تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 7 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

بين لهيب القصف وصمت السماء.. تضيع أصوات الإيرانيين

27 يونيو, 2025
الصورة
 بين لهيب القصف وصمت السماء.. تضيع أصوات الإيرانيين
Share

تقول منى وهي تبكي من شدة الإرهاق والغضب: "منذ أكثر من ثلاثين عاماً، والجمهورية الإسلامية الإيرانية تخبرنا بأن إسرائيل ستقصفنا. والآن بعدما بدأت الحرب، نكتشف أننا بدون ملاجئ، ولم تُوضع خطة طوارئ واحدة، بينما كل شيء يزداد غلاءً باستمرار! يبدو وكأنّ لا أحد يهتم بأرواح الإيرانيين، بما في ذلك حكومتنا!"

في الليلة السابقة، كانت منى – أعز صديقة لي من بلدي، والتي أخفيت اسمها لدواعٍ أمنية – قد قادت سيارتها لأكثر من أربع ساعات وسط زحام خانق للخروج من طهران، والوصول إلى قرية صغيرة على مشارف المدينة، حيث تعتقد وشريكها أن القصف سيكون أقل شدة. وعلى الطريق السريع باتجاه طهران لم تكن هناك أي سيارة، إذ سارع الجميع إلى مغادرة العاصمة بعد تحذير وزير الدفاع الإسرائيلي بإخلائها.

لكن السيطرة على السرديات داخل إيران مستمرة، سواء من جانب الحكومة الاستبدادية التي تسعى إلى تقييد حرية الرأي والتعبير والتجمع… أو من جانب الأطراف الخارجية التي تتدخل في شؤون إيران الداخلية من أجل السيطرة على روايتها ومصيرها

عندما شرعت إسرائيل في شن سلسلة من الضربات الجوية، في 13 يونيو/حزيران، ضمن ما أسمته "عملية الأسد الصاعد"، ادعى رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو أن الهدف هو تفكيك برنامج إيران النووي. وفي رسالة وجهها إلى "الشعب الإيراني الأبيّ" عقب الضربات، قال نتنياهو – كعادته – أكثر من ذلك بكثير:

"فيما نحقق هدفنا [في إحباط التهديد النووي والصاروخي للنظام الإيراني]، فإننا نمهد الطريق أيضاً كي تحققوا أنتم حريتكم… النظام لا يعرف ما أصابه، ولا ما سيصيبه… لم يكن يوماً أضعف من ذلك. إنها فرصتكم للوقوف والتعبير عن أصواتكم. زن، زندكي، آزادي؛ المرأة، الحياة، الحرية". في التعليقات على صفحة نتنياهو الرسمية على يوتيوب، كتب حساب باسم دافين بريتين: "بيبي، نحبك من إيران، ونحب إسرائيل".

وليس من المعتاد أن يخاطب قائد أجنبي شعب دولة أخرى بشكل مباشر، لا سيما دولة يعتبرها العدو الأول لبلاده، داعياً إلى انقلاب داخلي مستغلاً حركة احتجاجية سابقة، مثل: "المرأة، الحياة، الحرية" التي اندلعت في سبتمبر/أيلول 2022 عقب مقتل جينا مهسا أميني أثناء احتجازها لدى الشرطة.

النظام لا يعرف ما أصابه، ولا ما سيصيبه… لم يكن يوماً أضعف من ذلك. إنها فرصتكم للوقوف والتعبير عن أصواتكم. زن، زندكي، آزادي. المرأة، الحياة، الحرية

لكن السيطرة على السرديات داخل إيران مستمرة، سواء من جانب الحكومة الاستبدادية التي تسعى إلى تقييد حرية الرأي والتعبير والتجمع - كما أظهرت القوانين القمعية والتعامل الأمني العنيف مع احتجاجات 2022 - أو من جانب الأطراف الخارجية التي تتدخل في شؤون إيران الداخلية من أجل السيطرة على روايتها ومصيرها.

ليست الحملات الخارجية لزعزعة النظام الحاكم في إيران بالأمر الجديد، إذ منذ الإطاحة بأسرة بهلوي عام 1979 وصعود الجمهورية الإسلامية، ونتنياهو يعرض أمام الجمهور الغربي تهديد إيران النووي منذ عام 1992، ممهداً الطريق أمام نية إسرائيل العلنية إسقاط النظام.

ففي جلسة استماع بالكونغرس الأمريكي عام 2002 قبل غزو العراق، قال نتنياهو الذي كان يشغل منصب وزير خارجية إسرائيل حينها: "بالطبع نرغب برؤية نظام جديد في إيران - على الأقل أنا شخصياً - تماماً كما أريده للعراق. السؤال الآن هو سؤال عملي: من أين نبدأ؟ ليس السؤال إن كان يجب الإطاحة بالنظام العراقي، بل متى؟ وليس السؤال إن كنتم تريدون تغيير النظام الإيراني، بل كيف تحققون ذلك؟ لدى إيران 250 ألف طبق لاقط وإنترنت متاح للاستخدام".

واليوم، إذا شغّلت التلفاز في أي مدينة إيرانية سترى وسائل إعلام ناطقة بالفارسية مموّلة من الخارج، تنقل أحياناً من مواقع عسكرية حساسة مثل القبة الحديدية الإسرائيلية، ما يلقي بظلال من الشك على استقلالية الروايات التي تصل إلى الجمهور الإيراني.

عندما خرج الإيرانيون في 2022 – لا سيما النساء – إلى الشوارع، حقق تحديهنّ الشجاع بعض المكاسب المهمة، وإن ظلت هشة. فمنى، على سبيل المثال، تتحدى قوانين الحجاب الإجباري كل يوم منذ إطلاق سراحها من السجن عام 2023 لمشاركتها في الاحتجاجات. وكثير من النساء الإيرانيات، على غرار منى، خرجن إلى الشوارع دون حجاب مطالبات بحقهنّ في الاستقلال الجسدي. وبعيداً عن التدخلات الخارجية، كان نضال الإيرانيين من أجل التغيير قائماً بالفعل، متحدياً مقولة نتنياهو بأنه أتى "لتحرير إيران".

امتد التلاعب بالروايات من شاشات التلفاز إلى وسائل التواصل الاجتماعي. فقبل شهر من بدء الضربات الإسرائيلية، شاهد الكثير من الإيرانيين الذين يستخدمون تطبيقات مثل إنستغرام عبر VPN"ميمز" تُظهر صورة المرشد الأعلى الإيراني آية الله خامنئي وهي تتحطم إلى أشلاء، مصحوبة برسالة تقول: "الجمهورية الإسلامية في أضعف مراحلها"، ثم تظهر أيدٍ مكبّلة تتحرر وعبارة "الجيل الحر".

منذ أكثر من ثلاثين عاماً، والجمهورية الإسلامية الإيرانية تخبرنا بأن إسرائيل ستقصفنا. والآن بعدما بدأت الحرب، نكتشف أننا بدون ملاجئ، ولم تُوضع خطة طوارئ واحدة، بينما كل شيء يزداد غلاءً باستمرار! يبدو وكأنّ لا أحد يهتم بأرواح الإيرانيين، بما في ذلك حكومتنا!

أما اليوم، فإن الحساب الرسمي للجيش الإسرائيلي على وسائل التواصل الاجتماعي، الذي أُنشئ عام 2019 ويتابعه الملايين، ينشر تصريحات لكبار المسؤولين الإسرائيليين بالفارسية يتحدثون فيها عن العمليات السابقة والحالية داخل إيران، بل ويهنّئ الإيرانيين بعيد النيروز، ويتذكر مقتل مهسا أميني، وأحياناً يعيد نشر تصريحات رضا بهلوي نجل الشاه المخلوع الذي يدعم إسرائيل بشدة من لوس أنجلوس. من هذا الحساب أوضح الجيش الإسرائيلي بالفارسية أن "العمليات الجارية في طهران هي نفسها التي نفذتها إسرائيل في غزة ولبنان".

وكما ألمحت منى، يبدو وكأن الإيرانيين محرومون دائماً من حق تقرير مصيرهم وخياراتهم من أجل التغيير والسلام. فسواء تعلق الأمر بالسعي نحو مجتمع أكثر حرية أو بالانزلاق إلى حرب مدمرة، يبقى السؤال: من يهتم حقاً بما يريده الملايين من الإيرانيات والإيرانيين على غرار منى؟