تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخميس 22 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

ذهب بوركينا فاسو يلمّع أرقام النمو… لكن الفقر والعنف يَكشِفان حدود "معجزة" إبراهيم تراوري

15 ديسمبر, 2025
الصورة
ذهب بوركينا فاسو يلمّع أرقام النمو… لكن الفقر والعنف يَكشِفان حدود "معجزة" إبراهيم تراوري
Share

رغم التصاعد الكبير في العنف الجهادي وتدهور الوضع الإنساني في بوركينا فاسو، تُظهر المؤشرات الاقتصادية أن اقتصاد البلاد ما زال صامداً نسبياً، مدعوماً بطفرة غير مسبوقة في أسعار الذهب، المورد الأول لخزينة الدولة.

تقارير دولية حديثة تشير إلى أن الاقتصاد حقق نمواً قدره 3.2% في عام 2023 بعد أداء ضعيف في 2022، قبل أن يتسارع إلى نحو 4.9–5% في 2024، مع توقعات باستمرار نمو “متين” في 2025 إذا لم تتدهور الأوضاع الأمنية بشكل أكبر.

بحسب بيانات البنك الدولي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي لبوركينا فاسو نحو 23.2 مليار دولار في 2024، مع نصيب فرد لا يتجاوز 1,000 دولار سنوياً تقريباً، ما يعكس هشاشة قاعدة الدخل رغم تحسن نسبة النمو.

ويعد الذهب قلب الاقتصاد البوركينابي اليوم؛ إذ يمثّل أكثر من 80% من الصادرات، مع قيمة مبيعات خارجية تجاوزت 7 مليارات دولار في 2023، لتضع البلاد بين كبار مصدّري الذهب في العالم، في وقت قفزت فيه الأسعار العالمية إلى مستويات قياسية.

هذا الاعتماد المكثف على الذهب يوفّر للحكومة سيولة حيوية في لحظة حصار سياسي وعقوبات إقليمية، لكنه يترك الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسعار العالمية وللاضطرابات الأمنية التي تضرب مناطق التعدين في الشمال والشرق.

حكومة الكابتن إبراهيم تراوري ذهبت أبعد في إعادة هندسة قطاع التعدين، عبر تعديل قانون المناجم ورفع الحصة المجانية الإلزامية للدولة إلى 15% في كل مشروع جديد، وإنشاء شركة حكومية خاصة (SOPAMIB) استحوذت بالفعل على مناجم كبيرة مثل بوغو وواهغنيون من شركات غربية، مع إعلان خطط لمزيد من “التأميمات” خلال 2025.

في الوقت نفسه، بدأت السلطات جمع الذهب من التعدين الحِرَفي لتكوين احتياطي وطني لأول مرة، في خطوة تُقدَّم داخلياً كرمز لـ”السيادة الاقتصادية” وفك الارتباط عن النفوذ الفرنسي.

ورغم الخطاب السياسي الصارم ضد المؤسسات المالية الغربية، ما زالت واغادوغو تعتمد على برنامج تسهيل ائتماني ممتد من صندوق النقد الدولي، أُقرّ في 2023 وتواصلت مراجعته الأولى والثانية والثالثة في 2024 و2025، ما أتاح دفعات تمويلية منتظمة ودعماً لإصلاحات مالية وهيكلية.

الصندوق يشيد بما يصفه بـ”سياسات داعمة للنمو” وأداء قوي للزراعة في 2024 بفضل الأمطار وبرامج الدعم، لكنه يحذّر في الوقت نفسه من أن انعدام الأمن الواسع ما زال يكبح النشاط في قطاعات حيوية وعلى رأسها التعدين، ويُضعف ثقة المستثمرين.

ورغم تحسّن بعض المؤشرات، يظل الوجه الاجتماعي قاتماً. تقارير الأمم المتحدة تشير إلى ملايين النازحين داخلياً بسبب العنف الجهادي، وآلاف المدارس والمراكز الصحية المغلقة في مناطق خرجت عملياً من سلطة الدولة. وفي تصنيفات التنمية البشرية، ما تزال بوركينا فاسو ضمن ذيل الترتيب العالمي، مع معدلات فقر متعدّد الأبعاد تتجاوز 60% من السكان.

على منصات التواصل الاجتماعي، يَظهر تراوري أحياناً في صورة "قائد معجزة" حوّل بلداً مثقلاً بالديون والفقر إلى اقتصاد مزدهر خلال عامين، مع تداول أرقام غير موثقة عن نمو يفوق 10–15% وتسديد كامل للديون الخارجية، وهي مزاعم فندتها هيئات تدقيق مستقلة ووسائل إعلام دولية.

لكن خلف الضوضاء الرقمية، تبدو الصورة أكثر تواضعاً وتعقيداً؛ اقتصاد صغير يحقق نمواً معقولاً بفضل ذهب يُستخرج في مناطق ملتهبة، وحكومة عسكرية تراهن على إعادة توزيع عوائد الموارد لصالح الدولة، وفي الوقت نفسه تعتمد – براغماتياً – على مظلة صندوق النقد والبنك الدولي، بينما تبقى الاختبارات الحقيقية متمثلة في كبح العنف، وبناء مؤسسات قادرة، وترجمة ذهب المناجم إلى تعليم وصحة وفرص عمل لملايين الفقراء.