تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 18 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

دروغبا والملعب كفضاء أخلاقي: الفعل الرياضي كوسيلة للسلام

2 يناير, 2026
الصورة
دروغبا والملعب كفضاء أخلاقي: الفعل الرياضي كوسيلة للسلام
Share

هل يمكن لكرة القدم، بوصفها لعبة، أن تتحول إلى لغة أخلاقية فاعلة تتجاوز حدود الترفيه؟ وهل يستطيع لاعب واحد، قادم من الهامش الاجتماعي، أن يوقظ ضمير أمة أنهكتها الحرب حينما عجزت السياسة عن ذلك؟ ثم ما الذي يجعل الجسد الرياضي -في لحظة تاريخية نادرة-، يتحول إلى حامل لمعنى إنساني يتجاوز الملعب، ويخترق بنية الصراع السياسي؟

إن الحرب الأهلية في ساحل العاج اندلعت في سبتمبر/أيلول 2002، حينما انقسمت البلاد بين شمال يسيطر عليه المتمردون وجنوب تحت حكم حكومة الرئيس لوران غباغبو. وخلفت مشهداً مأساويًا من الانقسام السياسي والاجتماعي، إذ عاش الإيفواريون في واقع يومي يختلط فيه الخوف بالشك، والولاء بالريبة.

تأثر الاقتصاد بشدة، وتدهورت الخدمات العامة، وارتفع عدد النازحين داخليًا، في حين تحولت الانتماءات العرقية والإقليمية إلى خطوط صراع أساسية. في هذا السياق، تجلى الانقسام في كل مستوى من مستويات الحياة الاجتماعية، فأصبحت المباريات الرياضية نادراً ما تعدو كونها متنفسًا مؤقتًا، بل أضحت أيضًا فضاءات يمكن أن تعكس الانقسام ذاته. وأسهمت هذه الحرب في تراجع ثقة الشعب بالإجراءات السياسية، وبرزت الحاجة إلى رمز جامع يمكن أن يذكر الإيفواريين بوحدتهم المشتركة بعيدًا عن الصراعات الأهلية المسلحة.

لم يكن دروغبا نتاج مؤسسة سياسية، ولا ابن أيديولوجيا، وإنما ابن تجربة اجتماعية قاسية تشكّلت في الهجرة والفقر والاغتراب. وقد منحته كرة القدم رأسمالًا رمزيًا هائلًا جعله -بتعبير بيير بورديو- فاعلًا يمتلك "سلطة رمزية تُمارس من دون عنف مباشر"

تطرح تجربة ديدييه دروغبا سؤال الفعل الرمزي في زمن الانقسام، وتضعنا أمام نموذج نادر للقيادة الأخلاقية غير المؤدلجة. ففي سياق الحرب، ظهر لاعب كرة قدم لا بوصفه زعيمًا سياسيًا ولا واعظًا دينيًا، وإنما باعتباره جسدًا وطنيًا جامعًا، يحمل في أدائه معنى الانتماء المشترك. في هذا الإطار، تتجلى ما يسميه بول ريكور في كتابه "الذاكرة، التاريخ، النسيان": "قوة الرمز حين يسبق الخطاب ويؤسس لإمكان المصالحة".

لم يكن دروغبا نتاج مؤسسة سياسية، ولا ابن أيديولوجيا، وإنما ابن تجربة اجتماعية قاسية تشكّلت في الهجرة والفقر والاغتراب. وقد منحته كرة القدم رأسمالًا رمزيًا هائلًا جعله -بتعبير بيير بورديو- فاعلًا يمتلك "سلطة رمزية تُمارس من دون عنف مباشر". هذا الرأسمال لم يُستثمر في بناء صورة نجم فقط، وإنما تحوّل إلى طاقة أخلاقية موجّهة نحو المجال العمومي، في لحظة كان فيها الخطاب السياسي قد فقد صدقيته.

إن لحظة ركوع دروغبا ورفاقه في غرفة الملابس بعد التأهل إلى كأس العالم 2006 في ألمانيا، لا تُقرأ كحدث عاطفي عادي بل كفعل فلسفي بالمعنى العملي. لقد خرج الجسد الرياضي من منطق المنافسة إلى منطق النداء، ومن خطاب الانتصار إلى خطاب الرجاء. فحينما قال دروغبا: "ألقوا أسلحتكم وأجروا انتخابات"، لم يكن يتحدث من موقع القوة القسرية، وإنما من موقع الشرعية الأخلاقية التي يمنحها الإجماع الشعبي.

إن اختيار دروغبا نقل مباراة المنتخب إلى بواكيه- ثاني أكبر مدينة في كوت ديفوار- التي تعتبر معقل المتمردين، لم يكن مجرد قرار رياضي، بقدر ما كان فعلًا رمزياً بالغ الجرأة، أعاد توزيع المجال العام، وجعل من الملعب فضاء محايدا يلتقي فيه الخصوم دون سلاح

في هذا الصدد، يمكن استحضار هانا أرندت التي فرّقت في كتابها "في العنف" بين السلطة والعنف، معتبرة أن السلطة تنبع من الفعل المشترك والاعتراف الجماعي، لا من السلاح.

لقد نجح دروغبا في تحويل المنتخب الوطني إلى مساحة تخيلية للوحدة، حيث يصبح اللعب المشترك استعارة للعيش المشترك. فالمنتخب الوطني في تلك اللحظة لا يمكن اعتباره فريقًا رياضيًا فقط، بقدر ما كان سردية مضادة للحرب، تقول إن الاختلافات العرقية والمناطقية والهوياتية يمكن تجاوزها ضمن أفق وهدف واحد "الوطن". هذا ما ينسجم مع ما يذهب إليه تشارلز تايلور في كتابه "المتخيلات الاجتماعية الحديثة" حيث يرى أن "الهوية الجماعية تتشكل حول لحظات اعتراف مشتركة، لا حول الانتماءات المغلقة".

تكتسب مساهمة دروغبا قيمتها الفلسفية من كونه أدرك حدود فعله، حيث أنه لم يدّعِ إيقاف الحرب، ولم يُقدّم نفسه مخلّصًا، بل أدرك أن دوره رمزي، وأن الرمز يفتح الإمكان ولا يصنع الحلول وحده. وهذا الوعي هو ما يمنح فعله مصداقيته الفلسفية. فكما يقول بول ريكور: "الرمز يعطي ما يفكر فيه، لكنه لا يُغني عن الفعل السياسي".

لقد خرج الجسد الرياضي من منطق المنافسة إلى منطق النداء، ومن خطاب الانتصار إلى خطاب الرجاء. فحينما قال دروغبا: "ألقوا أسلحتكم وأجروا انتخابات"، لم يكن يتحدث من موقع القوة القسرية، وإنما من موقع الشرعية الأخلاقية التي يمنحها الإجماع الشعبي

إن اختيار دروغبا نقل مباراة المنتخب إلى بواكيه- ثاني أكبر مدينة في كوت ديفوار- التي تعتبر معقل المتمردين، لم يكن مجرد قرار رياضي، بقدر ما كان فعلًا رمزياً بالغ الجرأة، أعاد توزيع المجال العام، وجعل من الملعب فضاء محايدا يلتقي فيه الخصوم دون سلاح. وقد تحققت في تلك المباراة ما يسميه الفيلسوف المعاصر جاك رانسيير في كتابه "الخلاف: حول السياسة والجماليات": "إعادة ترتيب المحسوس"، أي خلق وضعية يرى فيها الجميع أنفسهم داخل مشهد واحد، خارج منطق العدو والصديق. لقد عادت الحرب إلى ساحل العاج بعد سنوات، بما يؤكد أن السلام لا يُبنى بلحظة واحدة.

غير أن مساهمة دروغبا في تعليق العنف أخلاقيًا وتشكيل مساحة للحوار توضح كيف يمكن للفعل الفردي، حتى خارج المؤسسة السياسية، أن يكون عاملًا مؤثرًا في مسار الصراع. وقد تحققت بذلك تجربة تثبت أن السلطة الأخلاقية يمكن أن تنشأ من فعل جماعي رمزي لا يستند إلى القوة المباشرة، بل إلى الشرعية الاجتماعية والاعتراف الجماعي.

هكذا تغدو كرة القدم في تجربة دروغبا ممارسة فلسفية صامتة، تقول ما تعجز الكلمات الرسمية عن قوله، وتذكّر بأن السلام يبدأ حينما يعترف الناس ببعضهم في لحظة صدق مشتركة. وفي عالم يزداد انقسامًا، تظل هذه التجربة دليلًا على أن الإنسان، حتى وهو يركض خلف كرة، قادر على أن يركض نحو المعنى، وأن يكون جسدًا وفعلاً أخلاقيًا في قلب الصراعات السياسية والاجتماعية.

في الأخير، نختم بما قاله دروغبا في خطبة ألقاها وسط زملائه في لحظة التأهل لكأس العالم سنة 2006: "يا رجال ونساء ساحل العاج، في الشمال والجنوب والوسط والغرب، أثبتنا اليوم أن بإمكان العاجيين أن يتعايشوا في سبيل هدف مشترك إلا وهو التأهل لكأس العالم... وعدناكم بأن الاحتفالات ستوحد الشعب. واليوم نلتمسكم: يجب ألا ينحدر بلدنا الإفريقي الغني إلى الحرب. أرجوكم، ألقوا أسلحتكم وأجروا انتخابات".