تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 9 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

بين سمعة الخطر وطفرة السياحة: كيف أصبحت الصومال وجهة للمغامرين؟

19 نوفمبر, 2025
الصورة
بين سمعة الخطر وطفرة السياحة: كيف أصبحت الصومال وجهة للمغامرين؟
Share

على مدى عقود، كان اسم الصومال مرادفًا للحرب الأهلية والقرصنة والخطر. فمنذ اندلاع الحرب الأهلية في تسعينيات القرن الماضي، لم يستقبل هذا البلد الواقع في شرق أفريقيا سوى أعدادا محدودة جدًا من الزوار القادمين من الغرب. ومع ذلك، وفي مفارقة لافتة، تشهد الصومال اليوم ارتفاعًا هادئًا ومتدرّجًا في السياح الأجانب، فيما أصبح شاطئ "ليدو" في مقديشو محطة أساسية على المسار السياحي الناشئ في البلاد.

زار البلاد، بحسب بيانات وزارة السياحة الصومالية، نحو 10 آلاف سائح عام 2024، بزيادة تقارب 50٪ مقارنة بالعام السابق، رغم استمرار معظم الحكومات الغربية في نصح مواطنيها بتجنّب السفر إلى هناك بشكل كامل.

يقول جيمس وِلكوكس، مؤسس شركة الرحلات المغامِرة أنتيمد بوردرز (Untamed Borders)، في حديث إلى "سي إن إن ترافل" إن الطلب على زيارة الصومال يتزايد بسرعة ملحوظة. فقد نظّمت شركته هذا العام 13 رحلة جماعية إلى مقديشو، مقابل رحلتين فقط عام 2023، وهو رقم قياسي بالنظر إلى صورة البلاد الأمنية.

في الأول من سبتمبر/أيلول 2025، أطلقت الحكومة الصومالية نظام تأشيرة إلكترونية جديدًا (eVisa) يهدف إلى تبسيط إجراءات الدخول، وتشجيع قدوم الزوار. لكن هذا التفاؤل سرعان ما اصطدم بالانقسامات؛ إذ أعلنت صوماليلاند، أنها لن تعترف بالتأشيرات الجديدة، في خطوة تعكس حدود سلطة الحكومة المركزية حتى وهي تحاول تقديم نفسها في صورة دولة أكثر استقرارًا.

تقول كارين سينّيغَر، وهي سويسرية زارت مقديشو عام 2020: "مقديشو مدينة خطرة، وتشعر بذلك منذ لحظة هبوط الطائرة". وتضيف: "لا بد من الإقامة داخل المحيط الآمن أو ما يُعرف بالمنطقة الخضراء، وحتى هناك وقعت تفجيرات". وتوضح سينّيغَر أن مغادرة تلك المنطقة تعني التنقّل ضمن قوافل مؤمّنة ترافقها الشرطة أو الجيش، كما قالت لـ"سي إن إن ترافل". ومع ذلك تضيف: "المشي على الشاطئ كان يمنحني شعورًا بالأمان".

تهديد الاختطاف

ما تزال الصومال تحتفظ بسمعتها كواحدة من أخطر الوجهات في العالم. فوزارة الخارجية والكومنولث والتنمية في المملكة المتحدة تحذّر من «تهديد عالٍ بالاختطاف». أما وزارة الخارجية الأمريكية فتصنّف الصومال ضمن فئة "المستوى الرابع: لا تسافر" (Level 4: Do Not Travel)، مشيرة إلى "الجريمة، والإرهاب، والاضطرابات المدنية، والمخاطر الصحية، والاختطاف، والقرصنة، وغياب الخدمات القنصلية الروتينية".

في مقديشو، شعرت بأن القيود الأمنية صارمة إلى حد منعها من التواصل بحرية مع السكان المحليين، بينما كان "الناس في صوماليلاند مرحّبين للغاية، ولم يصدقوا أننا اخترنا زيارة بلدهم"

هذه التحذيرات ليست مجرّد نصائح على الورق؛ فحركة «الشباب» المسلحة ما تزال نشطة في أنحاء واسعة من البلاد، بما في ذلك العاصمة مقديشو، حيث نفّذت عدة هجمات دامية في مطلع عام 2025. فلماذا يختار أحد مع ذلك السفر إلى هناك؟

بالنسبة إلى سينّيغَر، كانت الرحلة جزءًا من تحدٍّ شخصي: محاولة زيارة الدول الـ193 الأعضاء في الأمم المتحدة، والغوص في مياه كل واحدة منها باستخدام أجهزة السكوبا. وعندما فُقِدت معداتها خلال الرحلة الجوية، تدخّل غواص محلي لصيد الكركند على شاطئ ليدو، وأعارها نظام غوص بدائي من نوع «هوكا»؛ وهو خرطوم طويل متصل بضاغط هواء، مكّنها من إتمام غطستها وعدم كسر سلسلتها في مشروع "زيارة كل البلدان".

شهدت البلاد، بحسب الحكومة الصومالية، زيادة بنسبة 50٪ في أعداد السياح بين عامَي 2023 و2024. يقول وِلكوكس إن كثيرًا من زبائنه هم أيضًا من "جامعي البلدان" الذين يسعون إلى زيارة أكبر عدد ممكن من دول العالم، أو من عشّاق الوجهات القصوى. ويضيف: "تُعدّ مقديشو الوجهة الأعلى مخاطرة ضمن جميع الوجهات التي تشغّل فيها شركتنا رحلات". ومع أنه ينظّم ويقود الجولات إلى العاصمة منذ أكثر من عقد دون حوادث تُذكر، فإنه يقرّ بأن "خطر الهجمات حقيقي. فجميع الأماكن القليلة المتاحة أمام الضيوف الأجانب للإقامة يمكن أن تتحول إلى أهداف محتملة. لا يمكنك أن تخرج عن الرادار في مقديشو".

ومع ذلك، يشير إلى أن حدة القتال العنيف الذي شهدته البلاد في العقود السابقة قد تراجعت كثيرًا. ومن بين الذين استفادوا من هذا القدر النسبي من الاستقرار بيتر بولوك، المهندس البريطاني المتقاعد المتخصص في شبكات الصرف الصحي، الذي زار الصومال في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مع «أنتيمد بوردرز» في إطار مسعاه الشخصي لزيارة الدول الأفريقية الـ52 كافة.

تجربة مريحة على نحو غير متوقّع

رافق حراس مسلّحون بولوك في جولة إلى سوق السمك في مقديشو، والواجهة البحرية والكاتدرائية المهدّمة في المدينة. يقول لـ"سي إن إن": "لا بد أن أعترف بأن هذه كانت تجربة سفر مختلفة تمامًا عن أي شيء عشته من قبل". لكنه يضيف: "أنا أستمتع بالسفر إلى الوجهات الواقعة على الحافة، ولم أشعر في أي لحظة بعدم الأمان".

"أريد للزوار أن يدركوا أن بلدي مختلف تمامًا عن الصومال. بعض الناس يعتقد أنه غير آمن، وهذا غير صحيح؛ لذلك يمثّل قطاع السياحة وسيلة مهمة لتمييزنا عن الصورة النمطية المرتبطة بالصومال"

أما عن مغادرته البلاد، فيقول إن مستوى الأمن في المطار أثار إعجابه: "كانت إجراءات التفتيش سلسة ومنظّمة؛ تجربة أكثر راحة بكثير من المرور عبر مطار هيثرو في لندن".

رغم ذلك، تبقى التحديات الإنسانية في الصومال حادّة. فوفقًا لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، أدت النزاعات والتوترات السياسية والكوارث المناخية إلى تهجير أكثر من 550 ألف شخص داخل البلاد عام 2024، لينضموا إلى نحو ثلاثة ملايين نازح داخليًا. أما القرصنة في خليج عدن والمحيط الهندي، فعلى الرغم من تراجعها مقارنة بسنوات الذروة، لا تزال تُعدّ تهديدًا قائمًا.

يقول وِلكوكس: "بعض أجزاء الصومال بالغة الخطورة، وهناك أماكن سيكون من الحماقة الشديدة أن يذهب إليها أي شخص أجنبي".

صوماليلاند: الوجه الآمن للمنطقة

إلى الشمال الغربي من مقديشو، تقدّم جمهورية صوماليلاند المعلَنة من طرف واحد، والتي تتمتع بحكم ذاتي فعلي منذ عام 1991، تجربة مختلفة تمامًا عن الصومال. فهي تمتلك قوات مسلحة خاصة بها، وحكومة منتخبة ديمقراطيًا، وعملة وطنية، وقد ظلت لسنوات تُعدّ الطريق الأكثر أمانًا لزيارة الأراضي الصومالية الكبرى.

تقول ديقه حسن عبدي، وهي من أوائل المرشدات السياحيات في صوماليلاند: "لدى الناس كثير من التصوّرات الخاطئة عن صوماليلاند، لأنهم يخلطون بينها وبين الصومال". وتضيف: "أريد للزوار أن يدركوا أن بلدي مختلف تمامًا عن الصومال. بعض الناس يعتقد أنه غير آمن، وهذا غير صحيح؛ لذلك يمثّل قطاع السياحة وسيلة مهمة لتمييزنا عن الصورة النمطية المرتبطة بالصومال".

"خطر الهجمات حقيقي. فجميع الأماكن القليلة المتاحة أمام الضيوف الأجانب للإقامة يمكن أن تتحول إلى أهداف محتملة. لا يمكنك أن تخرج عن الرادار في مقديشو"

وتأمل عبدي أن تحظى صوماليلاند يومًا ما باعتراف دولي، وتؤمن بأن السياحة قادرة على وضع بلادها على الخريطة. وتقول: "تقدّم صوماليلاند تجربة مُجزية للمسافرين الذين يبحثون عن شيء مختلف". وتشير إلى الرسومات الصخرية القديمة والثقافة البدوية والشواطئ البِكر، باعتبارها من أبرز عناصر الجذب. وتتابع: "المكان المفضّل لديّ لاصطحاب السياح هو السوق الشعبي وسط هرجيسا. أعشق إشراكهم في أحاديث مع السكان المحليين. عندها يدركون مدى حفاوة أهلنا، وكيف أن التجوّل سيرًا في المدينة آمن تمامًا، ولا يحتاج إلى مرافقة حارس".

خارج هرجيسا، عاصمة صوماليلاند، يحتاج السياح إلى مرافقة شرطة مسلّحة، بينما تُدرج الحدود مع باقي الصومال على أنها مناطق محظورة في معظم الإرشادات الصادرة عن الحكومات الغربية. ومع ذلك، يرى دِيلَن هاريس، مؤسس شركة "لوبين ترافل" (Lupine Travel)، التي تنظّم رحلات إلى صوماليلاند منذ عام 2013، أن صوماليلاند لا تزال خيارًا أكثر أمانًا بكثير من الصومال نفسها.

يقول هاريس: "في صوماليلاند، تشكّل لوحات الكهوف في موقع لاسغيل، التي يعود تاريخها إلى خمسة آلاف عام، أبرز ما يجذب الزوار". ويضيف: "لكن كثيرين يهتمون أيضًا برؤية السفن المهجورة في ميناء بربرة القديم". ويشير إلى أن أعمال العنف المتطرّف وحوادث الاختطاف والقرصنة البحرية في عرض البحر ما تزال من مصادر القلق في الصومال، قبل أن يضيف: "عدد المهتمين بزيارة الصومال أقل بكثير، على الأرجح لأن صوماليلاند حاليًا أكثر أمانًا بكثير، ومعظم أجزائها قابلة للاستكشاف السياحي".

ليس لضعاف القلوب

تتفق معه كلير ماكِن، التي تستمتع بالسفر إلى الوجهات صعبة الوصول، وقد زارت كلًا من الصومال وصوماليلاند مع "أنتيمد بوردرز". وتقول: "ستظهر صوماليلاند على الخريطة السياحية قبل الصومال بفارق كبير". ففي مقديشو، شعرت بأن القيود الأمنية صارمة إلى حد منعها من التواصل بحرية مع السكان المحليين، بينما كان "الناس في صوماليلاند مرحّبين للغاية، ولم يصدقوا أننا اخترنا زيارة بلدهم". وتختم: "الصومال ليست وجهة لضعاف القلوب".

كانت شركتا "أنتيمد بوردرز" و"لوبين ترافل" في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تنظّمان عدة رحلات إلى مقديشو، بالتزامن مع قمة موست ترافلد بيبل (Most Traveled People’s Summit)، وهو تجمّع سنوي لعشّاق السفر إلى أقصى وأصعب المناطق في العالم، يُقام في إثيوبيا المجاورة. وبالنسبة إلى كثير من المشاركين في القمة، تبدو جولة قصيرة إلى الصومال بمثابة «الورقة الرابحة» في سجل أسفارهم.

ومع ذلك، من المرجّح أن تظل الصومال وجهة سياحية متخصّصة ومحدودة الإقبال في المستقبل المنظور. فحتى مع نظام التأشيرة الإلكترونية الجديد، يبقى المشهد السياحي مجزّأً؛ إذ لا ينطبق النظام الذي أطلقته الحكومة المركزية حاليًا إلا على الوافدين إلى مقديشو، بينما رفضت صوماليلاند، الانضمام إليه، متمسكة بنظامها الخاص لإصدار التأشيرات.