تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 7 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

بين سحر الكرة وسطوة المال.. الكان ينهي عقدة التفوق الأوروبي

5 يناير, 2026
الصورة
بين سحر الكرة وسطوة المال.. الكان ينهي عقدة التفوق الأوروبي
Share

مع كل دورة جديدة لكأس أمم أفريقيا تتجدد الأسئلة عن مؤهلات القارة للاستثمار في كرة القدم على غرار باقي البطولات القارية، فقد تحولت الرياضة من هواية وتسلية، كما يوحي بذلك مصطلح "Sport" في اللغة الفرنسية والإنجليزية المنحدر من الأصل اللاتيني Disport، ومعناه التحويل والتغيير إلى التسلية والترويح عن طريق الرياضة، نحو الاحتراف والمهنية. فسوق الرياضة العالمي بلغ 507 مليارات دولار عام 2025، ما يثبت التحول من "الرياضة كهواية" إلى "الرياضة كصناعة".

تسعى أفريقيا جاهدة لنيل نصيبها من هذه السوق العالمية المزدهرة، خصوصا كرة القدم ذات القدرة على تحريك قطاعات اقتصادية عديدة من سياحة وبنية تحية ونقل وفندقة، فضلا عن اقتصاد مواز نشيط فوق المستطيل الأخضر وبجنباته (أسعار التذاكر، عقود الرعاية، أجور اللاعبين، حقوق البث الإعلامي...). ما يعني أن الملاعب لم تعد فقط أماكن لصناعة الفرجة بل أضحت أيضا فضاءات لتوليد الثروات، لعلها تساهم بذلك في تغيير خريطة الاقتصاد الأفريقي.

لقد ولى زمن انحصار الاهتمام بكأس أمم أفريقيا بين جماهير القارة، بعدما تحولت البطولة إلى منتج تجاري ضخم تتعدى أبعاده حدود أفريقيا، بما تدره من أرباح هائلة من البث والإشهار والرعاية، وما يجذبه من اهتمام عالمي ومتابعين وجماهير من مختلف بقاع العالم.

اقتصاد الكان.. قصة صعود مالي

سجلت الدورات الأخيرة من بطولة كأس أفريقيا نموا ملفتا، ما يؤكد أن البطولة تحولت إلى مرآة لاقتصاد قارة تسعى جاهدة للاستفادة من ثروتها البشرية مع كل نسخة جديدة من البطولة. وهذا ما تحديدا ما غير نظر الرعاة العالميين نحوها، فالكثير منهم يتعاملون مع الكان باعتباره مدخلا يتيح لهم إمكانية الوصول لاقتصاد يقدر بقيمة 3 تريليونات دولار، وفقا لبيانات صندوق النقد الدولي، وسوق استهلاكية بنحو 1٫4 مليار نسمة بنسبة شباب تفوق 60٪.

حتى مطلع الثمانيات كانت بطولة أمم أفريقيا من أجل المجد، فالهدف وراء المشاركة هو تعزيز السيادة القارية والهوية الوطنية للدول. عام 1984 تغير الوضع، بتسجيل النسخة 14 في ساحل العاجل أولى خطوات الاحتراف التجاري. تدريجيا، بدأ التسويق بدخول شركاء عالميين رسميين ما ساهم في رفع الجوائز المالية نسبيا، وإن ظلت متواضعة مقارنة بالبطولات القارية الأخرى.

يشكل إجمالي الأفارقة المحترفين في الأندية الأوروبية بنسبة 25٪ من مجموعة لاعبي هذه البطولة، ما يعكس بوضوح النمو المتسارع لكرة القدم الأفريقية خلال السنوات الأخيرة

مع ازدهار اقتصاد الرياضة عالميا سجلت البطولة "انفجارا ماليا" بتحقيق آخر ثلاث دورات قفزات مالية مهمة، ناهيك عن تقديرات تفيد بأن دورة المغرب هي الأكبر ربحية في تاريخ البطولة، بإيرادات قدرت بنحو 192 مليون دولار، وصافي أرباح فاق 113 مليون، وحقوق بث بنحو 46 مليون دولار. أما إجمالي الجوائز فقد ارتفع بنسبة 40٪ عن دورة ساحل العاج حيث بلغ 32 مليون دولار.

في ذات السياق نشير إلى أن نسخة 2023 سجلت أرقاما قياسا في تاريخ البطولة، فقد تحدث رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم باتريس موتسيبي عن أكثر من ملياري مشاهد حول العالم. وذكرت تقارير إعلامية عن تجاوز المشاهدات الرقمية عبر المنصات الإلكترونية 2٫2 مليار مشاهدة، ما شكلت زيادة بنسبة 650٪ مقارنة بدورة الكاميرون التي سجلت 350 مليون مشاهدة.

توقع الاتحاد الأفريقي لكرة القدم "الكاف" أن يحقق الحدث القاري عوائد اقتصادية مباشرة وغير مباشرة قياسية، فوفق معطيات رسمية تم بيع أكثر من مليون تذكرة قبل انطلاق فعاليات الكان، وفي المجمل ينتظر أن يبلغ إجمالي الإيرادات المالية نحو 312 مليون دولار، أي بزيادة تقارب 88٪ مقارنة بدورة 2023ـ2024.

أقدام أفريقية تصنع الفرجة في أوروبا

تبقى هذه الأرقام متواضعة جدا مقارنة بكأس أوروبا؛ فآخر بطولة لليور حققت 2٫6 مليار دولار، ما يظهر الفارق الضخم بين البطولتين. وهكذا تكشف عن مقارنة الجوائز، فرغم الزيادة في جوائز الكان حيث ينال بطل أمم أفريقيا 7 ملايين دولار، فإنها لا ترقى إلى نظيرتها في بطولة أمم أوروبا، حيث تحصل المنتخبات الأوروبية المشاركة في البطولة 10٫7 مليون دولار قبل صافرة البداية، فيما حصلت إسبانيا ـ بطل دورة 2024ـ بعد فوزها على إنجلترا على 33 مليون دولار.

زيادة عن المشكل المالي الذي يبقى نسبيا مفهوما، وإن كانت المؤشرات تسير نحو تجاوزه، تواجه بطولة أمم أفريقية عنصرية استعمارية مقيتة، تتمثل في امتعاض الكثير من الأندية الأوروبية من البطولة القارية، لأنها - حسب هؤلاء - تربك برامج المنافسات المحلية والقارية، وإن كان الأمر أعمق من ذلك لأنها تذكرهم كل عامين بحقيقة طالما رغبوا في إخفائها، وهي أن الفرجة في الملاعب الأوروبية تصنع بأقدام أفريقية.

حتى مطلع الثمانيات كانت بطولة أمم أفريقيا من أجل المجد، فالهدف وراء المشاركة هو تعزيز السيادة القارية والهوية الوطنية للدول

تفيد الأرقام بأن 19 منتخبا من أصل 24 مشاركا في الدورة الحالية تضم لاعبين يحترفون في الدوريات الست الكبرى بأوروبا. بعبارة أوضح، تعرف الدورة مشاركة 672 لاعبا، يحترف 171 منهم في دوريات القارة العجوز. نجد في الصدارة الدوري الفرنسي ب 51 لاعبا، يليه الدوريين الإنجليزي والهولندي ب 33 لاعب في كل منهما، ثم الدوري الإيطالي ب 21 لاعبا، فالدوري الألماني ب 17 لاعبا، وأخيرا الدوري الإسباني بـ 16 لاعبا.

على مستوى المنتخبات، يتصدر المنتخب السنغالي لائحة أكثر المنتخبات المشاركة في البطولة استدعاء للاعبين من الدوريات الكبرى بـ21 لاعبا، يليه المنتخب المغربي بـ14 لاعبا، ثم منتخب الكوت ديفوار بـ13 لاعبا. باختصار، يشكل إجمالي الأفارقة المحترفين في الأندية الأوروبية بنسبة 25٪ من مجموعة لاعبي هذه البطولة، ما يعكس بوضوح النمو المتسارع لكرة القدم الأفريقية خلال السنوات الأخيرة.

الكان يفضح الاستعلاء الأوروبي

عند كل دورة جديدة لبطولة أمم أفريقيا يمتعض الكثيرون في النوادي والبطولات الأوروبية من الحدث، تارة بانتقادهم لموعد تنظيم الحدث القاري، وتارة أخرى بتحفظهم على فكرة اللعب في الأجواء الأفريقية لكونها تعرض اللاعبين لضغط بدني قاس لم يتعودوا عليه، ما ينعكس على أدائهم في الموسم الرياضي. وهذا ما عبّر عنه مدير تطوير كرة القدم في الفيفا، أرسين فينغر، بتأكيده أن "إقامة كأس الأمم الأفريقية خلال الموسم الأوروبي تطرح إشكالا حقيقيا على مستوى العدالة التنافسية، فبعض الأندية تتأثر أكثر من غيرها، وهذا خلل يجب التفكير فيه بجدية".

في المقابل، دافع رئيس الكاف باتريس موتسيبي عن الحدث القاري، معتبرا أن "كأس الأمم الأفريقية مسابقة رسمية معترف بها من الفيفا، ولها نفس الشرعية التي تحظى بها البطولات القارية الأخرى. لا يمكن الحديث عن كرة قدم عالمية عادلة دون احترام مواعيد المنافسات الأفريقية وحقوق منتخباتها".

"اللاعبون الأفارقة أصبحوا من أعمدة الأندية الكبرى في أوروبا، وعندما يغادرون للانضمام إلى منتخباتهم، يتدهور مستوى المنافسة"

رفض آخر للاستعلاء الأوروبي هذه المرة من أحد أبنائها، توم سينتفيت، مدرب منتخب مالي، الذي رفض إدارة كرة القدم من منظور أوروبي خالص، مطالبا ب"احترام أكبر لكرة القدم الأفريقية". وسجل رفضه التمييز الواضح حيال البطولة الأفريقية بتأجيل تحرير اللاعبين ما خلق تمييزا في المعاملة مقارنة ببطولات عالمية أخرى، معتبر أنه ينبغي احترام أفريقيا في تنظيم بطولتها وفقا لظروفها المناخية والتنظيمية.

ولم يتردد المدافع الإنجليزي السابق ريو فيرديناند في المطالبة بإيقاف البطولات المحلية خلال فترة كأس أفريقيا، ف"اللاعبون الأفارقة أصبحوا من أعمدة الأندية الكبرى في أوروبا، وعندما يغادرون للانضمام إلى منتخباتهم، يتدهور مستوى المنافسة"، وأضاف في اعتراف مزعج لأصحاب تفوق العرق الأوروبي، "يجب على الدوريات الأوروبية أن تتوقف خلال كأس الأمم الأفريقية، الأمر بسيط. هذا من شأنه أن يمنع تراجع جودة المنافسة في ظل غياب اللاعبين الأفارقة".

يدرك الاتحاد الأفريقي أن السيادة والاعتراف كل لا يتجزأ في السياسية والاقتصاد وحتى في الرياضة، ما دفعه إلى إقرار بوصلة زمنية جديدة لكأس أمم أفريقيا بدءا من عام 2028، بتحويلها لموعد دوري كل أربع سنوات، ما يساهم في الرفع من البطولة القارية أداء وتنظيما ومتعة. من شأن ذلك أن يؤجج الصراع في بعديه الاقتصادي والرمزي مع أبناء القارة العجوز، فهم المركز وبقية العالم مجرد توابع، لذلك يجب أن تظل كرة القدم الأوروبية السردية الأهم عن هذه الرياضة، فلا سبيل لبروز بطولة أخرى منافسة تسقط عنها هذا المجد، ولو كان تشييده بأقدام أفريقية.