تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 12 أغسطس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

بين شرعية الاتفاقات ومخاوف العسكرة.. الوجود البوروندي في الكونغو يشعل الخلاف مع رواندا

5 يوليو, 2026
الصورة
بين شرعية الاتفاقات ومخاوف العسكرة.. الوجود البوروندي في الكونغو يشعل الخلاف مع رواندا
Share

صعّدت الحكومة الرواندية انتقاداتها للدور العسكري البوروندي في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، داعية حكومة بوروندي إلى إنهاء مشاركتها العسكرية المباشرة في العمليات الجارية داخل الأراضي الكونغولية، ومعتبرة أن استمرار التدخلات العسكرية الإقليمية يمثل أحد أبرز العوائق أمام الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء النزاع المستمر في منطقة البحيرات العظمى.

جاءت هذه التصريحات خلال سلسلة لقاءات أجراها مسؤولون روانديون مع ممثلين للأمم المتحدة وشركاء دوليين على هامش المشاورات المتعلقة بالأزمة في شرق الكونغو، حيث أكدت كيغالي أن تحقيق تقدم في مسارات الوساطة الإقليمية والدولية يتطلب "وقف جميع أشكال التدخل العسكري الخارجي التي تؤدي إلى تعقيد المشهد الأمني والسياسي". وتأتي هذه المواقف في وقت تتواصل فيه الجهود التي تقودها الولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي وقطر وعدد من الشركاء الإقليميين لدفع الأطراف المتنازعة نحو اتفاق سياسي وأمني شامل.

تتمركز قوات بوروندية منذ أواخر عام 2023 في عدة مناطق بشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، بموجب اتفاقات أمنية ثنائية بين بوجمبورا وكينشاسا، وشاركت هذه القوات في عمليات عسكرية ضد جماعات مسلحة تنشط في إقليمي شمال وجنوب كيفو، وعلى رأسها حركة "ريد تابارا" المعارضة للحكومة البوروندية، بالإضافة إلى مجموعات مسلحة محلية وإقليمية أخرى.

غير أن رواندا تنظر إلى هذا الوجود العسكري باعتباره عاملاً إضافياً في عسكرة الأزمة، وتتهم بعض القوى الإقليمية باستغلال الحرب في شرق الكونغو لتحقيق أهداف سياسية وأمنية تتجاوز إطار مكافحة الجماعات المسلحة. وتؤكد كيغالي أن تعدد الجيوش الأجنبية العاملة داخل الأراضي الكونغولية يزيد من احتمالات التصعيد العسكري ويقوض فرص التوصل إلى تسوية دائمة.

يأتي التصعيد الدبلوماسي الرواندي في سياق توتر متواصل بين رواندا وبوروندي منذ عدة سنوات، حيث تتبادل الدولتان الاتهامات بدعم جماعات معارضة تعمل ضد حكومتيهما. فقد اتهمت بوروندي مراراً رواندا بدعم جماعات متمردة تسعى إلى زعزعة الاستقرار داخل أراضيها، بينما تتهم رواندا السلطات البوروندية بالتعاون مع جماعات مسلحة معادية لكيغالي، بعضها ينشط داخل شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. وعلى الرغم من بعض محاولات التقارب التي شهدتها العلاقات الثنائية خلال السنوات الماضية، فإن الأزمة الكونغولية أعادت إحياء التوترات الأمنية والسياسية بين البلدين، وحولت شرق الكونغو مجدداً إلى ساحة للتنافس الإقليمي بين عدة قوى في منطقة البحيرات العظمى.

تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ظل الجهود الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي للتوصل إلى اتفاق دائم بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، بعد أشهر من الوساطات المكثفة التي شملت لقاءات مباشرة وغير مباشرة بين مسؤولين من البلدين. وكانت واشنطن قد نجحت خلال الأشهر الماضية في دفع كيغالي وكينشاسا إلى توقيع تفاهمات أولية تتعلق بوقف التصعيد العسكري وتعزيز آليات المراقبة الحدودية، فيما يعمل الاتحاد الأفريقي على تطوير إطار أمني إقليمي يهدف إلى معالجة الأسباب البنيوية للنزاع، بما في ذلك نشاط الجماعات المسلحة الأجنبية والمحلية. إلا أن استمرار الانخراط العسكري المباشر لدول إقليمية أخرى، وفقاً لمسؤولين دبلوماسيين، يهدد بإضعاف فرص نجاح هذه المبادرات.

من جانبها، تؤكد الحكومة البوروندية أن وجود قواتها داخل شرق الكونغو يستند إلى اتفاقات رسمية مع حكومة كينشاسا، ويهدف أساساً إلى حماية الأمن القومي البوروندي ومنع الجماعات المسلحة المعارضة من استخدام الأراضي الكونغولية كقاعدة لشن هجمات ضد بوروندي.

كما ترى بوجمبورا أن انسحاب قواتها في الظروف الحالية قد يؤدي إلى فراغ أمني تستفيد منه الجماعات المسلحة العابرة للحدود. وفي المقابل، يعتقد محللون أن التداخل بين المصالح الأمنية الوطنية للدول المجاورة والأزمة الداخلية في شرق الكونغو جعل من الصعب الفصل بين عمليات مكافحة التمرد والتنافسات الجيوسياسية الإقليمية، الأمر الذي ساهم في إطالة أمد النزاع وتعقيد جهود التسوية.

يرى مراقبون أن الدعوة الرواندية الأخيرة تعكس تحولاً أوسع في استراتيجية كيغالي الدبلوماسية، التي باتت تركز بصورة متزايدة على تدويل ملف التدخلات الإقليمية في شرق الكونغو وربطه بمسارات الوساطة الدولية الجارية. كما تعكس المخاوف المتزايدة لدى الأطراف الدولية من أن استمرار تعدد القوى العسكرية الأجنبية العاملة داخل شرق الكونغو قد يؤدي إلى تقويض أي اتفاق سياسي محتمل، ويحول الأزمة مجدداً إلى صراع إقليمي مفتوح.

في ظل استمرار التوتر بين رواندا وبوروندي، وتعدد الفاعلين العسكريين داخل الأراضي الكونغولية، تبدو فرص الوصول إلى تسوية شاملة ومستدامة مرتبطة إلى حد كبير بقدرة الوسطاء الدوليين والإقليميين على التوصل إلى تفاهمات أمنية تتجاوز النزاع الكونغولي نفسه، لتشمل مجمل التوازنات السياسية والأمنية في منطقة البحيرات العظمى.