الأربعاء 12 أغسطس 2026
تتزايد المخاوف من دخول عملية السلام في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية مرحلة من الجمود، مع استمرار تعثر تنفيذ اتفاق واشنطن الموقع بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، في ظل غياب تقدم ملموس في الملفات الأمنية الأساسية، واستمرار المواجهات الميدانية وتبادل الاتهامات بين كينشاسا وكيغالي. يأتي ذلك في وقت يرى فيه مراقبون أن الزخم الدبلوماسي الذي رافق توقيع الاتفاق بدأ يتراجع تدريجياً، بينما تواجه المسارات الموازية، وعلى رأسها مفاوضات الدوحة، صعوبات مماثلة تحول دون تحقيق اختراق سياسي قادر على إنهاء الصراع المستمر في إقليمي شمال وجنوب كيفو. وتشير مراجعات حديثة صادرة عن مقياس اتفاقات السلام في أفريقيا Africa Peace Agreements Barometer)) إلى أن عملية تنفيذ الاتفاق توقفت عملياً خلال الأشهر الأخيرة، بعد سلسلة من التقدم المحدود الذي تحقق في النصف الثاني من عام 2025.
كان اتفاق واشنطن الذي وقع في 27 يونيو/حزيران 2025 برعاية الولايات المتحدة، قد نص على مجموعة من الالتزامات المتبادلة بين كينشاسا وكيغالي، أبرزها انسحاب القوات الرواندية من شرق الكونغو، واتخاذ الحكومة الكونغولية إجراءات لتفكيك القوات الديمقراطية لتحرير رواندا FDLR))، إلى جانب إطلاق آليات أمنية مشتركة، وتعزيز التعاون الحدودي، وتهيئة الظروف لعودة الاستقرار إلى المناطق التي تشهد نشاط حركة AFC/M23. وقد اعتبرت واشنطن آنذاك الاتفاق خطوة تاريخية لإنهاء أحد أكثر النزاعات تعقيداً في منطقة البحيرات العظمى، في وقت ربطت فيه أيضاً نجاح الاتفاق بإطلاق شراكات اقتصادية واستثمارات أمريكية في قطاع المعادن والبنية التحتية في المنطقة.
غير أن المؤشرات الميدانية الحالية تكشف اتساع الفجوة بين الالتزامات السياسية والتنفيذ العملي. فبحسب تقرير حديث لفريق خبراء الأمم المتحدة اطلعت عليه وسائل إعلام كونغولية، لم يتحقق تقدم حقيقي في تنفيذ معظم البنود الأمنية، كما ظلت القرار 2773 الصادر عن مجلس الأمن، والمتعلق بخفض التصعيد في شرق الكونغو، دون تطبيق فعلي. وأشار التقرير إلى أن المبادرات الدبلوماسية المرتبطة باتفاق واشنطن ومسار الدوحة حققت نتائج محدودة، بينما استمرت حالة انعدام الثقة بين كينشاسا وكيغالي، مع تبادل الطرفين الاتهامات بانتهاك الالتزامات الأمنية.
يؤكد تقرير مقياس اتفاقات السلام في أفريقيا أن وتيرة التنفيذ، التي سجلت تحسناً تدريجياً خلال الأشهر الأولى بعد توقيع الاتفاق، توقفت بالكامل مع نهاية عام 2025، إذ لم يطرأ أي تقدم إضافي في مؤشرات التنفيذ خلال شهر ديسمبر، بعد أن ارتفعت نسبة الإنجاز من نحو 9٪ في يوليو إلى أكثر من 23٪ في نوفمبر. ويرى معدو التقرير أن هذا التباطؤ يعكس غياب الإرادة السياسية اللازمة لتنفيذ الالتزامات الأكثر حساسية، خصوصاً تلك المتعلقة بالانسحاب العسكري، وآليات التحقق، وإعادة بناء الثقة بين الطرفين، داعين الولايات المتحدة وقطر والاتحاد الأفريقي إلى تنسيق أكبر بين مساري واشنطن والدوحة لتجنب تحول المبادرتين إلى مسارين متوازيين غير مترابطين.
على الأرض، ما تزال الملفات الأمنية الأكثر تعقيداً تراوح مكانها. فقد أفادت إذاعة أوكابي بأن الموعد الذي كانت الولايات المتحدة تأمل أن يشهد بداية انسحاب القوات الرواندية من شرق الكونغو بحلول منتصف يوليو 2026 مر دون تسجيل أي انسحاب رسمي يمكن التحقق منه. كما استمرت الاشتباكات في أجزاء من شمال وجنوب كيفو، بينما تمسكت كيغالي بأن وجودها العسكري مرتبط بما تصفه بالتهديد الذي تمثله جماعة FDLR، في حين تؤكد الحكومة الكونغولية أن استمرار الوجود العسكري الرواندي يمثل انتهاكاً مباشراً للسيادة الكونغولية وللاتفاق الموقع في واشنطن. وتشير إذاعة أوكابي إلى أن الاتفاق لا يتضمن آلية تلقائية لفرض عقوبات على الطرف الذي يخل بالتزاماته، الأمر الذي أضعف أدوات الضغط الدولية وساهم في إبطاء التنفيذ.
في موازاة ذلك، شهدت الأيام الماضية تطوراً وصفه مراقبون بأنه يحمل دلالة إيجابية، تمثل في إرسال الجيش الكونغولي ثلاثة ضباط إلى مدينة غوما للمشاركة في آلية التحقق المشتركة الموسعة (EJVM Plus) المكلفة بمتابعة وقف إطلاق النار، وهي المرة الأولى التي يشارك فيها ضباط من القوات المسلحة الكونغولية داخل هذه الآلية منذ سيطرة تحالف AFC/M23 على المدينة. وقد جرى انتقال الضباط بمساعدة بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في الكونغو الديمقراطية (مونوسكو)، في خطوة تهدف إلى تعزيز آليات مراقبة الهدنة وتقليل مخاطر التصعيد، رغم أن المراقبين يرون أن هذه الخطوة وحدها لا تكفي لتعويض غياب التقدم في القضايا السياسية والعسكرية الأساسية.
يرى محللون أن أحد أكبر التحديات التي تواجه عملية السلام يتمثل في التباين بين مساري واشنطن والدوحة. ففي حين يركز الاتفاق الأمريكي بصورة أساسية على العلاقات بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، تركز مفاوضات الدوحة على الحوار بين حكومة كينشاسا وحركة AFC/M23، وهو ما أدى إلى تداخل الأولويات السياسية والأمنية، وتأخير تنفيذ الالتزامات المتبادلة. كما أدى استمرار الخلاف حول مستقبل الإدارة المحلية في شمال وجنوب كيفو، وملف دمج مقاتلي الحركة، وتقاسم السلطة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، إلى تعقيد المشهد التفاوضي، في وقت ترفض فيه الحكومة الكونغولية أي ترتيبات يمكن أن تُفسر باعتبارها اعترافاً بالإدارة التي أقامتها الحركة في المناطق التي تسيطر عليها.
يحذر خبراء في شؤون منطقة البحيرات العظمى من أن استمرار هذا الجمود قد يؤدي إلى فقدان الزخم الدولي الذي صاحب الاتفاق عند توقيعه، خاصة مع استمرار العمليات العسكرية وتراجع الثقة بين الأطراف، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام دورة جديدة من التصعيد العسكري في شرق الكونغو. كما يشيرون إلى أن نجاح أي اتفاق مستقبلي سيظل مرهوناً بوجود آليات تنفيذ ومراقبة أكثر فاعلية، وجدول زمني واضح للالتزامات، وضمانات دولية قادرة على إلزام الأطراف بتعهداتها، وهي عناصر ما تزال غائبة بصورة كبيرة عن المشهد الحالي، رغم استمرار الجهود الأمريكية والقطرية والأفريقية لإحياء العملية السياسية ومنع انهيارها بالكامل.