تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 17 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

ذكاء بلا عدالة: في سردية التحوّل الرقمي في أفريقيا

8 نوفمبر, 2025
الصورة
الفجوة الاستكشافية في أفريقيا: بين ثراء الجيولوجيا وتحديات السياسات
Share

لعل الحديث عن التحوّل الرقمي في أفريقيا اليوم، يقودنا للحديث عن تحوّل حضاري عميق يعيد رسم علاقة القارة بذاتها وبالعالم. فالتكنولوجيا نظام رمزي جديد يُعاد عبره إنتاج السلطة والمعرفة، ويُعاد ترتيب الوعي والخيال الجمعي داخل مجتمعاتٍ ما زالت تحمل آثار التاريخ الاستعماري في بنيتها العميقة، وليست مجرد أدوات اتصال كما يمكن أن يتخيل ذلك المرء.

في وجهة نظر الدراسات الثقافية، ينظر إلى التقنية بوصفها خطابا يعبّر عن علاقة الإنسان بالزمن وبالسلطة وبالمعنى. ولذلك لا يمكن فهم "الثورة الرقمية" في أفريقيا من خلال الأرقام بل من خلال الرمزية السياسية والمعرفية التي تحيط بهذه الأرقام. إذ تثوي وراء كل تطبيق ذكاءٍ اصطناعيٍّ هناك تصورٌ محدّد للإنسان والمجتمع.

وإذا كان الاستعمار القديم قد صادر الجغرافيا بتلالها وهضابها ومياهها وهوائها، فإن الاستعمار الرقمي يصادر الذاكرة: ذاكرة المجتمعات التي تُنتج بياناتها يوميًا - في الشراء والتواصل والتعليم والطب والزراعة - لتغادر هذه البيانات أرضها عبر كابلاتٍ لا تملكها، وتُحلَّل في خوادم بعيدة، ثم تُعاد إليها في صورة خدماتٍ ذكيةٍ تُباع لها من جديد؛ تدرس نظام السوق ومستويات الاستهلاك وتغيراته.

لكن خطورة هذا التحوّل لا تكمن في المعطى الاقتصادي وحده، بل في التحوّل الرمزي الذي يحمله. فالذكاء الاصطناعي - كما تشير إليه تحليلات مفكري ما بعد الاستعمار مثل أشيل مبمبي - ليس محايدًا ثقافيًا، بل هو تجسيدٌ لعقلٍ كونيٍّ يريد أن يعمّم منطقه على الجميع.

لهذا، فإن سؤال أفريقيا ليس: كيف نلحق بركب التكنولوجيا؟ بل: كيف نعيد تعريفها في أفقنا؟ كيف نجعل من الذكاء الاصطناعي امتدادًا للذكاء الإنساني والاجتماعي، لا قطيعة معه؟ كيف نحول “التحوّل الرقمي” من عملية تحديثٍ خارجية إلى مشروعٍ ثقافي داخلي يعيد بناء علاقة القارة بذاتها؟

هنا تحديدًا تكمن أهمية القضية التي نعالجها، إننا نحاول أن نقدم تشريحًا رمزيًا لزمن اصطناعي؛ زمنٍ تصير فيه الخوارزمية أداةً لتوليد اللامساواة بالمنطق نفسه الذي أنتجها قبل قرن في صورة استعمار.

ومن ثم، فإن ما نقدمه ههنا ليس تحليلًا اقتصاديًا أو تقريرًا تنمويًا، وما ينبغي له، إنما هو محاولة لمساءلة التقنية في ضوء التحليل الثقافي الأفريقي.

لا يمكن فهم "الثورة الرقمية" في أفريقيا من خلال الأرقام بل من خلال الرمزية السياسية والمعرفية التي تحيط بهذه الأرقام. إذ تثوي وراء كل تطبيق ذكاءٍ اصطناعيٍّ هناك تصورٌ محدّد للإنسان والمجتمع

ومن نافلة القول التذكير بأن ما تشهده أفريقيا اليوم هو واحد من أسرع الطفرات الرقمية في العالم؛ أكثر من 570 مليون مستخدم للإنترنت وقرابة 680 مليون مشترك في الهاتف المحمول. غير أن هذه الحيوية التقنية لا تنعكس على مكانة القارة في الاقتصاد الرقمي العالمي، إذ لا تتجاوز مساهمتها 1٪ فقط. تبدو أفريقيا، بهذا المعنى، كمن يعيش داخل الشبكة دون أن يمتلك مفاتيحها؛ متصلة بالعالم افتراضيًا، ومنفصلة عنه بنيويًا. فالذكاء الاصطناعي، الذي يُقدَّم في الخطاب الرسمي بوصفه محرّك التنمية القادمة - من الزراعة الذكية إلى الطب الرقمي - لا يزال يعمل ضمن بنية تبعية صلبة. إذ تُخزَّن أقل من 10٪ من البيانات الأفريقية داخل القارة، بينما تُهاجر البقية عبر كابلات بحرية تمتلكها وتديرها شركات أجنبية. وهكذا يتكرّر المشهد التاريخي ذاته بوسائل أكثر أناقة: القارة تُنتج المادة الخام الجديدة- البيانات - فيما تُصنع القيمة المضافة، كما في الماضي، خارج حدودها.

امتدّت منذ عام 2018، في أعماق المحيطات شبكة جديدة من أكثر من ثلاثين كابلًا بحريًّا تربط أفريقيا ببقية العالم. غير أنّ هذه الشرايين الرقمية، التي يُفترض أن تحمل المعرفة والتواصل، تموّلها وتُشغّلها شركات تكنولوجية كبرى Google وMeta وHuawei لتتحوّل تدريجيًّا إلى ما يشبه "جغرافيا ظلّ" جديدة، تعيد رسم خريطة النفوذ لا بخطوط على اليابسة، بل بخيوط من الألياف الزجاجية تحت البحر.

ورغم أن القارة تضمّ نحو تسعين مركز بيانات، فإن خمسة عشر مركزًا فقط منها مملوك محليًّا. بقية المراكز تُدار من الخارج، فتغدو المعلومات الحكومية والتجارية والثقافية أشبه بسلعٍ تعبر حدودًا غير مرئية، تُراقَب وتُنظَّم خارج سيطرة أصحابها الأصليين. بهذا المعنى، لم يَعُد الاستعمار أرضًا تُحتلّ، بل شبكة تُدار؛ ولم تَعُد الحدود جغرافية، بل رقمية، تتجسّد في مفاتيح تشفيرٍ وأذونات دخولٍ إلى قواعد البيانات.

كيف نجعل من الذكاء الاصطناعي امتدادًا للذكاء الإنساني والاجتماعي، لا قطيعة معه؟ كيف نحول “التحوّل الرقمي” من عملية تحديثٍ خارجية إلى مشروعٍ ثقافي داخلي يعيد بناء علاقة القارة بذاتها؟

أمام هذا الواقع، حاول الاتحاد الأفريقي أن يُعيد تعريف مفهوم السيادة ضمن أجندة 2063، فصاغ مصطلح "السيادة الرقمية" بوصفه قدرة الدول على التحكّم في بنية الاتصال، وتوجيه تدفّق البيانات، والسيطرة على الخوارزميات التي تُسيّر اقتصاداتها. لكن بين الرؤية والتنفيذ مسافة طويلة: من بين54 دولة، لا تمتلك سوى اثنتي عشرة دولة تشريعات وطنية متكاملة لحماية البيانات، وأقل من عشر دول وضعت استراتيجيات واضحة للذكاء الاصطناعي.

تُقدَّر القيمة السوقية لصناعة الذكاء الاصطناعي في أفريقيا اليوم بنحو 15 مليار دولار، مع توقّعات بأن تتجاوز 50 مليارًا بحلول عام 2030. لكن خلف هذه الأرقام المبهجة، تتشكّل ملامح مفارقة مقلقة: كلّما ازداد "الذكاء" التقني، ازدادت الفجوة الاجتماعية اتساعًا. فما يقارب 70٪ من الوظائف المهدَّدة بالأتمتة تتركّز في القطاعات الزراعية والخدمية، أي في أكثر المجالات هشاشة. إنها مفارقة رمزية بقدر ما هي اقتصادية: التكنولوجيا التي وُعدت بتحرير الإنسان من العناء اليدوي، قد تنزع القوت من يده. وفي المقابل، لا تمثّل النساء سوى 30٪ من القوى العاملة الرقمية، ما يجعل الذكاء الاصطناعي جزءًا من بنية تمييز قائمة لا منقذة منها. أما الفجوة بين المدن والمناطق الريفية، فتكبر كل عام، لتصبح التقنية مرآة جديدة للّامساواة القديمة.

بهذا المعنى، يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى نظام رمزي لإعادة إنتاج الفوارق أكثر مما هو مشروع للإنصاف. فحين تُبنى الخوارزميات على بيانات غير عادلة، تُعيد إنتاج الواقع ببرودٍ رياضيٍّ لا يرحم: رقمٌ يَستبعد، ومعادلةٌ تُقصي. ومن دون إصلاحٍ تربويٍّ وثقافيٍّ عميق يوازي الطفرة التقنية، سيبقى الذكاء الاصطناعي في أفريقيا أشبه بـ “آلةٍ أنيقة للّامساواة” تَعِد بالتحرير، لكنها تُعيد كتابة قيودٍ جديدة بلغة الكود.

نحاول أن نقدم تشريحًا رمزيًا لزمن اصطناعي؛ زمنٍ تصير فيه الخوارزمية أداةً لتوليد اللامساواة بالمنطق نفسه الذي أنتجها قبل قرن في صورة استعمار

وأخيرا يمكن القول إنّ الذكاء الاصطناعي في أفريقيا ليس قصة تقدّمٍ تقني، بل فصل جديد من التاريخ الثقافي للهيمنة. لكن الجديد في هذا الفصل هو أن المعركة لم تعد تدور حول الأرض أو السلطة السياسية، بل حول من يملك تعريف الإنسان ذاته. ومن هنا، فإنّ التحدي الأفريقي لا يتجلى في الاندماج في النظام الرقمي العالمي فحسب وإنما في كيفية إعادة كتابة هذا النظام بلغةٍ تُبقي على التعدد والتجربة الخاصة.

فكما أنّ الحداثة الأوروبية قامت على استعمار الجسد والموارد، فإنّ الحداثة الرقمية تقوم اليوم على استعمار الوعي والخيال. وأفريقيا، بهذا المعنى، ليست ضحية هذا التحول فحسب، بل مرآته الأكثر شفافية: فيها يظهر إلى أيّ مدى يمكن للعقل الاصطناعي أن يُعيد إنتاج التاريخ في صورة برمجية.

بيد أن الدراسات الثقافية تُذكّرنا دائمًا بأنّ كل نظام هيمنةٍ يحمل في داخله بذور مقاومته. فما دامت الخوارزمية تعمل على البيانات، فإنّ تغيير البيانات - أي إعادة تعريف ما يُحسب وما يُستثنى - هو أول خطوة نحو تفكيك سلطتها. وهنا بالضبط يمكن لأفريقيا أن تستعيد موقعها: ليس بوصفها مستهلكةً للتكنولوجيا، بل منتِجةً لمعنى جديدٍ لها، حيث تُصبح السيادة الرقمية مشروعًا لإعادة بناء الذات، لا لتكرار التاريخ في هيئةٍ أكثر لمعانًا.

هكذا، يتبدّى أن مسألة الذكاء الاصطناعي ليست سؤالًا عن المستقبل فقط، وإنما سؤالٌ عن الذاكرة وعن السلطة وعن من يملك حقّ الحلم بالعالم. وفي هذا الأفق، قد تكون القارة التي عانت طويلًا من أن تُرى “من الخارج”، هي أول من يعيد تعريف الداخل في زمن الخوارزمية.