الخميس 5 مارس 2026
على مدى سنوات قليلة، غادرت ما لا يقل عن 17 ألف امرأة بوروندية رسميًا نحو العاصمة السعودية، الرياض، بحثًا عن حياة أفضل. ورغم توقيع اتفاق ثنائي بين بوروندي والمملكة العربية السعودية عام 2021 لتنظيم ظروف عمل هؤلاء النساء، إلا أن الوقائع الميدانية تكشف عن شبكة اتجار منظم بالبشر، تُسلب فيها حقوق العاملات الأساسية بشكل منهجي. شركات توظيف جشعة حققت أرباحًا طائلة، بدعم من مسؤولين في الحكومة البوروندية وبعض الأجهزة البيروقراطية التابعة لها.
في فبراير/شباط 2025، وبينما كانت أمطار الشتاء تغمر شوارع مدينة سيبيتوكي، في شمال غرب بوروندي، جلس غابرييل نزوزابا ليحكي مأساة شقيقته سايداتة. كانت في 24 من عمرها عندما قررت مغادرة البلاد متجهة إلى السعودية، بعدما وُعدت بعمل كخادمة منزلية.
لم يمضِ عام على رحيلها حتى تلقّت العائلة خبر وفاتها في ظروف غامضة لم تُكشف حتى الآن. يقول غابرييل إنها كانت تتواصل مع الأسرة بانتظام عبر تطبيقات المراسلة الخاصة، وفي فبراير/شباط 2024، أرسلت أولى رسائلها عند وصولها إلى الرياض بلغة الكيروند: "Mie huyu" (لقد وصلت). ولكن منذ تلك الرسائل توقفت فجأة في 8 يونيو/ حزيران 2024، وهو آخر يوم تلقت فيه العائلة أي خبر منها.
استنادًا إلى شهادات متعددة، أعادت العائلة رسم ملامح حياة سايداتة في السعودية. فقد تركت عملها الأول بعد خلاف مع مشغّلها، لتقع لاحقًا في يد مجموعة من "الدلالات"- وهو مصطلح بالعامية السواحلية يُستخدم بين العاملات الكينيات في الخليج، ويشير إلى وسيطات مشبوهات، وفق ما أورده تحقيق صحفي لمنصة France 24.
تستدرج هذه الوسيطات العاملات الأجنبيات بوعد تأمين وظائف جديدة، غير أنهن في الوقع، يستغللن أوضاعهن الهشّة، ويعرضنهن لأشكال متعددة من الانتهاك. وبحسب التحقيق، أقامت سايداتة لاحقًا في أحد المنازل الجماعية بالرياض برفقة نساء أخريات، تُعرف محليًا باسم "المكاتب"، وتُستخدم كنقاط عبور لعاملات ينتظرن عقود عمل جديدة. وهناك، تدهورت حالتها الصحية بشكل مفاجئ.
تبدو الهجرة إلى "الفردوس السعودي" خيارًا مغريًا. لكن الشهادات التي جمعها التحقيق من عاملات سابقات تكشف عن واقع شديد القسوة، يشبه في كثير من جوانبه "جحيمًا على الأرض"
تلقت العائلة نبأ وفاتها عبر شبكات التواصل الاجتماعي. لاحقًا، تواصلت مع جويل ندايسينغا، المستشار الثاني في السفارة البوروندية بالرياض، الذي أفادت العائلة بأنه أحالهم إلى وزارة الخارجية لتنسيق إعادة الجثمان. غير أن ندايسينغا أنكر لاحقًا تقديم هذا التوجيه. وبحسب شقيق سايداتة، فإن عملية ترحيل الجثمان كانت ستكلّف قرابة 17 مليون فرنك بوروندي (نحو 5,000 يورو)، وهو مبلغ تعجز الأسرة عن تأمينه.
أمام هذا الواقع، تدخل وزير الخارجية البوروندي، ألبرت شينغيرو، لإقناع والد الفقيدة بقبول دفن ابنته في السعودية، مستعينًا بالجالية البوروندية المقيمة هناك لتسهيل مراسم الدفن. طلبت العائلة من ندايسينغا إرسال صور الجنازة إليهم، لكنه لم يفعل حتى اليوم. ولم يكن أمام والدي سايداتة سوى عزاء واحد: استعادة بعض من متعلقاتها الشخصية.
قضية سايداتة ليست حادثة معزولة، بل تمثّل جزءا من ظاهرة أوسع. وعلى مدى أشهر، أجرى فريق مشترك من الصحفيين البورونديين والدوليين تحقيقًا معمقًا لصالح منصة "Ukweli" الاستقصائية، بالتعاون مع منصتي"Afrique XXI" و"Africa Uncensored"، تتبّع فيه مسار تصدير اليد العاملة البوروندية إلى السعودية.
في بلد يُصنّف بين الأفقر عالميًا، حيث لا تتجاوز نسبة العاملين رسميًا بين الشباب 35٪، ويبلغ متوسط الدخل الشهري حوالي 17 يورو، تبدو الهجرة إلى "الفردوس السعودي" خيارًا مغريًا. لكن الشهادات التي جمعها التحقيق من عاملات سابقات تكشف عن واقع شديد القسوة، يشبه في كثير من جوانبه "جحيمًا على الأرض".
أظهر التحقيق وجود شبكة اتجار بالبشر تعمل تحت غطاء رسمي، يتمثل في الاتفاق الثنائي الموقع بين بوجمبورا والرياض عام 2021. هذه الشبكة متغلغلة في هياكل الدولة، يشارك فيها مسؤولون ومتنفذون جنوا أرباحًا طائلة دون أن تطالهم يد المساءلة، رغم خرقهم الواضح للقوانين المحلية، وتورطهم في انتهاكات حقوقية جسيمة.
كانت الحكومة الأمريكية قد دقّت ناقوس الخطر منذ عام 2023، حين أشار تقرير رسمي عن الاتجار بالبشر إلى الوضع المأساوي للعاملات البورونديات في الخارج، ودور وكالات التوظيف في تسهيل هذا النمط من الاستغلال، في ظل غياب آليات الحماية من جانب السلطات البوروندية. وجاء في التقرير: "لاحظ المراقبون فشل الحكومة في ضمان التزام شركات التوظيف بعدم الانخراط في أنشطة الاتجار بالبشر".
يشير التقرير الأمريكي كذلك إلى أن الحكومة البوروندية أعلنت تقديم دعم قنصلي وخدمات قانونية ومساعدات لإعادة 676 عاملة بوروندية في السعودية والكويت إلى الوطن، بين عامي 2020 و2022، من بينهن ضحايا اتجار بالبشر. غير أن منظمات دولية وثّقت خلال الفترة نفسها وجود 1,409 حالة يُشتبه بأنها ضحايا اتجار في صفوف العاملات العائدات من الخارج عام 2022، مقارنة بـ 1,380 حالة عام 2021. ما يعني أن مئات، وربما آلاف النساء، تُركن دون أي مساعدة، رغم أن الحكومة ووكالاتها تلقّت عشرات الملايين من الدولارات، يُفترض أن جزءًا منها خُصّص لدعم هؤلاء العاملات.
رغم هذه الانتهاكات، فإن كثيرات من العاملات يخشين التحدث علنًا، مثل ماري، التي لا تزال تعمل حاليًا في العاصمة السعودية الرياض. أُرسلت ماري عبر وكالة "Eagle Agency for Youth Employment"، المملوكة لجان-باتيست نزيغاماسابو، الملقب بـ"جيهاي"، وهو نائب في البرلمان عن الحزب الحاكم "المجلس الوطني للدفاع عن الديمقراطية – قوات الدفاع عن الديمقراطية (CNDD-FDD)"، الذي فاز مؤخرًا بجميع مقاعد الجمعية الوطنية في الانتخابات البلدية والتشريعية التي أُجريت في 5 يونيو/ حزيران.
هذه الشبكة متغلغلة في هياكل الدولة، يشارك فيها مسؤولون ومتنفذون جنوا أرباحًا طائلة دون أن تطالهم يد المساءلة، رغم خرقهم الواضح للقوانين المحلية، وتورطهم في انتهاكات حقوقية جسيمة
كانت ماري قد وافقت في البداية على تقديم شهادتها للصحفيين المشاركين في هذا التحقيق، لكنها تراجعت لاحقًا، قائلة: "قد يشكّل الأمر خطرًا عليّ وعلى أسرتي".
نصّ الاتفاق الثنائي الموقع بين بوروندي والسعودية في 3 أكتوبر/ تشرين الأول 2021 على إنشاء نظام مشترك لتنظيم توظيف ونقل وإعادة العاملات المنزليات البورونديات، وفقًا للقوانين المعمول بها في كلا البلدين. يُلزم الاتفاق أصحاب العمل ووكالات التوظيف باعتماد العقود من الجهات المختصة، ويمنع صراحةً اقتطاع أي تكاليف من راتب العاملة.
يشترط الاتفاق أن تُعتمد عقود العمل من الجهات المختصة في كلا البلدين، وأن تُحترم من جميع الأطراف المتعاقدة: صاحب العمل والعاملة المنزلية ومكتب التوظيف السعودي ووكالة التوظيف البوروندية. كما ينص على أنه لا يجوز لأي من هذه الأطراف اقتطاع أي تكاليف من راتب العاملة مقابل عملية التوظيف أو النقل. لكن الوقائع تشير إلى فجوة واسعة بين النص القانوني والممارسة. إذ تتعرض العاملات لانتهاكات ممنهجة، تبدأ من لحظة استقطابهن، ولا تنتهي إلا بعد عودتهن -إن عدن أصلا- محطمات نفسيًا وجسديًا، وغالبًا دون تعويض أو مساءلة لأي من المتورطين.
ينص أحد بنود الاتفاق الثنائي الموقّع بين بوروندي والسعودية على أن تلتزم الحكومة البوروندية بضمان رفاه العاملات المهاجرات. كما يتعهّد الجانب السعودي بتسهيل تسوية النزاعات المتعلقة بخرق عقود العمل، وبالنظر في القضايا المرفوعة أمام الجهات القضائية المختصة بسرعة وفعالية. من جانبها، تلتزم الحكومة البوروندية بتوفير عاملات منزليات "مؤهلات ومناسبات صحيًا" وفقًا لمتطلبات الوظيفة، بعد حصولهن على تدريب في معاهد متخصصة، إضافة إلى اطلاعهن على العادات والتقاليد السعودية. ويُلزم الاتفاق الحكومة أيضًا بضمان أن تكون شروط العقد مفهومة بالكامل من قبل العاملة قبل مغادرتها. وفي حال الإخلال بهذه البنود، فإن مسؤولية الإعادة -نظريًا- تقع على عاتق بوروندي.
شهدت السنوات التي تلت توقيع الاتفاق طفرة في تأسيس وكالات توظيف خاصة. حاليًا، توجد 27 وكالة مرخصة، 26 منها في بوجمبورا وواحدة فقط في ماكامبا، مملوكة للنائب جيهاي.
في فبراير/ شباط الماضي، وخلال عرض إنجازات وزارة الخارجية، أعلن الوزير ألبرت شينغيرو أن عدد النساء البورونديات العاملات في السعودية، قبل وبعد توقيع الاتفاق، بلغ نحو 17 ألف عاملة. كان يفترض أن يشكل هذا الاتفاق إطارًا يوفّر حماية أفضل لهؤلاء النساء اللواتي غادرن بلادهن على بُعد 5,000 كلم للعمل في بيئة اجتماعية وثقافية تختلف جذريًا عن مجتمعهن الأصلي. لكن الواقع أتى على النقيض.
ففي يوم مفتوح نظّمته وزارة الخارجية بتاريخ 7 مايو/آيار 2024، صرّح ميرتوس نديكومانا، رئيس "رابطة وكالات التوظيف الخاصة في بوروندي" (ORAAB)، أن "نحو 100 عاملة أُعيدت من السعودية بعد أن أبدين عدم رضا عن أوضاع عملهن".
غير أن مصدرًا من داخل وزارة الخارجية، فضّل عدم الكشف عن اسمه، كشف أن الرقم الحقيقي أكبر من ذلك بكثير، إذ أن أكثر من 500 عاملة بوروندية تمّت إعادتهن على عجل منذ توقيع الاتفاق. ووفقًا للمصدر نفسه، فإن وكالات التوظيف البوروندية وصفت هؤلاء النساء بأنهن "غير قادرات على أداء واجباتهن"، في محاولة لتحميلهن مسؤولية فشل النظام، والتنصل من المحاسبة عن الانتهاكات التي تعرضن لها.
الرواية التي تسوّقها وكالات التوظيف عن "عدم كفاءة" العاملات تتناقض جذريًا مع ما وثقته منظمات المجتمع المدني في بوروندي. يقول إيدي مانيراكيزا، مدير المشاريع في اتحاد الجمعيات العاملة في مجال الطفولة (Fenadeb)، إن منظمته استقبلت بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ويناير/ كانون الثاني 2025 عددًا من الحالات التي يُشتبه بتعرضها للاتجار، مشيرًا إلى أن "من بين هؤلاء، 37 فتاة عدن من السعودية، و8 من سلطنة عُمان، و3 من الكويت، و3 من كينيا". مؤكدًا أن جميعهن تعرضن لأشكال متعددة من العنف المرتبط بالاتجار بالبشر، بما يشمل الإكراه والتهديد والترهيب واستخدام القوة. ويضيف: "بعضهنّ تعرضن لإصابات جسدية بالغة، فيما تعاني أخريات من آثار نفسية عميقة لا تزال تلازمهنّ حتى اليوم".
من بين هذه الحالات، تبرز قصة أمينة، وهي امرأة في الأربعينات من عمرها، عادت إلى بوروندي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 بسبب تدهور حالتها الصحية. تقول أمينة إنها تعاني من إصابة في العمود الفقري نتيجة ضرب مبرّح تعرّضت له على يد مشغّلتها في السعودية. وتقول: "كانت سيدة قاسية للغاية. كانت تختلق الأعذار لضربي. أندم لأنني غادرت البلاد دون أن أستشير أحدًا أو أبحث عن معلومات كافية".
"قضيت سبعة أشهر طويلة محتجزة، مريضة ومحرومة من الغذاء الكافي، ولم أتلقى أي علاج طوال تلك الفترة"
يقول مانيـراكيزا منتقدًا غياب الرقابة الفعلية من قبل وكالات التوظيف: "لا تتابع هذه الوكالات أوضاع النساء اللواتي ترسلهن للعمل في الخارج، بل لا تُبدي أي اهتمام بهنّ حتى بعد عودتهن". والمشكلة الأكبر، وفقًا له، أن غالبية هؤلاء النساء يعشن في ظروف اقتصادية شديدة الهشاشة، وغالبًا ما يفتقرن إلى المعرفة ببنود العقود التي وقّعن عليها، إذ يدفعهن حلم تحسين أوضاعهن وأوضاع أسرهن إلى التوقيع دون وعي كامل بحقوقهن، ما يجعلهنّ يحجمن عن تقديم أي شكاوى بعد تعرضهن للانتهاكات.
ومع ذلك، فإن الواقع على الأرض يعكس غيابًا شبه كامل للرقابة والمحاسبة، وسط استمرار العنف، وتجاهل حقوق العاملات، وانخراط المؤسسات الرسمية والخاصة في دوامة الاتجار تحت غطاء قانوني هش. لكن في المقابل، يرى ميرتوس نديكومانا، رئيس رابطة وكالات التوظيف الخاصة في بوروندي، أن الوكالات تحترم القانون، قائلاً: "إذا واجهت أي عاملة مشكلة، فإن من واجب الوكالة التي أرسلتها أن تتكفل بمساعدتها".
من داخل وكالات التوظيف نفسها، تكشف شهادات موظفين عن ممارسات تتناقض مع الروايات الرسمية. أحد الموظفين، الذي وافق على الحديث شريطة عدم الكشف عن هويته، أطلقنا عليه اسم باسكال، قال إن "العاملة في بعض الأحيان تُجبر على دفع ثمن تذكرة العودة بنفسها". وأضاف: "إذا لم تستطع، فإن الوكالة التي وظّفتها أو السفارة البوروندية في السعودية تتحمّل الكلفة، لكن الإجراءات تستغرق وقتًا طويلًا، ويمكن أن تبقى الفتاة لأشهر دون أي دعم".
موظفة أخرى أوضحت أن "عودة العاملة قبل انقضاء عامين أو ثلاثة من عقد العمل تُعدّ خسارة كبيرة للوكالة، لأنها تضطر إلى تعويض الوكالة السعودية بمبلغ يفوق 1800 دولار". وذهبت أبعد من ذلك بقولها: "أحيانًا تُسجن العاملة حتى تدفع ثمن تذكرة العودة".
من بين الحالات التي وثّقها التحقيق، قصة بهاتي، شابة تبلغ من العمر 28 عامًا وتنحدر من إحدى محافظات شمال بوروندي. في عام 2023، جاءت امرأة من بوجمبورا إلى بلدة بهاتي لتجنيد "فتيات يحملن جوازات سفر" ويطمحن للعمل في الدول العربية. هذه الوسيطة وضعتها على اتصال بشركة «التكوين المهني وتوظيف اليد العاملة المعروفة اختصارًا ب: "SFPPM".
بحسب القائمة الرسمية لوكالات التوظيف المعتمدة من قبل الدولة، والتي اطّلع عليها فريق "Ukweli"، ووفق معلومات تم التحقق منها من مصادر متعددة، فإن هذه الشركة التي تتخذ من بوجمبورا مقرًا لها مملوكة لبول نديموباندي، الأمين العام السابق لرابطة شباب الحزب الحاكم، المعروفة باسم "إيمبونيراكوري"، وهي منظمة متهمة بأنها ميليشيا سياسية تُستخدم لقمع المعارضين.
في 15 مايو/آيار 2023، وبعد دورة تدريبية قصيرة في العمل المنزلي، سافرت بهاتي إلى السعودية من مطار ميلكيور نداداي في بوجمبورا. وفي صباح اليوم التالي لوصولها، بدأت العمل مباشرة، بعد أن صادرت مشغلتها جواز سفرها. وبعد شهرين فقط، بدأت بهاتي تشعر بتدهور في حالتها الصحية، لتبدأ محنتها. تقول: "شعرت بدوار وسقطت أرضًا أثناء عملي، وفقدت بصري. حاولت مشغلتي معالجتي ثم أعادتني إلى ما يُعرف بـ"المكتب"، وهو مركز استقبال يُحتجز فيه العاملون المهاجرون فور وصولهم أو عند انتظار إعادتهم". وتضيف: "قضيت سبعة أشهر طويلة محتجزة، مريضة ومحرومة من الغذاء الكافي، ولم أتلقى أي علاج طوال تلك الفترة".
بدأت بعد ذلك معركة طويلة لعودتها إلى الوطن. وبحسب ما ترويه، فقد تدخّل جاك يعقوب ناهايو، السفير البوروندي في السعودية، واتصل بجان بول نديموباندي، مدير شركة "SFPPM"، لإيجاد حل لها. وأخيرًا، في 12 يناير/ كانو الثاني 2024، وصلت بهاتي إلى بوجمبورا منهكة. تواصل فريق التحقيق مع جان بول نديموباندي، لكنه لم يرد على أي من الأسئلة، بينما أعاد السفير ناهايو إحالة الاستفسارات إلى وزارة الخارجية.
وصفت العديد من الشابات، ممن تمت مقابلتهن خلال هذا التحقيق، ظروف العيش القاسية داخل ما يُعرف بـ"المكاتب"، وهي مراكز تجميع العاملات المهاجرات بانتظار عقود جديدة أو ترحيلهن. إحداهن، لا تزال تحت تأثير الصدمة، روت التفاصيل قائلة: "في الصباح، كانوا يعطوننا خبزًا وشايًا. وفي المساء، يجلبون لنا أرزًا وملفوفًا لنطبخه. لكن أحيانًا تمر يومان أو ثلاثة من دون أن تصل أي مؤونة، فنظل بلا طعام. كنا نضطر أحيانًا لطرق الباب بقوة كي نحصل على وجبة. حتى إن فتاة كينية انتحرت من شدة اليأس".
"إذا لم تستطع، فإن الوكالة التي وظّفتها أو السفارة البوروندية في السعودية تتحمّل الكلفة، لكن الإجراءات تستغرق وقتًا طويلًا، ويمكن أن تبقى الفتاة لأشهر دون أي دعم"
بهاتي، بعد عودتها إلى بوروندي، تلقّتها عائلتها للعلاج والرعاية. تقول إنها لم تتقاضَ سوى 700 ريال سعودي (ما يعادل 162 يورو) عن شهر عمل واحد، وهو الراتب الذي وُعدت به قبل مغادرتها، وكان أيضًا البند الوحيد الذي كانت على علم به من عقد العمل. لم تُمنح بهاتي أي نسخة من العقد، ولم تسمع منذ عودتها شيئًا من شركة"SFPPM"، التي رتبت سفرها.
لقد أمضت، حسب روايتها، سبعة أشهر محتجزة داخل "المكتب"، لأن أياً من الوكالتين – السعودية أو البوروندية – لم توافق على تغطية كلفة تذكرتها الجوية. وقد وصفت نساء أخريات ظروفًا مشابهة، ما يشير إلى نمط من الإهمال والاستغلال الممنهج.
وفي تصريح علني أمام أعضاء مجلس الشيوخ البوروندي، عقب توقيع الاتفاق الثنائي في أكتوبر/ نشرين الأول 2021، سعى وزير الخارجية ألبرت شينغيرو إلى طمأنة الرأي العام، مؤكدًا أن "الاتفاقيات الدولية والقوانين الوطنية في العديد من الدول تنصّ على أن جميع تكاليف التوظيف الخاصة بالعمال المهاجرين يتحملها أصحاب العمل". وأضاف: "تنظيم وضبط تكاليف التوظيف يعني اتخاذ إجراءات تحظر فرض رسوم التوظيف وما يرتبط بها على العمال أو الباحثين عن العمل".
لكن ما كشفه هذا التحقيق من شهادات وتقارير ووثائق رسمية يناقض بشكل صارخ تلك التصريحات، ويعكس فجوة خطيرة بين النصوص والواقع، حيث تستمر الانتهاكات، وتتكرّس الحلقة المفرغة من الاستغلال، دون حماية فعلية للعاملات أو محاسبة للمسؤولين.
في أبريل/نيسان 2022، وخلال مناقشة مشروع القانون الخاص بالتصديق على الاتفاق بين بوروندي والسعودية، قال وزير الداخلية آنذاك، جيرفيه نديـراكوبوكا، أن من شأن الاتفاق أن "يضع حدًّا للمضاربة التي يمارسها الوسطاء الوهميون الذين يطلبون من العاملات دفع رسوم تقديم الطلب والسفر، رغم أن أصحاب العمل هم من يتكفّلون بها"، لكن لم يقتنع الجميع بهذه الوعود.
البرلمانية أوفرسي موتيزينكا، عن حزب "المؤتمر الوطني من أجل الحرية" المعارض، أكدت أن العديد من النواب لم يصوّتوا لصالح مشروع القانون، بسبب "الثغرات الواضحة في حماية حقوق العاملات". وأضافت: "إذا تعرضت العاملات لسوء المعاملة، فيجب أن تتحمل وكالات التوظيف المسؤولية".
تمتد عقود العمل عادة لعامين قابلة للتجديد، ويعتمد الراتب على العرض المُقدّم من الوكالة السعودية. يتراوح عادة بين 800 و900 ريال سعودي (ما يعادل 185 إلى 209 يورو)، فيما يمكن أن يصل إلى 1,000 أو حتى 1,200 ريال للعاملات اللواتي لديهن خبرة سابقة في بلدان مثل إيران أو الكويت أو الأردن أو عُمان.
سينثيا، شابة تبلغ 22 عامًا وتعمل منذ خمسة أشهر في السعودية، تقول: "بصفتي يتيمة، كانت هذه فرصة لا تُعوّض لإعالة إخوتي. لم أتردد لحظة". لكنها رغم التضحيات، تتقاضى 800 ريال شهريًا فقط (185 يورو). فرانسـين، أم لطفلين سافرت في يونيو/حزيران 2024، تتقاضى الراتب نفسه، لكنها تصفه بأنه "غير كافٍ على الإطلاق".
والأهم من ذلك، وعلى عكس ما تزعمه الحكومة البوروندية، تؤكد كل من سينثيا وفرانسـين أنهما دفعتا مبالغ كبيرة من جيبهما الخاص من أجل السفر. تقول سينثيا: "كلّفني جواز السفر وشهادة السوابق والفحص الطبي والتأشيرة وتكاليف التدريب، أكثر من مليون فرنك بوروندي (نحو 290 يورو). الوكالة لم تغطِّ سوى تذكرة الطائرة". أما فرانسـين، فتضيف أنها اضطرت أيضًا إلى دفع رشوة: "دفعت حوالي مليوني فرنك بوروندي لموظف في الوكالة كي يتم إدراجي في قائمة المسافرات".
عند سؤالنا عن المبلغ الذي تدفعه الوكالات السعودية لنظيراتها البوروندية مقابل كل عاملة، رفض باسكال (اسم مستعار)، الموظف الذي تحدثنا إليه سابقًا، الإجابة، مكتفيًا بالقول: "هذا سر مهني".
لكن في مقابلة أُجريت في أبريل/نيسان 2023، كشف رمضان موغابو، مدير العمليات في وكالة "الحرميْن للتوظيف"، أن كل عاملة يتم إرسالها تعود على وكالته بـ"1,400 دولار" (1,211 يورو). ورغم هذا، قال إن المبلغ "غير كافٍ" لتغطية التكاليف الكاملة، التي تشمل ثمن تذكرة السفر، والرعاية أثناء التدريب، والرسوم المصرفية وغير ذلك. وأضاف موغابو: "بعد احتساب كل النفقات، لا يتبقى للوكالة سوى حوالي 30 دولارًا عن كل عاملة يتم توظيفها. لكننا نحقق أرباحًا كبيرة حين نرسل أعدادًا كبيرة".
وافق موظف سابق آخر في إحدى وكالات التوظيف على الحديث بصراحة أكبر. فقد كشف أن الوكالات السعودية تدفع لنظيراتها البوروندية ما بين 1,500 و2,000 دولار أمريكي عن كل عاملة يتم استقدامها. وبهذا المعدل، تكون الشركات البوروندية قد جمعت ما بين 25.5 و34 مليون دولار مقابل إرسال 17 ألف عاملة إلى السعودية، وهو الرقم الذي أعلن عنه وزير الخارجية بنفسه.
عند مواجهة باسكال، الموظف الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، بهذه الأرقام، أقرّ قائلاً: "الوكالات تجني أموالًا طائلة على حساب هؤلاء النساء. ولهذا السبب، فإنها تتعمد إخفاء العقود الموقّعة مع نظيراتها في السعودية".
ولم يكن الجانب السعودي بعيدًا عن هذه الأرباح. فقد كشف التحقيق عن بعض التفاصيل الخاصة بوكالات التوظيف هناك. على سبيل المثال، تتقاضى وكالة "صفوة النخبة" مبلغ 13,400 ريال سعودي (نحو 3,100 يورو) عن كل عاملة تُوظّفها. أما وكالة "مكين"، فتتقاضى 10,400 ريال، في حين تفرض "ميثاق المدينة" رسومًا تصل إلى 12,000 ريال عن العاملة الواحدة.
أما الحكومة البوروندية، فلم تكن خارج هذه المعادلة الربحية. ففي مذكرة صادرة بتاريخ 8 أغسطس/آب 2022، أوضحت وزارة الخارجية والتعاون الإنمائي الشروط المطلوبة لمنح ترخيص وكالة توظيف. أبرزها أن تودع الوكالة مبلغ 50 مليون فرنك بوروندي في بنك جمهورية بوروند (BRB)، يُستخدم كضمان لتعويض أي ضرر قد تتعرض له العاملة. وإذا تم قبول الطلب، فعلى الوكالة دفع 100 مليون فرنك بوروندي إضافية إلى الخزينة العامة. ويُمنح الترخيص لمدة عامين، ويمكن تجديده مقابل رسوم قدرها 50 مليون فرنك.
لكن القصة لا تنتهي هنا. فقبل سفر كل عاملة، يجب على الوكالة تعبئة "استمارة تعريفية" تُستخرج من وزارة الخارجية. ولا تُمنح هذه الاستمارة إلا بعد تقديم ملف يحتوي على: شهادة السوابق العدلية وعقد العمل والتأشيرة وتذكرة السفر وشهادة طبية وإيصال بدفع 100,000 فرنك بوروندي.
أعلن الوزير ألبرت شينغيرو في بيانه عن إنجازات الوزارة في فبراير/شباط الماضي، بفخر: "لقد جمعت بوروندي أكثر من 10 ملايين دولار و10 مليارات فرنك بوروندي. وقد وافقت السعودية على استقبال 75 ألف عامل مهاجر خلال السنوات الخمس المقبلة".
كان من الممكن أن يُخصّص جزء ضئيل من هذا الرقم الضخم لإعادة سايداتة إلى قريتها حيّة، لا أن تنتهي وحيدة ومدفونة في رمال "الفردوس المفقود".
استغرقت عملية إعداد هذا التحقيق عدة أشهر من التوثيق والاستقصاء الميداني، وواجه خلالها الفريق عراقيل على مستوى التواصل مع الجهات الرسمية. فعند الاتصال بالسفير البوروندي في السعودية، جاك يعقوب ناهايو، ومستشاره الثاني جويل ندايسينغا، تمت إحالة الفريق إلى وزارة الخارجية، التي امتنعت عن الرد رغم تكرار المحاولات. كما حاول الفريق التواصل مع جان بول نديموباندي، أحد كبار مسؤولي وكالة SFPPM، دون جدوى. أما وزارة الخارجية السعودية، فرغم إرسال استفسارات إلى العناوين الرسمية، لم تقدم أي رد. وتكررت المحاولة مع المتحدث باسم الحزب الحاكم CNDD-FDD، والنائب جيهاي، إلى جانب وزارة الداخلية البوروندية، دون تلقي أي استجابة.
هذا التحقيق أعدّه فريق منصة Ukweli Coalition Media Hub بالشراكة مع Afrique XXI و Africa Uncensored، وترجمه فريق تحرير جيسكا بموافقة من الفريق.