تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 9 أكتوبر 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

درع خارجي لدولة منقسمة: لماذا لا تنقذ قوات حفظ السلام الصومال؟

28 أغسطس, 2026
الصورة
درع خارجي لدولة منقسمة: لماذا لا تنقذ قوات حفظ السلام الصومال؟
Share

على مدى نحو عقدين، استند مسار تعافي الصومال إلى شبكة من الترتيبات الخارجية الهشة. فقد وفّرت الدبلوماسية الدولية مظلة صانت سيادة البلاد، وأسهمت المساعدات الأجنبية في تمويل الوظائف الحكومية الأساسية، بينما حالت بعثات الاتحاد الأفريقي دون اجتياح الجماعات المسلحة للمدن والمراكز السكانية الكبرى. غير أن هذه الركائز، على أهميتها، لم تعالج قط المعضلة الأعمق التي تواجه الصومال؛ غياب تسوية سياسية راسخة تجمع مؤسسات الدولة وقواها السياسية على قواعد مشتركة.

اليوم، بلغت هذه المعضلة العالقة منعطفًا حاسمًا، مع تضافر سلسلة من الضغوط التي تهدد قدرة الدولة الفيدرالية على الصمود. فالخلاف الدستوري المتفاقم وسّع الهوة بين مقديشو وعدد من الولايات الفيدرالية، وأضعفت النزاعات الانتخابية التماسك السياسي، فيما سارعت حركة الشباب إلى استغلال فجوات الحكم والثغرات الأمنية. وفي خضم ذلك، كشف الانتقال من بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال (ATMIS) إلى بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال (AUSSOM)، بالتزامن مع تنامي الغموض بشأن التمويل، حدود نموذج أمني ظل قائمًا، إلى حد بعيد، على الدعم العسكري الخارجي.

لو واجه الصومال أيًا من هذه التحديات منفردًا، لكان كفيلًا باختبار دولة هشة خارجة من صراع؛ أما تزامنها فيضع البلاد أمام أزمة بنيوية تمس أسس الدولة نفسها. والخلاصة التي تفرضها التجربة الصومالية واضحة: تستطيع قوات حفظ السلام توفير هامش من الأمن، لكنها لا تستطيع صناعة الشرعية السياسية. ويمكن للقوات الأجنبية حماية مؤسسات الدولة، لكنها لا تملك أن تبني التوافق الداخلي الضروري لاستمرارها. وقد تحرس أسوار الدولة، لكن الشرعية السياسية وحدها هي التي ترسّخ أساساتها.

لهذا، يتعين على شركاء الصومال الدوليين إدراك حدود الدور الذي يمكن أن يؤديه الدعم الخارجي، فالاستمرار في ضخ الموارد في جهود الاستقرار العسكري، من دون مسار موازٍ وجاد للمصالحة السياسية، قد يطيل عمر مؤسسات تظل قابلة للتصدع من الداخل. ومن ثم، لا يتمثل الخطر الأكبر الذي يواجه الصومال في احتمال اتساع نفوذ حركة الشباب عسكريًا فحسب، بل في مدى قدرة نظامه السياسي على تجاوز انقساماته قبل أن تتحول إلى ثغرات أمنية جديدة تستثمرها الحركة.

أزمة دستورية وفيدرالية

تقف في قلب الاضطراب الراهن في الصومال معضلة دستورية لم تجد طريقها إلى الحسم. فالإطار الدستوري القائم وُضع أصلًا لإدارة مرحلة انتقالية، لكنه ظل غير مكتمل بعد أكثر من عقد على إقراره. وكان يُفترض أن يقود الدستور المؤقت لعام 2012 البلاد نحو تسوية سياسية دائمة، من خلال حسم القضايا الأساسية المتعلقة بالنظام الفيدرالي، وتقاسم السلطة، وتوزيع الموارد، وصلاحيات المؤسسات. غير أن إبقاء هذه الملفات معلقة حوّلها إلى مصادر متكررة للصراع السياسي، وجعل الدستور، بدلًا من أن يكون مرجعية للتوافق، ساحة تتنافس فيها تصورات متباينة لشكل الدولة الصومالية وطبيعة نظامها السياسي.

يعكس الجدل الذي رافق التعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان عمق هذا الصراع. فقد رأى مؤيدوها داخل الحكومة الفيدرالية أنها ضرورية لتحديث النظام السياسي، ومنح السلطة التنفيذية قدرًا أكبر من الاستقرار، وتمهيد الطريق أمام الانتقال إلى الانتخابات المباشرة. في المقابل، اعتبرت ائتلافات المعارضة وقيادات الولايات أن أي تعديل يمس توازن السلطة لا يمكن تمريره من دون مشاورات أوسع تضم المؤسسات الفيدرالية، والإدارات الإقليمية، وقوى المعارضة، والمجتمع المدني.

بصرف النظر عن وجاهة حجج الطرفين، فإن الضرر السياسي بات واضحًا في تراجع الثقة بين القوى الصومالية الرئيسية. ففي الأنظمة الفيدرالية، لا تستمد السلطة شرعيتها من الصلاحيات القانونية وحدها، بل أيضًا من قبول الوحدات المكوِّنة للاتحاد بالقواعد المشتركة. وعندما يتزعزع هذا القبول، لا تبقى الخلافات الدستورية مجرد نزاع قانوني أو سياسي، بل تتحول سريعًا إلى أزمة أوسع في الثقة بالدولة. فالدستور، مهما بلغت دقة نصوصه، لا يستطيع الحفاظ على وحدة بلد لم تعد قواه السياسية متفقة على قواعد الحكم فيه.

لقد ظهر هذا التآكل بوضوح في علاقة مقديشو بعدد من الولايات الأعضاء، ولا سيما بشأن سلطة الحكومة المركزية، والترتيبات الانتخابية، وتوزيع النفوذ السياسي. وكان قرار بونتلاند سحب اعترافها بالمؤسسات الفيدرالية، عقب إقرار التعديلات الدستورية، أحد أبرز مظاهر اتساع الفجوة بين الطرفين.

تستطيع قوات حفظ السلام توفير هامش من الأمن، لكنها لا تستطيع صناعة الشرعية السياسية. ويمكن للقوات الأجنبية حماية مؤسسات الدولة، لكنها لا تملك أن تبني التوافق الداخلي الضروري لاستمرارها

لا تقف تداعيات هذه المواجهات عند حدود النخب السياسية، فقد أضعفت الخلافات المؤسسية المتكررة ثقة الجمهور بالنظام الفيدرالي، ورسخت الانطباع بأن الصراع على السلطة يستنزف الاهتمام والموارد اللذين تحتاج إليهما البلاد لإدارة شؤونها ومواجهة أزماتها. ويكتسب ذلك خطورة مضاعفة في بلد يخوض حربًا مفتوحة ضد تمرد مسلح؛ إذ إن كل خلاف سياسي يستنزف طاقة الحكومة أو مواردها الأمنية وقدراتها الإدارية يفتح مساحة جديدة أمام الجماعات المسلحة.

كان النظام الفيدرالي قد نشأ أساسًا بوصفه محاولة للتوفيق بين الوحدة الوطنية والحقائق السياسية المحلية. فبعد عقود من الحكم المركزي أعقبها انهيار الدولة، قدمت الفيدرالية صيغة تسمح للأقاليم بالمشاركة في الحكم، وتحول في الوقت نفسه دون إعادة تركيز السلطة بصورة مفرطة في مقديشو.

لكن الفيدرالية لا تعمل بمجرد النص عليها في الدستور، بل تحتاج إلى تعاون مستمر بين مستويات الحكم المختلفة، وهو الأساس الذي يتعرض اليوم لضغوط شديدة. فقد انتقلت علاقة الحكومة الفيدرالية بعدد من الولايات تدريجيًا من الخلاف السياسي إلى المواجهة المؤسسية، فيما أضعفت النزاعات حول تفسير الدستور، والانتخابات، والترتيبات الأمنية، وتوزيع الموارد، فاعلية الآليات التي كان يُفترض أن تنظّم العلاقة بين الطرفين وتحل خلافاتهما سلميًا.

الأخطر من ذلك أن الخلافات السياسية أخذت تكتسب طابعًا أمنيًا متزايدًا. فعندما تتحول القوات الفيدرالية والإقليمية إلى أدوات في التنافس السياسي، بدلًا من أن تكون شريكة في مواجهة التهديدات المشتركة، تتجاوز التداعيات حدود السياسة لتصيب بنية الأمن الوطني نفسها. عندها تتشظى المؤسسات الأمنية، ويتراجع التنسيق الاستخباراتي، ويضعف الضغط العسكري على الجماعات المتمردة.

هذه تحديدًا هي البيئة التي تزدهر فيها حركات التمرد. فالجماعات المسلحة لا تنتصر دائمًا لأنها تمتلك قدرة عسكرية أكبر، بل لأنها تواجه خصومًا منقسمين، ومشتتين، وعاجزين عن تنسيق جهودهم. ومن منظور حركة الشباب، يمثل الانقسام السياسي في الصومال فرصة استراتيجية بالغة الأهمية؛ إذ قد يكون الانقسام بين القوى التي تحاول هزيمتها أثمن بالنسبة إليها من أي تفوق تحققه في ميدان القتال.

ضعف الحوكمة وأزمة الشرعية

لا يمكن اختزال الأزمة السياسية في الصومال في الخلافات الدستورية والمؤسسية وحدها، إذ تكمن خلفها معضلة أعمق تتمثل في ضعف شرعية الدولة. فعلى مدى عقود، عانى الصومال محدودية القدرات الإدارية، وتفشي الفساد، وتفاوت مستوى الخدمات العامة، وهشاشة المؤسسات. ومع تراكم هذه الاختلالات، اتسعت الفجوة بين المواطنين والدولة، وتراجعت الثقة بقدرتها على إدارة شؤونهم والاستجابة لاحتياجاتهم.

ينعكس هذا القصور في الحوكمة مباشرة على الأمن الوطني. فعندما يفقد المواطنون ثقتهم بالمؤسسات الحكومية، تنشأ سلطات بديلة لملء الفراغ. وقد استغلت حركة الشباب هذا الواقع بإقامة هياكل موازية للجباية، وتسوية النزاعات، وإدارة الشؤون المحلية في المناطق التي تغيب عنها الدولة أو تعجز فيها عن أداء وظائفها. ورغم أن هذه الهياكل تُفرض بالعنف والإكراه، فإنها تمنح الحركة نفوذًا محليًا وموارد مالية تعزز قدرتها على الاستمرار.

من هنا، يمكن فهم سبب عجز الانتصارات العسكرية المتكررة عن تحقيق استقرار دائم. فالعمليات العسكرية قد تستعيد الأراضي، لكنها لا تكفي لتثبيت الأمن ما لم تتبعها مؤسسات شرعية قادرة على توفير العدالة والخدمات والحماية. ولذلك، لا تقتصر مكافحة التمرد على المواجهة في ميدان القتال، بل هي في جوهرها صراع على ثقة المواطنين وشرعية الحكم.

أما بالنسبة إلى شركاء الصومال الدوليين، فالرسالة واضحة: لا ينبغي أن تقتصر المساعدات على دعم العمليات الأمنية، بل يجب أن تقترن باستثمار جاد في المصالحة السياسية، وإصلاح المؤسسات، وبناء منظومة حكم تتسم بالشفافية والمساءلة. فمن دون إعادة بناء التوافق السياسي، ستظل حتى أكبر المكاسب الأمنية مؤقتة ومعرضة للانتكاس.

وهم الأمن وحدود قوات حفظ السلام الأجنبية

تزامنت الأزمة السياسية في الصومال مع تصاعد جديد في تهديد حركة الشباب، التي لا تزال واحدة من أكثر حركات التمرد قدرةً على التكيف والصمود في أفريقيا. ففي الوقت الذي انشغل فيه القادة السياسيون في مقديشو بالنزاعات الدستورية والصراع على السلطة، واصلت الحركة تطوير استراتيجيتها واستغلال مواطن الضعف في الحوكمة، والثغرات الأمنية، والانقسامات بين خصومها.

لا تستمد حركة الشباب قوتها من السيطرة على الأراضي وحدها، بل من استراتيجية أوسع تقوم على إبقاء الدولة والمجتمع في حالة من عدم اليقين، وإضعاف سلطة الحكومة، وإظهار عجز مؤسساتها عن توفير الأمن. ومن خلال شبكات الابتزاز المتغلغلة في الأنشطة التجارية داخل المدن، إلى جانب الهجمات غير المتكافئة والمحددة الأهداف، تحافظ الحركة على ضغط متواصل على مراكز السلطة. فغايتها لا تقتصر على انتزاع الأراضي في معارك تقليدية، بل تمتد إلى تقويض صدقية الدولة الصومالية في نظر مواطنيها.

هنا تكمن أهمية التمييز بين السيطرة العسكرية وتقويض الدولة. فحركات التمرد الحديثة لا تحتاج بالضرورة إلى هزيمة الحكومات في حرب تقليدية؛ يكفيها أن تثبت عجز تلك الحكومات عن حماية المواطنين، وتقديم الخدمات، والحفاظ على النظام والاستقرار السياسي.

أدركت حركة الشباب هذه المعادلة منذ سنوات. فاستمرار نشاطها في المناطق الريفية، بالتزامن مع قدرتها على تنفيذ هجمات بارزة في المراكز الحضرية، يكشف عن صبر استراتيجي وقدرة تنظيمية عالية على الصمود. وحتى عندما تتعرض لانتكاسات عسكرية، فإنها تنجح مرارًا في إعادة بناء قوتها عبر استغلال المظالم السياسية العالقة وإخفاقات الحوكمة. ولهذا، لا تُخاض المعركة ضد الحركة بالجنود والأسلحة وحدهم، بل أيضًا في ميدان أوسع يتصل بثقة الجمهور وشرعية الدولة.

هذا ما يجعل الانقسام السياسي الداخلي خطرًا أمنيًا مباشرًا. فالحكومة التي تمزقها الخلافات تجد صعوبة في تبني استراتيجية أمنية موحدة، كما يفقد القطاع الأمني فاعليته العملياتية حين تتحكم فيه المنافسة السياسية، فيما تصبح المجتمعات القلقة بشأن مستقبل الدولة أكثر عرضة للإكراه والتلاعب. وبذلك، يهيئ الانقسام الداخلي الظروف التي تحتاج إليها الجماعات المتمردة لتوسيع نفوذها.

في مواجهة هذا التهديد، شكّلت بعثات الاتحاد الأفريقي، على مدى قرابة عقدين، الدرع الأمنية الرئيسية للصومال. فمن الانتشار التاريخي لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (AMISOM)، مرورًا ببعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية (ATMIS)، ووصولًا إلى بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال (AUSSOM)، أدت القوات الإقليمية دورًا لا غنى عنه في منع حركة الشباب من اجتياح المدن والمراكز السكانية الكبرى. وكان إسهامها واحدًا من أبرز جهود حفظ السلام التي شهدتها القارة الأفريقية.

غير أن الانتقال التدريجي نحو منظومة أمنية تتولى المؤسسات الصومالية قيادتها كشف حدود هذا الدرع الخارجي. فالدعم العسكري الأجنبي يستطيع تهيئة قدر من الاستقرار، لكنه لا يمكن أن يحل بصورة دائمة محل مؤسسات وطنية فاعلة وقادرة على الاضطلاع بمسؤولياتها.

الخلاف الدستوري المتفاقم وسّع الهوة بين مقديشو وعدد من الولايات الفيدرالية، وأضعفت النزاعات الانتخابية التماسك السياسي، فيما سارعت حركة الشباب إلى استغلال فجوات الحكم والثغرات الأمنية

مع إعادة الشركاء الدوليين النظر في التزاماتهم التمويلية، وتغير ترتيبات حفظ السلام، يواجه الصومال اختبارًا حاسمًا: هل تستطيع مؤسساته الأمنية الحفاظ على المكاسب الميدانية من دون الاعتماد الدائم على القوات الأجنبية؟ وهل يتمكن قادته السياسيون من تجاوز انقساماتهم قبل انتقال المسؤوليات الأمنية بالكامل إلى المؤسسات الوطنية؟ وهل تستطيع الدولة الحفاظ على ثقة مواطنيها خلال هذه المرحلة الانتقالية؟

ليست هذه مجرد أسئلة فنية أو عملياتية، بل قضايا تمس قدرة الدولة الصومالية على البقاء والصمود على المدى الطويل.

تدرك الدول المجاورة أن تداعيات الإخفاق لن تبقى محصورة داخل حدود الصومال. فقد استثمرت الدول المساهمة بقوات، وفي مقدمتها أوغندا وكينيا وإثيوبيا، موارد كبيرة في البلاد، لأن الإرهاب والنزوح وانعدام الأمن البحري والجريمة المنظمة تحديات عابرة للحدود، وتمتد آثارها إلى المنطقة بأسرها.

مع ذلك، لا يمكن الإبقاء على القوات الأجنبية في الصومال إلى أجل غير مسمى؛ فهذا الخيار غير قابل للاستدامة ماليًا ولا واقعي سياسيًا. كما لا يمكن تحويل الحماية الخارجية إلى بديل دائم عن بناء الدولة. ويتعين على الصومال، في نهاية المطاف، تطوير مؤسسات وطنية تملك من القوة والشرعية ما يكفي لحمايته. فقد تؤخر قوات حفظ السلام انهيار الدولة، لكن المؤسسات الشرعية وحدها تستطيع منعه.

الفساد وتآكل ثقة الجمهور

لا يمكن فصل التحديات الأمنية في الصومال عن أزمة الحوكمة، فالفساد لا يزال واحدًا من أكثر العوائق رسوخًا أمام بناء دولة فاعلة. وقد أسهم ضعف آليات الرقابة، وانتشار شبكات المحسوبية، ومحدودية المساءلة المؤسسية، في تقويض الجهود الرامية إلى ترسيخ ثقة المواطنين بالدولة.

تتجاوز آثار الفساد هدر المال العام لتصيب مؤسسات الدولة في جوهرها. فهو يضعف الأجهزة الأمنية عبر تحويل الموارد بعيدًا عن احتياجات الخطوط الأمامية، ويضر بالإدارة العامة بتقليص ثقة المواطنين بقدرتها ونزاهتها، كما يقوض الشرعية السياسية حين يرسخ الانطباع بأن مؤسسات الدولة تخدم مصالح النخب، لا المجتمع بأسره.

في الدول الهشة، لا تُعد الشرعية قيمة سياسية مجردة، بل موردًا استراتيجيًا لا غنى عنه. فالحكومات لا تستطيع هزيمة حركات التمرد بالقوة وحدها إذا كان المواطنون ينظرون إلى مؤسساتها بوصفها عاجزة أو غير عادلة أو منفصلة عن واقعهم اليومي.

استغلت حركة الشباب هذه المظالم مرارًا، إذ سعت في المناطق التي يضعف فيها حضور الحكومة إلى تقديم نفسها بوصفها سلطة بديلة، من خلال أنظمة قسرية للجباية، وتسوية النزاعات، وإنفاذ الأحكام. ورغم أن هذه الممارسات تقوم على الإكراه، فإنها تتيح للحركة ملء الفراغ الذي يخلّفه غياب الدولة.

لهذا، لا يمكن أن تقتصر الاستجابة على تكثيف الضغط العسكري. فالحل طويل الأمد يقتضي بناء دولة يراها المواطنون أكثر شرعية، وخضوعًا للمساءلة، وقدرة على أداء وظائفها من أي سلطة تنافسها.

المقارنة بأفغانستان: تحذير لا نبوءة

تنامت في أوساط المحللين وصنّاع السياسات المخاوف من أن يسلك الصومال مسارًا مشابهًا لأفغانستان. غير أن هذه المقارنة ينبغي التعامل معها بحذر، فالدولتان تختلفان في تاريخهما، وبنيتهما السياسية، وبيئتهما الأمنية. كما أن حركة الشباب ليست نسخة من حركة طالبان، ولا يمكن قراءة الواقع الصومالي من خلال تجربة بلد آخر.

مع ذلك، تظل المقارنة مفيدة بما تكشفه من دروس بنيوية. فلم يكن انهيار أفغانستان عام 2021 نتيجة مباشرة لانسحاب القوات الأجنبية وحده، بل إن الانسحاب كشف مواطن ضعف تراكمت على مدى سنوات، من بينها الانقسام السياسي، والفساد، وهشاشة المؤسسات، وتراجع ثقة الجمهور. وكان الدرس الأبرز أن المساعدات العسكرية، مهما بلغ حجمها، لا تستطيع التعويض إلى أجل غير مسمى عن الاختلال السياسي الداخلي.

يواجه الصومال بعض المخاطر البنيوية ذاتها. فالخلافات المستمرة بين المؤسسات الفيدرالية والإدارات الإقليمية تعرقل التنسيق، والمنافسة السياسية تستنزف الاهتمام الذي ينبغي توجيهه إلى الحوكمة وإصلاح القطاع الأمني، فيما تستفيد الجماعات المتمردة كلما بدت مؤسسات الدولة منقسمة وعاجزة عن العمل بصورة موحدة.

لا تعني هذه المقارنة أن الصومال محكوم عليه بتكرار مصير أفغانستان، بل تحذر من أن أي دولة لا تستطيع الصمود طويلًا حين يصبح بقاؤها معتمدًا على دعم خارجي يفوق ما تملكه من تماسك سياسي داخلي. فالدول لا تنهار عادة لمجرد وجود أعداء يهددونها، بل عندما تمنعها انقساماتها الداخلية من مواجهتهم بفاعلية.

إعادة بناء التوافق قبل فوات الأوان

لا تزال أمام الصومال فرصة لتجنب الانزلاق نحو أزمة أعمق، لكن اغتنامها يتطلب شجاعة سياسية وإعادة ترتيب عاجلة للعلاقات بين مؤسسات الحكم. وتبدأ هذه المهمة باستعادة الثقة بين الأطراف الصومالية، عبر حوار شامل يجمع المؤسسات الفيدرالية، والولايات الأعضاء، وقادة المعارضة، وممثلي المجتمع المدني. فالقضايا الدستورية التي تمس مستقبل البلاد لا يمكن حسمها بقرارات تنفيذية أحادية، بل تحتاج إلى توافق وطني واسع يمنحها الشرعية والاستمرارية.

الدستور، مهما بلغت دقة نصوصه، لا يستطيع الحفاظ على وحدة بلد لم تعد قواه السياسية متفقة على قواعد الحكم فيه

بالتوازي مع المسار السياسي، ينبغي تحييد مؤسسات الأمن الوطني عن التنافس على السلطة. فمكافحة التمرد بفاعلية تتطلب قيادة منسقة وتعاونًا عملياتيًا وثيقًا بين القوات الوطنية والإقليمية. كما يتعين على الشركاء الدوليين إعادة توجيه مساعداتهم، بحيث لا يقتصر دعمهم على القطاع الأمني، بل يرتبط بمعايير واضحة لإصلاح الحوكمة، وتعزيز الشفافية، وترسيخ المساءلة العامة.

في نهاية المطاف، ينبغي للقادة السياسيين أن يدركوا أن التوصل إلى تسويات بين الأقاليم والفصائل ليس دليلًا على الضعف، بل يمثل أحد أرفع أشكال المسؤولية الوطنية.

الدولة لا تُبنى على ركائز خارجية

يقف الصومال اليوم عند لحظة مصيرية. فمستقبل البلاد لن يتحدد بحجم بعثات حفظ السلام الدولية، أو مقدار المساعدات الأجنبية، أو ما تحظى به من اعتراف دبلوماسي. فهذه العوامل كلها مهمة، لكنها لا تستطيع أن تعوض الأساس الذي تقوم عليه كل دولة قادرة على البقاء: الشرعية السياسية.

لقد أمضى المجتمع الدولي سنوات طويلة في بناء المنظومة الأمنية للصومال بوتيرة أسرع من قدرة مؤسساته السياسية على النضج. وكانت النتيجة دولة محمية من الخارج، لكنها تظل هشة من الداخل بفعل انقسامات سياسية لم تجد طريقها إلى الحل.

تستطيع قوات حفظ السلام تأمين المطارات والمنشآت الحكومية والمواقع الاستراتيجية، ويستطيع المانحون تمويل المؤسسات، كما تستطيع العمليات العسكرية استعادة الأراضي. لكن أيًا من ذلك لا يمكنه اصطناع الثقة بين الأطراف السياسية أو منح الدولة شرعيتها في نظر المواطنين. فهذه المسؤولية تقع، أولًا وأخيرًا، على عاتق القادة الصوماليين.

ولذلك، لا يقتصر السؤال الجوهري الذي تواجهه مقديشو اليوم على قدرتها على هزيمة حركة الشباب عسكريًا، بل يتعلق بقدرة الصومال على إعادة بناء التوافق السياسي الذي يجعل أي انتصار ميداني قابلًا للاستمرار.

ولا تتوقف تداعيات هذا الاختبار عند حدود الصومال. فاستقرار البلاد ضرورة لأمن القرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر الأوسع، بينما يتيح انقسامها فرصًا للشبكات المتطرفة والقوى الخارجية الساعية إلى توسيع نفوذها في واحد من أكثر الممرات البحرية أهمية وحساسية في العالم.

الخيار المطروح أمام الصومال صعب، لكنه واضح: الحوار بدلًا من المواجهة، والإصلاح المؤسسي بدلًا من الحسابات السياسية الآنية، والتوافق الوطني بدلًا من التنافس الفئوي. ويمكن للشركاء الخارجيين مساندة البلاد في هذا المسار، لكنهم لا يستطيعون خوضه نيابة عنها. وفي المحصلة، قد يحمي الدرع أمةً لبعض الوقت، لكن حتى أقوى الدروع لا يستطيع منع بيت بلا أساس من السقوط.