الجمعة 6 مارس 2026
لم يعد الذهب مجرد معدن ثمين يُستخرج من باطن الأرض، بل تحوّل إلى دماء تسيل فوقها. فمنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في يوليو/تموز 2023، أصبح الذهب أحد أعمدة اقتصاد الحرب وأدوات إعادة تشكيل النفوذ داخل البلاد. ليس فقط لأنه يمثّل المصدر الرئيسي للعملات الصعبة، بل لأنه يعكس في باطنه صراعًا أعمق على الموارد والتحكم في الجغرافيا والحدود.
أعلنت الشركة السودانية الحكومية أواخر يونيو/حزيران 2025، مصرع 11 عاملًا سودانيًا وإصابة سبعة آخرين جراء انهيار في منجم كرش الفيل الواقع بين مدينتي عطبرة وهيا شمال شرق البلاد. ورغم إعلان الشركة ذاتها تعليق النشاط في المنجم وتحذيرها من استمرار العمل فيه، فإن عمليات التعدين ظلت متواصلة، في مؤشر صارخ على اقتصاد موازٍ يتغذى على الفوضى. فمنذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، سقط نحو 100 قتيل في حوادث مشابهة.
لا تقتصر أهمية الذهب في السودان على دوره الاقتصادي، بل تتجاوز ذلك إلى كونه عنصرًا محوريًا في الصراع الدائر
يُسلّط هذا الحادث الضوء على أزمة أعمق تضرب قطاع التعدين، الذي بات أحد أعمدة الاقتصاد غير الرسمي في السودان. إذ ينتشر التعدين الحرفي في 14 ولاية من أصل 18، ويشغّل أكثر من مليوني سوداني ينتجون حوالي 80٪ من كمية الذهب المنتجة في حين تنتج شركات الامتياز 20٪، ما يجعله مصدر رزق حيوي في ظل التدهور الاقتصادي. ورغم هذا الانتشار، فإن مساهمته في الاقتصاد الوطني لا تعكس حجمه الحقيقي، بفعل ضعف الكفاءة، وتفشي العشوائية.
في هذا السياق، شكّل الذهب المُستخرج عبر التعدين الحرفي، في عام 2024، نحو 83٪ من إجمالي الإنتاج المُعلن (53.71 طن من أصل 64.36 طن)، وهي نسبة تُخفي وراءها مفارقة بنيوية خطيرة. فعلى الرغم من الكمية الكبيرة المُستخرَجة، لا يُستخلص من الذهب الخام في المرحلة الأولى سوى نحو 30٪ فقط، بينما تُهدر كميات ضخمة على شكل جزيئات دقيقة لا تُستعاد منها سوى 4.95 طن تقريبًا، أي ما يعادل 7٪ فقط من إجمالي الإنتاج، باستخدام وسائل بدائية تفتقر لأبسط شروط الكفاءة.
من جهة أخرى، لا يزال قطاع التعدين الصناعي، الذي يُفترض به أن يكون أكثر تنظيمًا وكفاءة، في موقع متراجع، إذ لم تتجاوز مساهمته 5.70 طن فقط، أي نحو 9٪ من إجمالي إنتاج 2024. هذه الأرقام تكشف عن خلل بنيوي عميق في هيكل الإنتاج وتوزيع الموارد، حيث تستأثر أنشطة التعدين غير المنظّم بالحصة الأكبر من الإنتاج، دون أن تقابلها قدرة تنظيمية تحقق أعلى عائد ممكن من الموارد. ويُبرز الذهب بوصفه أهم سلعة استراتيجية في الاقتصاد السوداني، إذ يُشكّل نحو 70٪ من إجمالي الصادرات. ووفق البيانات، بلغت عائدات الذهب في عام 2024 نحو 1.5 مليار دولار أمريكي.
لا تقتصر أهمية الذهب في السودان على دوره الاقتصادي، بل تتجاوز ذلك إلى كونه عنصرًا محوريًا في الصراع الدائر. ففي 11 يونيو/حزيران 2025، أعلن الجيش السوداني انسحابه من المثلث الحدودي، عقب هجوم منسّق شنّته قوات الدعم السريع بالتعاون مع ميليشيا "سبل السلام" الليبية المدعومة من حفتر. لم يكن هذا الانسحاب مجرد تراجع عسكري، بل ضربة استراتيجية أفقدت القوات المسلحة موطئ قدم حيوي في أحد أهم ممرات التهريب في شمال أفريقيا.
لا يُستخلص من الذهب الخام في المرحلة الأولى سوى نحو 30٪ فقط، بينما تُهدر كميات ضخمة على شكل جزيئات دقيقة لا تُستعاد منها سوى 4.95 طن تقريبًا، أي ما يعادل 7٪ فقط من إجمالي الإنتاج
يُعدّ المثلث الحدودي بوابة رئيسية لتهريب الذهب السوداني، ما جعله هدفًا استراتيجيًا لقوات الدعم السريع، التي تسعى لاستعادة نفوذها على مناجم الذهب في منطقة عكاشة الواقعة على نهر النيل، حيث كانت شركة الجنيد التابعة للدعم السريع تدير ثلاث مناجم على الأقل قبل اندلاع الحرب. ولا يقتصر الصراع على الشمال فقط؛ ففي إقليم دارفور، تدور معارك طاحنة بين الجيش والدعم السريع للسيطرة على مدينة الفاشر، التي تُعد نقطة ارتكاز رئيسية لثروات الإقليم المعدنية. وتضم المنطقة أربع مناطق تعدين رئيسية، أبرزها القلايا والقطما، ويعمل فيها آلاف المنقبين.
تُترجم السيطرة على هذه المناطق إلى تمويل مباشر للآلة العسكرية. فوفقًا لتقرير قُدّم إلى مجلس الأمن في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، استخرجت قوات الدعم السريع ذهبًا من مناجم خاضعة لسيطرتها في دارفور بقيمة تُقدّر بنحو 860 مليون دولار خلال عام واحد فقط. وفي المقابل، تشير الحكومة السودانية المتمركزة في بورتسودان إلى أن إنتاج الذهب من المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش يُدرّ عائدات شهرية تُقدّر بـ 150 مليون دولار، أي نحو 1.6 مليار دولار سنويًا.
تؤدي الإمارات العربية المتحدة دورًا محوريًا في تأجيج الصراع السوداني، لا عبر الدعم العسكري والمالي المباشر لقوات الدعم السريع فحسب، بل من خلال هيمنتها على شبكة تهريب الذهب التي تمثّل أحد المحركات الرئيسية للحرب. تُشير التقديرات إلى أن ما بين 50٪ إلى 80٪ من إجمالي إنتاج الذهب السوداني يُهرّب إلى الخارج، وأن نحو 90٪ من هذه الكميات ينتهي في الإمارات، ما يجعل من أبو ظبي المستورد الرئيسي للذهب السوداني، سواء عبر القنوات الرسمية أو شبكات التهريب.
في يناير/كانون الثاني 2025، أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات على سبع شركات إماراتية، وذلك على خلفية تورّطها في تمويل قوات الدعم السريع، من خلال شبكات تهريب الذهب السوداني. وتشير الغارديان إلى أن الإمارات تُعدّ الطرف الأجنبي الأكثر انخراطًا في الحرب السودانية، لا عبر الدعم العسكري فقط، بل من خلال شبكة خفية تُهيمن على تدفّقات الذهب، الذي يُهرّب عبر مسارات إقليمية تمرّ عبر تشاد ومصر وإثيوبيا وجنوب السودان وأوغندا، قبل أن ينتهي في الإمارات، حيث يُعاد تصديره تحت غطاء قانوني. وبحسب بيانات التجارة الخارجية، فقد استوردت الإمارات معادن ثمينة من السودان بقيمة تُقارب 2.3 مليار دولار أمريكي عام 2022.
في مارس/آذار 2025، أعلن وزير المالية السوداني، أن بلاده ستوقف تصدير الذهب إلى الإمارات، وتسعى لإيجاد أسواق بديلة، في محاولة لكسر هيمنة إماراتية جعلت من الذهب وقودًا خفيًا للصراع. ويعزز هذا التوجس ما كشفه تقرير دولي عن تهريب أكثر من 405 أطنان من الذهب من دول الصحراء إلى الإمارات عام 2022، ما يرسّخ موقع أبو ظبي كمركز عالمي لغسل الذهب، وسط صمت دولي في كبح الاقتصاد غير الشرعي.
في موازاة النفوذ الإماراتي، يظهر التدخّل الروسي في السودان بوصفه لاعبًا آخر يستثمر في الذهب كأداة جيوسياسية. فقد بدأ هذا التدخل في عهد الرئيس السابق عمر البشير، حين سعى إلى تأمين دعم خارجي يُعزز فرص بقائه في الحكم. في عام 2017، دخلت مجموعة فاغنر الروسية البلاد بشكل رسمي، بناءً على دعوة من البشير، ما أسفر عن إبرام عدة اتفاقيات، كان أبرزها منح شركات روسية امتيازات واسعة للتنقيب عن الذهب، شملت التنازل عن حصة السودان البالغة 30٪ من بعض المناجم لصالح موسكو.
لم يتوقف الدور الروسي عند هذا الحد، بل امتد ليشمل شبكة تهريب الذهب. ووفقًا لتحقيق أجرته شبكة CNN، فقد تم توثيق 16 رحلة جوية سرّية من السودان إلى روسيا خلال عام ونصف، حملت كميات ضخمة من الذهب السوداني المُهرّب. وأدارت هذه العمليات شركة الصولاج السودانية، التي تعمل كواجهة لشركة ميروي جولد الروسية، ضمن شبكة معقدة تُخفي طبيعة المصالح المتشابكة.
في تطور لافت، اتّهمت الولايات المتحدة، في يناير/كانون الثاني 2025، روسيا أمام مجلس الأمن بأنها تموّل الطرفين في الصراع السوداني، وتُوظّف تجارة الذهب كأداة استراتيجية لتعزيز نفوذها، معتبرة أن استمرار هذه الأنشطة يُشكّل تهديدًا مباشرًا لاستقرار السودان. ويُعزّز هذا الطرح ما ورد في تقرير صادر عن لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم البريطاني عام 2023، الذي أشار إلى أن عمليات تهريب الذهب التي نفذتها فاغنر من السودان ساعدت روسيا على التخفيف من وطأة العقوبات الغربية المفروضة عليها بعد حربها مع أوكرانيا.
في سياق متصل، كشف تقرير أصدره "Blood Gold Report" في أواخر 2023 أن روسيا غسلت نحو 2.5 مليار دولار من عائدات الذهب الأفريقي، المُستخرج بطرق غير قانونية منذ اندلاع الحرب مع أوكرانيا، مشيرًا إلى أن موسكو تجني أكثر من 100 مليون دولار شهريًا من تجارة الذهب غير الشرعية في السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى ومالي، ما يعزز قدرتها على تمويل نفوذها الجيوسياسي في القارة وخارجها.
لم يعد الذهب وحده مطمعًا لقوات الدعم السريع، إذ تمتد شبكة الاستنزاف التي تنتهجها الميليشيا لتشمل موارد استراتيجية أخرى، أبرزها النحاس، الذي بات يشكّل مسارًا موازيًا لاقتصاد النهب المسلح في السودان. ففي تحقيق نشرته شبكة العربي الجديد، كُشف عن سرقة منهجية لمحولات وكابلات الكهرباء على يد قوات الدعم السريع، ما أدى إلى تدمير البنية التحتية الكهربائية في نحو 85٪ من منازل محليتي الخرطوم وشرق النيل.
تتفاقم الكوارث البيئية بفعل ممارسات التعدين غير المنظّم، رغم قرارات الحظر الرسمية استخدام مادتي الزئبق والسيانيد في تعدين الذهب
لا تقتصر هذه الممارسات على التخريب المحلي؛ إذ يُهرَّب النحاس المستخرج من تلك العمليات عبر مسارات متعددة، تبدأ من الخرطوم وتنتهي في سوق النعام بمنطقة أبيي الحدودية. هناك، يدخل النحاس إلى سوق موازٍ، يُنقل عبره إلى جنوب السودان ثم إلى أوغندا. وتشير التقديرات إلى أن الكمية المهرّبة من الخرطوم وحدها تتراوح بين 700 ألف إلى مليون طن، ما يعكس حجم النزيف الاقتصادي الذي تتعرض له البلاد.
في المقابل، تتفاقم الكوارث البيئية بفعل ممارسات التعدين غير المنظّم، رغم قرارات الحظر الرسمية استخدام مادتي الزئبق والسيانيد في تعدين الذهب منذ عام 2019، لا تزال هذه المواد السامة تُستخدم على نطاق واسع، مسببةً كوارث بيئية وصحية جسيمة. يُعد الزئبق المصدر الأكبر للتلوث، إذ يمثل نحو 38٪ من إجمالي الانبعاثات، ويتسبب في تسميم عمّال المناجم، وتدمير الأراضي الزراعية، وتسربه إلى المياه الجوفية، مما يهدد المنظومة البيئية.
كما كشفت تقارير بيئية بأن هذه السموم وصلت إلى نهر النيل، ما يعرّض أحد أهم مصادر المياه في السودان لخطر مباشر. وفي يونيو/حزيران 2025، أبلغ سكان من دارفور عن تسرّب خطير لمادة السيانيد، أدى إلى نفوق أعداد كبيرة من الماشية، في مؤشر على اتساع رقعة التلوث وفشل منظومة الرقابة البيئية. كما اضطرت السلطات في وقت سابق إلى إيقاف عمليات شركة تعدين تركية كانت تعمل على بُعد أقل من 25 كيلومترًا من مدينة دنقلا، في انتهاك للمعايير البيئية.
إن ما يجري في السودان اليوم ليس مجرد سباق على الذهب، بل صراع على الجغرافيا والشرعية ومستقبل الدولة. فقد تحوّل المعدن الأصفر إلى مرآة تعكس هشاشة النظام السياسي، وتُظهر كيف يمكن لثروة طبيعية أن تُعاد هندستها إلى لعنة وطنية، ما دامت تُدار بمنطق السلاح لا بمنطق السيادة.