الأربعاء 12 أغسطس 2026
دخلت الجهود الدولية لمواجهة التفشي المتسارع لفيروس إيبولا من سلالة بونديبوجيو مرحلة جديدة، بعد إعلان جامعة أكسفورد البريطانية بدء أول تجربة سريرية على البشر للقاح مخصص لهذه السلالة، في خطوة ينظر إليها الباحثون بوصفها تحولاً مهماً في التعامل مع أحد أكثر أنواع فيروس إيبولا ندرة، في وقت يتواصل فيه انتشار المرض في جمهورية الكونغو الديمقراطية مع تسجيل حالات مرتبطة به في أوغندا، وسط ظروف أمنية وإنسانية معقدة تعرقل عمليات الاستجابة الصحية. وأوضحت الجامعة أن التجربة تستهدف تقييم سلامة اللقاح الجديد وقدرته على تحفيز الجهاز المناعي، تمهيداً للانتقال إلى مراحل أوسع إذا أثبتت النتائج الأولية نجاحه.
يحمل البرنامج البحثي اسم BD-Ebov، ويعتمد على لقاح ChAdOx1 BDBV الذي طوره باحثون من مجموعة أكسفورد للقاحات ومعهد علوم الأوبئة التابع للجامعة، باستخدام منصة الناقل الفيروسي نفسها التي استُخدمت في تطوير لقاح أكسفورد/أسترازينيكا المضاد لفيروس كوفيد-19. وتضم المرحلة الأولى خمسين متطوعاً من البالغين الأصحاء تتراوح أعمارهم بين 18 و55 عاماً، على أن يجري تقييم مستويات الأمان والاستجابة المناعية خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، بينما بدأت بالفعل عمليات استقطاب المتطوعين تمهيداً لإعطاء الجرعات فور استكمال الموافقات التنظيمية النهائية.
يكتسب هذا المشروع أهمية خاصة لأن سلالة بونديبوجيو تختلف وراثياً عن السلالات الأخرى لفيروس إيبولا التي تتوافر لها لقاحات معتمدة، مثل سلالة زائير، وهو ما يجعل اللقاحات الحالية محدودة الفاعلية أو غير مخصصة لهذا النوع. ويشير الباحثون إلى أن عائلة فيروسات إيبولا تضم عدة أنواع متمايزة، يحتاج كل منها إلى حلول علاجية ووقائية خاصة، الأمر الذي دفع جامعة أكسفورد إلى تسريع تطوير لقاح جديد خلال أسابيع قليلة من إعلان حالة الطوارئ الصحية الدولية المرتبطة بالتفشي الحالي.
تزامنت التجربة مع إعلان معهد سيروم الهندي، الشريك الصناعي في المشروع، إنتاج وتخزين نحو 620 ألف جرعة من اللقاح المرشح خلال فترة زمنية قصيرة، مع توفير أربعة آلاف جرعة مخصصة للمرحلة الأولى من التجارب السريرية. ويرى القائمون على البرنامج أن هذا التصنيع المبكر يهدف إلى تقليص الفجوة الزمنية بين إثبات فاعلية اللقاح وإتاحته للدول المتضررة إذا أثبت نجاحه، وهو نهج يختلف عن التجارب التقليدية التي يبدأ فيها الإنتاج بعد اكتمال الدراسات السريرية.
يمول المشروع ائتلاف ابتكارات التأهب الوبائي CEPI)) ضمن برنامج تبلغ قيمته 8.6 ملايين دولار لدعم تطوير لقاحات سلالة بونديبوجيو، بالشراكة مع جامعة أكسفورد ومعهد سيروم الهندي. وأكدت الجامعة أن الاستعدادات جارية أيضاً لإطلاق تجارب إضافية في أوغندا بالتعاون مع وحدة البحوث المشتركة بين مجلس البحوث الطبية البريطاني ومعهد أبحاث الفيروسات الأوغندي وكلية لندن للصحة والطب الاستوائي، بهدف جمع بيانات من البيئات التي تشهد انتقالاً فعلياً للفيروس.
يأتي إطلاق التجربة في وقت تتعرض فيه جمهورية الكونغو الديمقراطية لأكبر اختبار صحي منذ سنوات، إذ يستمر انتشار الفيروس في عدة مقاطعات شرقية وسط صعوبات ميدانية ناجمة عن النزاعات المسلحة والنزوح الواسع للسكان. وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية وشركائها إلى أن غياب لقاح معتمد لسلالة بونديبوجيو جعل احتواء الوباء يعتمد بصورة أساسية على إجراءات العزل وتتبع المخالطين والتدخلات العلاجية التجريبية، وهو ما زاد الحاجة إلى تطوير لقاح متخصص في أسرع وقت ممكن.
تتوازى تجربة اللقاح مع تجربة علاجية دولية أخرى تحمل اسم PARTNERS، بدأت بالفعل في جمهورية الكونغو الديمقراطية تحت رعاية منظمة الصحة العالمية، وتهدف إلى اختبار فعالية عقارين تجريبيين هما MBP134 وريمديسيفير، سواء بشكل منفصل أو مجتمعين، لمعرفة قدرتهما على تحسين معدلات النجاة لدى المصابين بسلالة بونديبوجيو. ويعد الجمع بين تطوير اللقاحات والعلاجات في الوقت نفسه استراتيجية غير مسبوقة نسبياً في الاستجابة للأوبئة، إذ تسعى المؤسسات البحثية إلى تقليل الوفيات مع العمل على وقف انتقال العدوى مستقبلاً.
يؤكد باحثون في أكسفورد أن أحد أهم الدروس المستفادة من أوبئة إيبولا السابقة يتمثل في ضرورة إجراء الأبحاث السريرية بالتوازي مع الاستجابة الميدانية، لأن انتظار انتهاء التفشي قبل تطوير اللقاحات أو العلاجات يؤدي إلى ضياع فرصة تحسين الاستجابة للأوبئة اللاحقة. وترى الجامعة أن البرنامج الحالي يمثل نموذجاً جديداً يربط بين البحث العلمي والعمل الإنساني المباشر داخل المناطق المتضررة، مع ضمان استفادة المجتمعات المحلية من النتائج فور إثبات فاعليتها.
يشير خبراء الصحة العامة إلى أن نجاح اللقاح سيظل مرتبطاً بعوامل تتجاوز الجانب العلمي، تشمل القدرة على الوصول إلى المناطق التي تشهد نزاعات مسلحة، واستعادة ثقة المجتمعات المحلية في الفرق الطبية، وتأمين سلاسل الإمداد، وضمان التمويل الدولي للاستجابة. وترى منظمات صحية أن التحديات الأمنية والمعلومات المضللة والاعتداءات التي تعرض لها العاملون الصحيون خلال الأشهر الماضية تمثل عقبات موازية للتحديات البيولوجية التي يفرضها الفيروس نفسه، الأمر الذي يجعل نجاح اللقاح، إذا ثبتت فعاليته، جزءاً من منظومة استجابة أوسع تحتاج إلى تعاون سياسي وإنساني مستدام.