الثلاثاء 10 مارس 2026
شهدت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا افتتاح أعمال القمة التاسعة والثلاثين لـ الاتحاد الأفريقي، وسط أجواء إقليمية مشحونة بالأزمات والحروب الداخلية والتوترات السياسية التي تضرب عددا من دول القارة، في لحظة توصف بأنها من أكثر المراحل تعقيدا في التاريخ الحديث للمنظومة الأفريقية.
تنعقد القمة هذا العام بينما لا تزال بؤر النزاع المسلح مشتعلة في أكثر من إقليم، مع تصاعد الأزمات الإنسانية واتساع رقعة النزوح، إلى جانب توترات سياسية وانتقالات هشة للسلطة في بعض الدول. كما تلقي التحديات الاقتصادية العالمية بظلالها على اقتصادات القارة، في ظل ارتفاع معدلات التضخم وتراجع تدفقات الاستثمار، ما يضع الاتحاد أمام اختبار حقيقي لقدرته على إدارة الأزمات وتعزيز السلم والاستقرار.
في هذا السياق، استضافت القمة حوارا رفيع المستوى بعنوان "دور القطاع الخاص في تحقيق أجندة أفريقيا 2063"، ناقش سبل تحويل التحديات إلى فرص، خاصة في مجالات التصنيع والتحول الطاقي والتكامل الاقتصادي. يأتي التركيز على البعد الاقتصادي باعتباره أحد المسارات الأساسية لمعالجة جذور النزاعات، عبر خلق فرص العمل وتوسيع قاعدة التنمية.
وخلال كلمته في الحوار، أكد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف أن القارة لم تعد تحتمل استمرار نموذج تصدير المواد الخام واستيراد السلع ذات القيمة المضافة، مشددا على أن أفريقيا، التي تضم نحو 1.4 مليار نسمة، وتمتلك قرابة 30 ٪ من المعادن الحيوية في العالم، قادرة على إحداث تحول صناعي حقيقي إذا ما توافرت الإرادة السياسية والشراكة الفاعلة مع القطاع الخاص.
وأوضح أن السياسات العامة وحدها لا تكفي، وأن التصنيع والانتقال في مجال الطاقة والابتكار الرقمي، وتطوير سلاسل القيمة، تتطلب انخراطا كاملا من مجتمع الأعمال الأفريقي، داعيا إلى بناء شراكة استراتيجية قائمة على النتائج بين الحكومات والقطاع الخاص.
كما تعهد الاتحاد بالعمل على تعزيز الاتساق التنظيمي بين الدول الأعضاء، وتقليص الحواجز غير الجمركية التي تعرقل حركة التجارة البينية، إضافة إلى إطلاق آلية رئاسية دائمة للحوار الاستراتيجي مع رجال الأعمال الأفارقة، بهدف تسريع تنفيذ المشاريع الكبرى المرتبطة بأجندة 2063.
وتحمل كلمات رئيس المفوضية بعدا سياسيا يتجاوز الاقتصاد، إذ شدد على أن “كل وظيفة هي مساهمة في السلام، وكل استثمار هو تصويت بالثقة في مستقبل أفريقيا”، في إشارة واضحة إلى الترابط بين التنمية الاقتصادية واحتواء النزاعات وتعزيز الاستقرار في القارة.
وتأتي القمة في ظرف إقليمي دقيق، حيث تواجه المنظومة الأفريقية تحديات تتعلق بتفعيل آليات منع النزاعات، وتعزيز الوساطات السياسية، وإعادة بناء الثقة بين الشعوب ومؤسسات الحكم. ويرى مراقبون أن نجاح القمة لن يقاس فقط بما يصدر عنها من بيانات، بل بمدى قدرتها على تحويل التعهدات إلى خطوات عملية تضع القارة على مسار التعافي والاستقرار.
ومن المنتظر أن تخرج القمة بحزمة قرارات تتعلق بملفات السلم والأمن، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وتسريع تنفيذ مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود، في محاولة لإعادة صياغة الدور الأفريقي إقليميا ودوليا في ظل عالم يشهد تحولات متسارعة وتنافسا متزايدا على الموارد والأسواق.