الأحد 15 فبراير 2026
تتعرض الحكومة الفيدرالية في مقديشو، بقيادة الرئيس حسن شيخ محمود، لانتقادات متصاعدة من شخصيات جمهورية نافذة في الولايات المتحدة، تُحمّلها مسؤولية إخفاقات في الأمن والحكم، وتدفع في المقابل نحو اعتراف واشنطن بصوماليلاند. ويستند هذا التيار إلى ما يصفه بأهمية الموقع البحري لصوماليلاند على خليج عدن قرب مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات العالمية إلى البحر الأحمر، معتبرين أن ذلك يمنحها قيمة استراتيجية، قد تجعله بديلاً عملياً لجيبوتي التي تستضيف حالياً أكبر قاعدة أمريكية في أفريقيا. ومن شأن هذا التحول، وفق حجج هؤلاء، أن يسهّل للولايات المتحدة استخدام ميناء ومطار بربرة، الذي يضم أحد أطول المدارج في المنطقة.
يعتقد مؤيدو هذا التوجه أن فرص الاعتراف الأمريكي ازدادت بعد إعلان إسرائيل، في 26 ديسمبر/كانون الأول، اعترافها بصوماليلاند. لكن هذا المسار يواجه قيودًا عديدة؛ فاعتراف واشنطن قد يُنظر إليه بوصفه تخلياً عن الحكومة الفيدرالية الصومالية، التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة في جانب كبير من عمليات مكافحة الإرهاب في المنطقة. كما أنه قد يضع الإدارة الأمريكية في مواجهة مع أطراف دولية وإقليمية ترفض الاعتراف، من بينها تركيا والصين والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي.
وفي الداخل الأمريكي، يوجّه بعض حلفاء الرئيس ترامب اتهامات إلى الجالية الصومالية بالتورط في عمليات احتيال مرتبطة بخدمات ممولة عبر برنامج "ميديكيد"، وهي ملفات تقول وزارة العدل إنها تحقق فيها. ويذهب آخرون أبعد من ذلك، بالقول إن جزءاً من عائدات هذه العمليات جرى غسله في كينيا، ثم استُخدم لتمويل أنشطة حركة الشباب ضد حكومة مقديشو. وفي هذا السياق، شنّ ترامب هجوماً مباشراً على النائبة إلهان عمر ذات الأصول الصومالية، ودعا إلى ترحيلها إلى الصومال.
ردّت إلهان عمر بالدعوة إلى ملاحقة جميع المتورطين في قضايا الاحتيال قضائياً، لكنها قالت إنها "واثقة إلى حد كبير" من أن الربط بالإرهاب "غير صحيح". كما أدانت وصف ترامب للصوماليين بـ"القمامة"، معتبرةً أنه خطاب "مقزز". وبالتوازي مع هذا السجال السياسي، تستعد إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) في مينيسوتا لإطلاق حملة واسعة ضد الصوماليين غير الموثّقين في الولاية.
في ملف صوماليلاند، فتذهب "نيستبوينت" أبعد بكثير؛ إذ تتعهد، بموجب عقدها مع قصر الرئاسة في هرجيسا، بوضع وتنفيذ "استراتيجية شاملة" هدفها دفع الحكومة الأمريكية نحو الاعتراف بصوماليلاند
كل هذه التطورات تجعل مهمة روجر ستون أكثر تعقيداً. فستون، أحد أكثر المقرّبين من ترامب تشدداً، يتولى حالياً مهمة الضغط السياسي في واشنطن لصالح حكومة الرئيس حسن شيخ محمود في الصومال. ويعمل على هذا الملف عبر شركة أرسنال للعلاقات الحكومية والشؤون العامة (Arsenal Government and Public Affairs Group) التي تتخذ من ولاية فيرجينيا مقراً لها، ويقودها الاستراتيجي الجمهوري كريستوفر نيويم.
لا يقتصر نشاط شركة «أرسنال» على الملف الصومالي؛ إذ تشير التقارير إلى أنها تدير عقوداً أخرى، من بينها اتفاق احتفاظ بقيمة 525 ألف دولار لدعم حملة رجل الأعمال الكيني جيمي وانجيجي للرئاسة في 2027، إلى جانب عقد مع حلفاء نائب رئيس جنوب السودان السابق رياك مشار تيني دورغون
وبحسب الإفصاح المودَع بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA)، تبلغ قيمة عقد شركة "أرسنال" 528 ألف دولار سنوياً، وقد أُبرم مع طاهر عبدي، سفير الصومال لدى واشنطن. وعلى الرغم من أن العقد قُدم رسمياً في 18 ديسمبر/كانون الأول، فإن العمل عليه بدأ منذ أكتوبر/تشرين الأول.
أما روجر ستون، المعروف بدوره في كواليس السياسة الأميركية وأساليب "الحملات القذرة"، فقد ورد اسمه في ملف الإفصاح بصفته "خبيراً سياسياً ومستشاراً ومشاركاً في قيادة الحملة". وتقول "أرسنال" إن تركيزها سيكون على ثلاثة عناوين أساسية لصالح الحكومة الصومالية تتمحور حول التعاون الأمني، وتطوير العلاقات التجارية، ودعم التنمية الاقتصادية. ومن أولى الخطوات التي عُدّت مكسباً مبكراً على مستوى العلاقات العامة، ترتيب مقابلة للرئيس حسن شيخ على قناة »نيوزماكس« المحافظة في 15 أكتوبر/تشرين الأول.
تبرز شركة نيستبوينت أسوشيتس - وهي واحدة من شركات الضغط الجديدة القريبة من دائرة ترامب - بوصفها لاعباً يقتنص العقود لصالح خصوم مقديشو. تتخذ الشركة من ولاية تكساس مقراً، وقد وقّعت عقود احتفاظ بقيمة 90 ألف دولار سنوياً مع حكومة بوروندي ومع مسؤولين في صوماليلاند. ويبدو
قد يعني اتفاق "أرسنال" عملياً نهاية عقد سابق كانت الصومال قد وقّعته قبل عام بقيمة 600 ألف دولار مع مجموعة «BGR»، وهي من شركات الضغط التقليدية في واشنطن. يرأس المجموعة بوب وود، المدير التنفيذي ورئيس مجلس الإدارة، ويتشارك في إدارتها مع إد روجرز؛ وكلاهما ينتمي إلى المدرسة الجمهورية القديمة المرتبطة بحقبة رونالد ريغان.
أما روجر ستون نفسه، فيُعد من أقدم حلفاء ترامب وأكثرهم قرباً منه. وقد منحه ترامب عفواً رئاسياً في ديسمبر/كانون الأول 2020، بعدما قضى حكماً بالسجن لمدة 40 شهراً بتهمة عرقلة التحقيق الذي قاده المدعي الخاص روبرت مولر حول التدخل الروسي في انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2016.
وكان روجر ستون ضمن فريق حملة ترامب عام 2016، لكنه لم يتولّ أي منصب رسمي في الحكومة. وخلال الولاية الأولى لترامب، عمل ستون لصالح شركة الاستثمار كابستون فاينانشال غروب (Capstone Financial Group) في مدينة بوفالو، التي تنشط في تسويق المواشي الأفريقية على المستوى الدولي. كما انصبّت أعماله أيضاً على ملفات السياسة العسكرية والخارجية الأمريكية، فضلاً عن مبيعات الطائرات المسيّرة.
غير أن مهمة ستون في الدفاع عن حكومة مقديشو أصبحت أكثر إرباكاً بعد إعلان إسرائيل الاعتراف باستقلال صوماليلاند. ويقول وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن قرار الاعتراف مرتبط بـ"اتفاقات أبراهام"، وهي التفاهمات الدبلوماسية التي رعتها الولايات المتحدة ووقِّعت عام 2020 خلال الولاية الأولى لترامب، وأسفرت عن تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية وشمال الأفريقية، من بينها المغرب والإمارات العربية المتحدة.
اعتراف واشنطن قد يُنظر إليه بوصفه تخلياً عن الحكومة الفيدرالية الصومالية، التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة في جانب كبير من عمليات مكافحة الإرهاب في المنطقة. كما أنه قد يضع الإدارة الأمريكية في مواجهة مع أطراف دولية وإقليمية ترفض الاعتراف، من بينها تركيا والصين والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي
بحسب مؤسسة نيو أميركا (New America Foundation)، وهي مركز أبحاث ليبرالي في واشنطن، نفذت الولايات المتحدة خلال هذا العام ما لا يقل عن 111 ضربة جوية ضد جماعات مسلحة في الصومال، استهدفت غالبيتها فصائل مرتبطة بحركة "الشباب" وتنظيم "الدولة الإسلامية". وتضيف المؤسسة أن تنفيذ هذه الضربات باتت أسهل بعدما ألغى وزير الدفاع بيت هيغسيث القيود التي كانت تشترط موافقة البيت الأبيض على الضربات التي تُنفَّذ خارج مناطق الحرب.
وفي سياق موازٍ، تخوض إدارة ترامب خلافاً مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن تمويل بعثة دعم واستقرار الاتحاد الأفريقي في الصومال (AUSSOM). ويصر حلفاء ترامب على أن الأمم المتحدة يجب أن تتحمل العبء الأكبر من تمويل مهمة التدريب، التي يفترض أن تمهّد لتولي الجيش الوطني الصومالي قيادة العمليات بحلول عام 2029.
وفي المقابل، تبرز شركة نيستبوينت أسوشيتس (Nestpoint Associates) -وهي واحدة من شركات الضغط الجديدة القريبة من دائرة ترامب - بوصفها لاعباً يقتنص العقود لصالح خصوم مقديشو. تتخذ الشركة من ولاية تكساس مقراً، وقد وقّعت عقود احتفاظ بقيمة 90 ألف دولار سنوياً مع حكومة بوروندي ومع مسؤولين في صوماليلاند. ويبدو أن عقد بوروندي محدود الطابع السياسي، إذ يتركز في الأساس على مساعدة مسؤولي بوجومبورا في الحصول على تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة.
أما في ملف صوماليلاند، فتذهب "نيستبوينت" أبعد بكثير؛ إذ تتعهد، بموجب عقدها مع قصر الرئاسة في هرجيسا، بوضع وتنفيذ "استراتيجية شاملة" هدفها دفع الحكومة الأمريكية نحو الاعتراف بصوماليلاند. وخلال شهري أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني، أجرى مسؤولو الشركة سلسلة لقاءات مع عدد من مساعدي الجمهوريين في الكونغرس في إطار هذا المسعى.
من المرجح أن يمنح قرار إسرائيل الاعتراف بصوماليلاند ـ بوصفه أول اعتراف يصدر عن دولة عضو في الأمم المتحدة ـ دفعة جديدة للوبي الداعي إلى تجاوز مقديشو في واشنطن، خصوصاً داخل المعسكر الجمهوري. وفي هذا المناخ، يناقش الكونغرس مشروعَي قانون يدعمان استقلال صوماليلاند، من بينهما مشروع «قانون استقلال جمهورية صوماليلاند» الذي قدّمه النائب الجمهوري سكوت بيري بدعم عابر للحزبين. ويحظى هذا المسار بتأييد شخصيات دبلوماسية وسياسية بارزة، من بينها السفير تيبور ناجي، والمبعوث الأمريكي الخاص السابق لمنطقة الساحل والبحيرات العظمى جي. بيتر فام.
مترجم من هذا المصدر.