تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 20 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

بين الواقعية وحسابات البحر الأحمر: الموقف الإثيوبي من اعتراف إسرائيل بصوماليلاند

7 يناير, 2026
الصورة
بين الواقعية وحسابات البحر الأحمر: الموقف الإثيوبي من اعتراف إسرائيل بصوماليلاند
Share

أعلنت إسرائيل في 26 ديسمبر/كانون الأول 2025 اعترافها الرسمي بصوماليلاند دولةً مستقلة، لتصبح بذلك أول دولة تُقدِم على هذه الخطوة منذ إعلان هرجيسا انفصالها عن الصومال عام 1991. وتضمّن الإعلان بدء تبادل السفراء، وفتح بعثات دبلوماسية في عاصمتي الجانبين، إلى جانب إطلاق مسارات تعاون في مجالات التنمية المشتركة والتكنولوجيا والصحة والأمن الإقليمي في القرن الأفريقي.

رغم أن هذا التطور لم يأتِ من فراغ، في ضوء اتصالات وتمهيدات سابقة، فإنه يمثل تحوّلًا نوعيًا يحمل في طياته تداعيات جيوسياسية واستراتيجية عميقة، لا تقتصر على الصومال وصوماليلاند فحسب، بل تمتد إلى توازنات القرن الأفريقي وحسابات الشرق الأوسط الأوسع.

كيف تُدير إثيوبيا ملف الاعتراف بصوماليلاند؟

تتبنّى إثيوبيا رسميًا موقفًا متحفّظًا إزاء الاعتراف بصوماليلاند دولةً مستقلة، إذ أوضح السفير الإثيوبي لدى الصومال، أن بلاده تتابع التطورات باهتمام ودقّة، من دون امتلاك جدول زمني ثابت أو موعد محدد لاتخاذ قرار في هذا الشأن. وشدّد السفير على أن أديس أبابا تضع أولوية الحفاظ على الاستقرار في صدارة حساباتها، معتبرًا أن التحولات الجارية في القرن الأفريقي تمسّ المصالح الاستراتيجية لإثيوبيا، ولا سيما ما يتصل بالوصول إلى البحر الأحمر وتوازنات الأمن الإقليمي.

في السياق ذاته، يرى موقع Horn Review الإثيوبي أن النهج الإثيوبي تجاه صوماليلاند يُحدث تأثيرًا مباشرًا على ديناميكيات القرن الأفريقي الأوسع. ويشير التحليل إلى أن الاستراتيجية الأمثل لأديس أبابا تكمن في التحلّي بالصبر، مع مشاركة إقليمية فاعلة تتمثل في تعميق أطر التعاون الأمني والاقتصادي والمينائي مع صوماليلاند، وفي الوقت نفسه الحفاظ على باب الحوار مفتوحًا مع الصومال، لضمان تفادي أي تصعيد محتمل بين الطرفين والحفاظ على استقرار المنطقة ككل.

تجد أديس أبابا نفسها أمام فرصة لإعادة التفاوض على مذكرة تفاهم ثانية، في سياق مختلف، يكون أكثر فائدة لإثيوبيا، إذ إن أي ترتيب جديد سيكون هذه المرة مع دولة معترف بها، ما يمنح الاتفاق غطاءً قانونيًا وسياديًا أوسع، ويُقلّل من كلفة الاعتراضات الإقليمية

يضيف الموقع ذاته أن إثيوبيا تمتلك فرصة لتعزيز النظام الناشئ في القرن الأفريقي صوماليلاند، بدلاً من زعزعته، من خلال إعداد دقيق وتنسيق محكم لأي اعتراف نهائي، مع ضمان دعم دولي واسع. ويشدّد التحليل على أن التسرّع غير ضروري، والسلبية كذلك غير مبررة، إذ إن اختيار التوقيت المناسب سيكون عاملًا حاسمًا في تشكيل مستقبل صوماليلاند وموازين القوة في البحر الأحمر.

وفقًا لمصادر صوماليلاندية، تدرس إثيوبيا حاليًا مسار الاعتراف بصوماليلاند كخطوة محتملة تجعلها ثاني دولة تمنح صوماليلاند استقلاله الرسمي، في سياق تحركات دبلوماسية دقيقة تتجاوز مجرد قرار ثنائي. ويعكس تصريح وزير الدولة الإثيوبي، تاريكين بولوتا غودانا، هذه الرؤية، إذ وصف اعتراف إسرائيل بأنه خطوة دبلوماسية بارزة قد تُغيّر مسار القرن الأفريقي مستقبلاً، في إشارة إلى أن أي قرار إثيوبي سيؤخذ ضمن حسابات إستراتيجية إقليمية واسعة.

يجد هذا المنطق جذوره في موقف سابق عبّر عنه رئيس الوزراء الإثيوبي الأسبق، ميليس زيناوي، خلال فترة حكمه التي انتهت عام 2012، حين قال إن إثيوبيا: "لن تكون أول من يعترف بصوماليلاند، لكنها ستكون بالتأكيد الثانية". ويُظهر هذا التصريح أن النهج الإثيوبي لم يكن يومًا يرفض فكرة قيام دولة صوماليلاند، بقدر ما هو رهان على التوقيت المناسب وإدارة الكلفة السياسية والاستراتيجية.

توضح صحيفة لوموند الفرنسية أن رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، يتعامل مع ملف صوماليلاند بوصفه ورقة ضغط جيوسياسية ضمن إستراتيجية أوسع تهدف إلى تنويع المنافذ البحرية. ووفقًا للصحيفة، لا تنفصل هذه المقاربة عن سعي أديس أبابا إلى إعادة تشكيل موقعها في معادلات البحر الأحمر والقرن الأفريقي، عبر استخدام صوماليلاند كخيار تفاوضي يمنحها هامشًا أكبر للمناورة، دون الاندفاع إلى خطوات نهائية تُربك توازنات الإقليم أو تُفجّر صدامًا مباشرًا مع الصومال وشركائه.

الطريق إلى البحر يبدأ من هرجيسا

لعبت مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وصوماليلاند، الموقَّعة في يناير/كانون الثاني 2024، دورًا محوريًا في إعادة تسليط الضوء الدولي على ملف صوماليلاند، بعدما منحت صوماليلاند أديس أبابا، حق الوصول إلى ميناء بربرة، مقابل تعهّد غير مباشر بالسير نحو الاعتراف باستقلال صوماليلاند. ورغم أن الاتفاقية جُمِّدت لاحقًا تحت ضغوط صومالية وتركية، فإنها كشفت عن تحوّل نوعي في المقاربة الإثيوبية، وأخرجت صوماليلاند من هامش النقاش الدولي إلى قلب حسابات البحر الأحمر. واليوم، تجد أديس أبابا نفسها أمام فرصة لإعادة التفاوض على مذكرة تفاهم ثانية، في سياق مختلف، يكون أكثر فائدة لإثيوبيا، إذ إن أي ترتيب جديد سيكون هذه المرة مع دولة معترف بها، ما يمنح الاتفاق غطاءً قانونيًا وسياديًا أوسع، ويُقلّل من كلفة الاعتراضات الإقليمية.

يبدو أن الاستعداد الإثيوبي للاعتراف بصوماليلاند بات مسألة وقت أكثر منه موضع تساؤل، إذ تشير غالبية المؤشرات إلى أن هذا هو المسار الذي يمليه المنطق الاستراتيجي لأديس أبابا

تكتسب صوماليلاند، في هذا الإطار، أهمية استراتيجية متزايدة لإثيوبيا الساعية منذ سنوات إلى فكّ اختناقها الجغرافي والوصول إلى البحر الأحمر. فميناء بربرة يوفّر لإثيوبيا منفذًا بحريًا بديلًا، خصوصًا بعد تطويره من قبل شركة موانئ دبي العالمية بطاقة استيعابية تُقدَّر بنحو 500 ألف حاوية سنويًا. ومع خطوط السكك الحديدية المقترحة التي تربط الميناء بعمق الأراضي الإثيوبية، يمكن لهذا المسار أن يُقلّل بدرجة كبيرة من اعتماد أديس أبابا شبه الكامل على جيبوتي في تجارتها الدولية.

من شأن تكريسٍ مسار استقلال صوماليلاند أن يعيد إعادة رسم الخريطة البحرية للبحر الأحمر، عبر تقسيمه عمليًا إلى مناطق نفوذ متنافسة: محور يضم صوماليلاند وإثيوبيا وإسرائيل، في مقابل محور آخر تقوده مصر وإريتريا والصومال، مع حضور فاعل للحوثيين كطرف ثالث يفرض معادلاته بالقوة على أمن الملاحة.

لا يتوقف الأمر عند حدود الاصطفاف الأمني، إذ يشير تقرير لصحيفة تايمز أوف إسرائيل إلى أن ممرًا اقتصاديًا دوليًا جديدًا يتشكّل، يمتد من الهند مرورًا باليمن وصوماليلاند وإثيوبيا وصولًا إلى أوروبا، مع دور محوري لكلٍّ من هرجيسا وأديس أبابا يتجاوز نقاط الاختناق التقليدية. وتتعزز هذه القراءة في ضوء الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند وزيارة رئيس الوزراء الهندي إلى إثيوبيا في منتصف ديسمبر/كانون الأول 2025، ما يوحي بأن التحركات الدبلوماسية الأخيرة ليست معزولة، بل جزء من هندسة أوسع لإعادة تموضع اقتصادي–جيوسياسي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

صراع النفوذ في القرن الأفريقي

بالرغم من أن الموقف الإثيوبي يظل الأكثر حساسية في معادلة الإقليم، فإن ردود فعل كلٍّ من الصومال ومصر وتركيا وغيرهم من الدول على الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند جاءت فورية وحادّة، بما يعكس إدراك هذه الأطراف لحجم التداعيات الجيوسياسية المحتملة للخطوة.

تسعى أديس أبابا إلى إعادة تشكيل موقعها في معادلات البحر الأحمر والقرن الأفريقي، عبر استخدام صوماليلاند كخيار تفاوضي يمنحها هامشًا أكبر للمناورة، دون الاندفاع إلى خطوات نهائية تُربك توازنات الإقليم أو تُفجّر صدامًا مباشرًا مع الصومال وشركائه

يستند الموقف المصري، في هذا السياق، إلى اعتبارات تتجاوز التضامن الدبلوماسي مع الصومال، إذ تسعى القاهرة إلى حماية نفوذها على امتداد البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ومن خلال رفضها للاعتراف، تعمل مصر على ضبط أي تحولات استراتيجية تصب في مصلحة إثيوبيا أو إسرائيل أو بعض دول الخليج، بما يُربك موازين القوة الإقليمية ويحدّ من قدرتها على التأثير في ملفات الأمن البحري.

في الاتجاه ذاته، ترفض جيبوتي الاعتراف بصوماليلاند انطلاقًا من حرصها على الحفاظ على مكانتها كمركز رئيسي والخدمات اللوجستية على ممر باب المندب. وتدرك جيبوتي أن أي اعتراف رسمي بصوماليلاند، مقرونًا بسعي إثيوبيا لتنويع منافذها البحرية عبر ميناء بربرة، من شأنه أن يُعيد توجيه مركز الثقل الإقليمي، ويُقلّص تدريجيًا النفوذ الذي راكمته جيبوتي بوصفها البوابة البحرية شبه الحصرية لإثيوبيا خلال العقود الماضية.

يبدو أن الاستعداد الإثيوبي للاعتراف بصوماليلاند بات مسألة وقت أكثر منه موضع تساؤل، إذ تشير غالبية المؤشرات إلى أن هذا هو المسار الذي يمليه المنطق الاستراتيجي لأديس أبابا. غير أن ترجمة هذا المسار إلى قرار فعلي تتطلب قدرة إثيوبيا على تحمّل الضغوط الإقليمية والدولية، عبر ترسيخ سياستها تجاه صوماليلاند ضمن سردية وطنية واضحة ومتماسكة.

وفي هذا الإطار، ينبغي تأطير أي اعتراف محتمل لا بوصفه دعمًا لعمل انفصالي، بل باعتباره استجابة براغماتية لواقع تاريخي وسياسي قائم، يراعي توازنات الإقليم ويهدف إلى إعادة تنظيم العلاقة مع البحر الأحمر والقرن الأفريقي على أسس أكثر واقعية واستقرارًا.