها يقلص من فجوات المعلومات في بيئة معقدة تتداخل فيها السفن التجارية والجماعات المسلحة وشبكات التهريب والقراصنة، بالإضافة إلى القوات الإقليمية والدولية.
إذا تعززت العلاقة بين إسرائيل وصوماليلاند، وهو ما يتوقعه كثير من المراقبين، فإن ذلك قد ينقل العلاقة بينهما إلى مربع آخر، وهو نشر الرادارات والمعدات الاستخباراتية مثل أجهزة الاستشعار، مما سيعزز من قدرة إسرائيل على الكشف والتحذير المبكر للصواريخ التي يطلقها الحوثيون تجاهها. كما أن وجود نفوذ لها في جغرافية صوماليلاند تمنحها ميزة الاستجابة المبكرة للتهديدات العسكرية والتحركات الأمنية المختلفة، وخيارات عسكرية أفضل في اعتراضها مقارنة العمل من داخل إسرائيل.
هذا المستوى من العلاقات مرجح أن في المدى المنظور، وخاصة أنه ذو تكلفة أقل من خيار إنشاء قاعدة عسكرية، سواء كانت هجومية أو دفاعية أو لوجستية، فوجود القاعدة العسكرية من شأنه أن يثير ردود فعل إقليمية، ولا سيما من قبل الحوثيين، وعلى الرغم من أن محيط منطقة بربرة عموما مهيئة ومناسبة لإنشاء قواعد ومنشآت عسكرية، لكنه، وبسبب طبيعتها السهلية وموقعها الجغرافي على خليج عدن والقريب من اليمن، يجعلها أكثر عرضة للتهديدات العسكرية والأمنية، لذلك فمن غير المرجح أن يكون هذا الخيار واقعيا للإسرائيليين. وبناء على ما سبق من المتوقع أن تتجه العلاقات بين الطرفين باتجاه تعاون أمني استخباراتي قد يتخذ قنوات عدة منها التجارة والزراعة والتكنولوجيا.
إن تمكين الحضور الإسرائيلي بالقرب من خطوط الملاحة البحرية، ومن باب المندب سيوفر عمقا استراتيجيا لها خارج المجال الإسرائيلي المباشر، وهذا الحضور سيشمل شبكة مرنة من العلاقات والموانئ وتبادل المعلومات التي ستزيد الخيارات أمام صانع القرار الإسرائيلي، كما أن هذه الخطوة ستخفف بشكل واضح العزلة الجغرافية التي تعيشها إسرائيل.
لا يرجح أن تنشئ إسرائيل قاعدة عسكرية معلنة لما في ذلك من مخاطر عالية، والأرجح أن تقوم بمقاربات أكثر نعومة مثل الواجهات الاقتصادية والتكنولوجية والتعاون الدبلوماسي
من ثم يمكن فهم الاعتراف بصوماليلاند بوصفه وسيلة لتوسيع شبكة إسرائيل في محيط البحر الأحمر والقرن الأفريقي وتحسين خياراتها السياسية، والارتباط بشركاء إقليمين متنوعين، وخلق تحالفات جديدة ومرنة مع شركاء في المنطقة، وهو ما سيشكل لها نقطة ارتكاز جيوسياسية؛ ومن ثم ستحسن من قدرات ومرونة إسرائيل السياسية والأمنية والعسكرية وخاصة في ظل زيادة الهوة بينها ودول المنطقة إبان عدوانها المستمر على غزة.
تعتبر الفوائد الاقتصادية إحدى تجليات وأبعاد هذا الاعتراف لكلا الطرفين، لذلك من المتوقع لمرحلة ما بعد الاعتراف أن يتم فتح مسارات اقتصادية، مثل: الاستثمار الزراعي والتكنولوجي والتجارة العامة بين الطرفين، في ظل إمكانيات البنية التحتية المعتبرة لميناء بربرة. بالإضافة إلى أن هذا المسار من التعاون المتوقع قد يشكل إحدى الواجهات المدنية، والتي قد تؤدي أدوارا وظيفية أمنية وسياسية غير مباشرة لإسرائيل، وهي شكل أقل استفزازا من التعاون العسكري الصريح مع صوماليلاند.
تشير تقارير ومؤشرات أولية تشير إلى وجود المعادن النادرة، وهذا من العوامل التي دفعت بإسرائيل للاعتراف بصوماليلاند. يمنح هذا الأمر فرصة السبق بالنسبة للشركات الإسرائيلية للتعدين، إذا أُثبتت وجود الاحتياطات التجارية لهذه المعادن. كما قد يسهم الاعتراف في تخفيف درجة المخاطر السياسية في نظر المستثمرين، مما قد يشجعهم على ضخ استثماراتهم في المنطقة على المدى المتوسط والبعيد. غير أن هذه الاعتبارات الأمنية، والتي تتداخل مع الاعتبارات السياسية، ستكون أحد التحديات التي قد تواجه المستثمرين.
تتكشف العلاقة بين الطرفين عن عدم تماثل واضح؛ حيث تجني صوماليلاند مكسبا دبلوماسيا رمزيا أو محدودا في مقابل منافع استراتيجية وسياسية وأمنية كبيرة للطرف الإسرائيلي
على الجانب الآخر، يحمل هذا التقارب المخاطر عكسية قد ترتد سلبا على صوماليلاند نفسها، إذ أثار توترات وفجوة سياسية مع عدة دول عربية وإسلامية ترتبط معها بعلاقات اقتصادية وتجارية. بناء على ذلك، قد تَعْمَدُ بعض تلك الدول إلى فرض عزلة اقتصادية تنضاف إلى العزلة السياسية، وهو ما سيكون له انعكاساته على صوماليلاند.
إن الأبعاد الحقيقة للاعتراف والدوافع التي تقف خلفه تقودنا إلى أن الجغرافيا الأمنية للبحر الأحمر لا الدبلوماسية وحدها هي السبب الحقيقي، فإسرائيل تسعى إلى إيجاد موطئ قدم حقيقي داخل منظومة أمن البحر الأحمر. وهذا يساعدها في بناء عمق استراتيجي وشبكة نفوذ واسعة داخل بنية البحر الأحمر والقرن الأفريقي. كما سيتيح لها التواجد بناء ردع لا ينحصر في الحدود الجغرافية لإسرائيل، إذ ستزيد من إمكاناتها في الرصد والدعم والإنذار الاستخباراتي من نقاط متعددة. هذا التواجد يمكن تحقيقه من خلال الاستثمارات الاقتصادية والتكنولوجية والتجارية بدلا من التواجد العلني للمنشآت العسكرية، والتي من المتوقع أن ترفع التكلفة على إسرائيل، وخاصة في ظل الحساسية العالية ضد التواجد الإسرائيلي في المنطقة، ورفض مقديشو للاعتراف الإسرائيلي، والردود الإقليمية الرافضة للتواجد الإسرائيلي، وفي ظل القدرات المحلية المحدودة لحكومة أرض الصومال. وبالتالي من المتوقع أن تكون إسرائيل حريصة على تحقيق مرادها وغاياتها من الاعتراف بأقل تكلفة سياسية وأمنية من خلال تموضع أمني وسياسي منخفض ومرن.
في المقابل، تبدو هذه المحصلة الاستراتيجية للاعتراف بالنسبة لصوماليلاند محدودة للغاية سياسيا واقتصاديا، بينما ستتزايد المخاطر المتوقعة من وراء الاعتراف، إذ يعرضها هذا التقارب لاحتمالية انتقام الحوثي، وإدراجها في مجال الصراع الحالي، إلى جانب تجديد التوتر مع حكومة مقديشو. والأهم من ذلك، أن علاقات صوماليلاند والعالم العربي والإسلامي والأفريقي ستتعرض لهزات، لا سيما إذ توج الاعتراف الإسرائيلي بتعاون أمني وعسكري معلن. بذلك، تتكشف العلاقة بين الطرفين عن عدم تماثل واضح؛ حيث تجني صوماليلاند مكسبا دبلوماسيا رمزيا أو محدود في مقابل منافع استراتيجية وسياسية وأمنية كبيرة للطرف الإسرائيلي.