تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 6 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

بين التقليد والتحديث: سجال النخب الجيبوتية في صياغة قانون الأحوال الشخصية

28 مايو, 2025
الصورة
سجال النخب الجيبوتية في صياغة قانون الأحوال الشخصية
Share

يُعتبر قانون الأحوال الشخصية في جمهورية جيبوتي من أبرز التشريعات التي أثارت نقاشاً واسعاً في أوساط النخب السياسية والاجتماعية، ليس فقط بسبب طبيعة مواده التي تمسّ البنية الأسرية والدينية للمجتمع، بل أيضاً بسبب السياق الذي وُضع فيه، والذي شهد تفاعلاً بين تيارات فكرية مختلفة، تتجاذبها هواجس المحافظة على المرجعية الشرعية من جهة، ودعوات التحديث والمواءمة مع التحولات القانونية الدولية من جهة أخرى.

انطلقت عملية صياغة هذا القانون أواخر التسعينات، وتحديداً في عام 1997، ضمن مناخ سياسي واجتماعي متغير، وانتهت بالمصادقة عليه في يناير/ كانون الثاني 2002.

سجالات في صياغة مشروع القانون الأحوال الشخصية

في الفترة التي سبقت صدور قانون الأحوال الشخصية، كانت المحاكم الشرعية في جيبوتي تفتقر إلى نصوص قانونية مكتوبة يُحتكم إليها للفصل في القضايا الأسرية والنزاعات الحقوقية. لذلك، كان القضاة يعتمدون على اجتهاداتهم الشخصية، مستنيرين بأحكام الشريعة الإسلامية، لتحقيق العدالة والمصلحة العامة. وفي كثير من الأحيان كانوا يسعون أولاً إلى الإصلاح بين الأطراف المتنازعة قبل إصدار الحكم، ثم يرفعون القرار إلى النيابة العامة لتتولى تنفيذه. وقد ظل هذا النمط القضائي قائماً منذ نشأة المحكمة الشرعية أواخر القرن التاسع عشر حتى عام 1997.

بادر وزير العدل والشؤون الإسلامية والقضائية آنذاك، السيد حسن فارح، عام 1997، إلى إطلاق مشروع إعداد قانون للأحوال الشخصية، وأسند مهمة صياغة مسودته إلى خبير قانوني تونسي يعمل مع الأمم المتحدة، بغرض إعداد مرجعية قانونية معتمدة للقضاة، كما هو الحال في بعض الدول العربية، لا سيما تونس.

ويبدو أن اختيار التجربة التونسية لم يكن اعتباطياً، إذ إن تونس تُعرف بتبنيها لنموذج حداثي في قوانين الأحوال الشخصية منذ صدور قانونها سنة 1956، الذي جرَّم تعدد الزوجات، ومنع الطلاق الشفهي، ومنح المرأة الراشدة حق السفر من دون إخطار مسبق للزوج أو الأب، ومنحها كذلك حق إعطاء جنسيتها لأبنائها من زوج أجنبي، وغير ذلك من الحقوق المدنية المتأثرة بالتقاليد القانونية الفرنسية ذات الطابع الحداثي، الأمر الذي جعل هذا النموذج محل استلهام لبعض النخب الجيبوتية المقرّبة من وزير العدل.

لكن المسودة الأولى التي قدمها الخبير التونسي قوبلت بتحفّظ واضح من بعض مستشاري الوزير من المحكمة الشرعية، لما تضمنته من مواد اعتبروها مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية والخصوصية الثقافية المحلية، مثل: منع تعدد الزوجات والمساواة المطلقة في الميراث. وقد أدى ذلك إلى تشكيل لجنة مراجعة مكوّنة من علماء دين وقانونيين من المحكمة الشرعية لتقويم المسودة، فرفعت اللجنة تقريراً مفصلاً أوصت فيه بحذف وتعديل عدد من المواد، وعدم إحالة المشروع إلى الجمعية الوطنية (البرلمان) إلا بعد إدخال هذه التعديلات.

غير أن المشروع توقف بعد ذلك نتيجة تغييرات وزارية أفضت إلى خروج الوزير حسن فارح من الحكومة، وتعاقبت من بعده وزارتان دون أن تبدي أي منهما اهتماماً بالمشروع، ما أدى إلى تجميده عدة سنوات.

مع مطلع الألفية الجديدة، وبعد تولي الرئيس إسماعيل عمر جيله رئاسة الجمهورية عام 1999، بدأت تتشكّل في جيبوتي بيئة سياسية واجتماعية أكثر انفتاحاً وتطويراً للمؤسسات الحكومية، حيث استحدثت العديد من الأجهزة الحكومية الجديدة، منها وزارة تُعنى بترقية المرأة ورعاية الأسرة والشؤون الاجتماعية، تولت إدارتها السيدة حواء أحمد، كأول وزيرة في تاريخ البلاد.

رأت الوزارة الجديدة في مشروع قانون الأحوال الشخصية المجمد أداة مناسبة تخدم قضاياها، خصوصاً ما يتعلق بحقوق المرأة والأسرة، فسعت إلى إحيائه مجدداً. وفي هذا الإطار، استعانت الوزارة ببعثة نسوية مكونة من خبيرات قانونيات - معظمهن من تونس والمغرب - لإعادة صياغة المشروع، بما يعزز الحقوق القانونية والاجتماعية للمرأة الجيبوتية.

مما رسّخ في أذهان كثير من المواطنين أن القانون يتمحور حول "تحرير المرأة" ومساواتها بالرجل، في حين أن القانون في جوهره يعالج منظومة متكاملة من الأحكام الشرعية المنظمة للحياة الأسرية، بما في ذلك الزواج والطلاق والميراث والحضانة والنفقة

قدمت الوزارة المشروع المعاد صياغته إلى الجمعية الوطنية للمصادقة عليه، ما أثار جدلاً واسعاً بين وزارتي العدل وترقية المرأة حول الجهة المخوّلة بصياغة مثل هذه القوانين. كما استُعيدت خلفيات المشروع الأصلية، وملاحظات المحكمة الشرعية عليه. وبناءً على هذا، أحال البرلمان المشروع إلى "لجنة المشاريع"، التي بدورها شكّلت لجنة استشارية مستقلة برئاسة السيد آدم شيخ حسن نورية، مستشار رئيس الجمهورية للشؤون العربية والإسلامية، وعضوية عدد من علماء الدين والشخصيات القانونية والبرلمانية.

انكبت اللجنة الاستشارية على مراجعة المشروع، فحذفت المواد المثيرة الجدل، والتي أبدى العلماء اعتراضهم عليها سابقاً، وأخذت بتعديلات اللجنة الأولى على مسودة الخبير التونسي، وأعادت النظر في الإضافات التي جاءت بها البعثة النسوية. وهكذا، وبعد سجالات طويلة، خرج مشروع القانون بصيغته التوافقية، وصادقت عليه الجمعية الوطنية رسمياً في 31 يناير/ كانون الثاني 2002.

وقد بدا جلياً أن رئاسة الجمهورية ومؤسسات الدولة العليا كانت حريصة على أن يخرج القانون بما يُرضي المرجعية الدينية في البلاد، ويضمن توافقه مع أحكام الشريعة، بالنظر إلى طبيعة القضايا التي يتناولها. ومع ذلك، لم تخلُ الصياغة النهائية من روح الحداثة، خاصة في قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وقانون التبني الذي أدرج في قانون الأحوال الشخصية لاحقاً، بتاريخ 30 سبتمبر/ أيلول 2014.

بعد إقرار القانون، أطلقت وزارة ترقية المرأة ورعاية الأسرة حملة واسعة للتعريف به، باستخدام وسائل الإعلام المختلفة، وتنظيم ندوات توعوية، مع إشراك منظمات المجتمع المدني وأبرزها اتحاد نساء جيبوتي.

ساهمت هذه الحملات في التعريف بالقانون، وفي رفع وعي المواطنين بأهمية الاحتكام إلى المحاكم في حلّ النزاعات الأسرية، بدلاً من المجالس العرفية التقليدية. لكن الوزارة ركزت في حملاتها على إبراز ما يتصل بحقوق المرأة، مما رسّخ في أذهان كثير من المواطنين أن القانون يتمحور حول "تحرير المرأة" ومساواتها بالرجل، في حين أن القانون في جوهره يعالج منظومة متكاملة من الأحكام الشرعية المنظمة للحياة الأسرية، بما في ذلك الزواج، والطلاق، والميراث، والحضانة، والنفقة.

عوامل الجدل والانقسام حول صياغة قانون الأحوال الشخصية

مثّل الخلاف داخل وزارة العدل بشأن موقع المحكمة الشرعية المركزية وصلاحياتها أحد أبرز خلفيات الجدل حول قانون الأحوال الشخصية في جيبوتي. فالمحكمة الشرعية بموجب القانون الصادر في 18يناير/ كانون الثاني عام 1980م كانت تعتبر محكمة استئنافية من الدرجة الثانية، وتتمتع باستقلال قانوني، ولها محاكم ابتدائية في الأقاليم، وتختص بالفصل في قضايا الأحوال الشخصية باستقلال عن المحكمة المدنية العليا، باستثناء قضايا الميراث التي تستأنف في المحكمة المدنية.

وقد حظي قاضي القضاة، بصفته رئيساً للمحكمة، بمكانة اعتبارية مرموقة في الحقبة الاستعمارية وما بعدها، إذ كان يتولى الإشراف على الأوقاف العامة والشؤون الدينية في البلاد، إلى جانب مسؤوليته القضائية، مما عزز من الحضور المؤسسي والديني للمحكمة. غير أن هذه الصلاحيات الواسعة أثارت اعتراضات متكررة من بعض القانونيين والإداريين في وزرا العدل الذين رأوا في المحكمة مؤسسة موازية يجب دمجها في الهيكل المدني، وهو ما تحقق جزئياً عام 2003م عبر تحويلها من "محكمة شرعية مركزية " إلى "محكمة الأحوال الشخصية" واعتبارها محكمة ابتدائية تستأنف أحكامها أمام المحكمة المدنية.

وقد بدا جلياً أن رئاسة الجمهورية ومؤسسات الدولة العليا كانت حريصة على أن يخرج القانون بما يُرضي المرجعية الدينية في البلاد، ويضمن توافقه مع أحكام الشريعة، بالنظر إلى طبيعة القضايا التي يتناولها. ومع ذلك، لم تخلُ الصياغة النهائية من روح الحداثة

وفي المقابل، كانت هناك أصوات أكثر تطرفًا، وتصدر من بعض الجهات الداعية إلى النموذج الفرنسي العلماني في الإدارة والتشريع، وتطالب بإلغاء المحكمة الشرعية تماماً، وإسناد قضايا الأحوال الشخصية للمحاكم المدنية، متجاهلة الخصوصية الدينية والثقافية للمجتمع الجيبوتي. وقد أسهم هذا التوتر المؤسسي حول صلاحيات المحكمة الشرعية في إذكاء الجدل حول القانون، ومكانة المؤسسة الشرعية ضمن النظام القضائي.

تعود الخلفية الثانية للسجال الذي دار حول قانون الأحوال الشخصية إلى صراع ثقافي واجتماعي ممتد بين شريحتين من النخبة المتعلمة في جيبوتي: الشريحة التي تلقت تعليمها بالفرنسية، وهي الغالبة في أوساط المثقفين وكبار الموظفين في مؤسسات الدولة، وتلك التي تلقت تعليمها بالعربية في المدارس الإسلامية الأهلية، ثم واصلت دراستها الجامعية في الدول العربية. وقد مثّلت المحكمة الشرعية والإدارات التابعة لها كالأوقاف والشؤون الإسلامية، المؤسسة الحكومية الوحيدة التي كانت تستقطب المتعلمين بالعربية منذ عقود، وكانت تُعدّ بمثابة الحاضنة الوظيفية لهم داخل هيكل الدولة.

انعكس هذا التمايز في الخلفيات التعليمية واللغوية بين النخب في شكل من أشكال التنافس المؤسسي، حيث بات بعض المسؤولين في وزارة العدل، من المنتمين إلى النخبة المتفرنسة ينظرون إلى المحكمة الشرعية أنها ممثلة لتيار ثقافي مغاير. ولهذا عبّر هؤلاء عن تحفظاتهم إزاء استقلالية المحكمة وصلاحياتها، وهي تحفظات اتخذت في ظاهرها طابعاً إدارياً أو قانونياً، لكنها كانت في عمقها انعكاساً لانقسام ثقافي أعمق يتجاوز الجوانب الفنية والإجرائية.

مع بداية الألفية الجديدة، ومع تولي الرئيس إسماعيل عمر جيله سدة الحكم عام 1999، بدأت ملامح التحول في المشهد العام، حيث شهدت البلاد صعوداً لافتاً للمتعلمين بالعربية، وتعزيزاً لحضورهم داخل مؤسسات الدولة. تمثل ذلك في تشكيل أول وزارة للأوقاف والشؤون الإسلامية، التي بُنيت في الأساس على كوادر من هذا التيار، إلى جانب إزالة الحواجز التي كانت تحول دون اعتماد شهادات المدارس العربية المحلية والجامعات العربية الخارجية في التوظيف الرسمي، ومساواة خريجيها بنظرائهم من خريجي الجامعات الفرنسية في الرواتب والامتيازات.

شمل هذا التحول قضاة المحكمة الشرعية الذين عوملوا على قدم المساواة مع نظرائهم في القضاء المدني، من حيث الرتب والحقوق الوظيفية، بعد أن كانت هذه الفئة تعاني من التهميش في الفترات السابقة.

كان لهذه المتغيرات أثر بالغ في تغذية الجدل الدائر حول قانون الأحوال الشخصية، إذ رأت بعض النخب الحداثية من أنصار النموذج الفرنسي في الإدارة والثقافة أن القانون، بصيغته المستجيبة للخصوصية الدينية والثقافية، يمثل انتصاراً لتيار المتعلمين بالعربية، ويعكس تزايد نفوذهم داخل الدولة والمجتمع، بما يشكّل تهديداً ضمنياً لمصالحهم ومواقعهم.

وفي هذا السياق، يُعد الحراك النسوي الذي تبلور مع إنشاء أول وزارة لترقية المرأة والشؤون الاجتماعية، أحد العوامل المهمة التي زادت من سخونة السجال حول القانون. فكما سبقت الإشارة، سعى هذا الحراك إلى التأثير المباشر في صياغة القانون بما يخدم رؤيته الخاصة لحقوق المرأة.

كان لهذه المتغيرات أثر بالغ في تغذية الجدل الدائر حول قانون الأحوال الشخصية، إذ رأت بعض النخب الحداثية من أنصار النموذج الفرنسي في الإدارة والثقافة أن القانون، بصيغته المستجيبة للخصوصية الدينية والثقافية، يمثل انتصاراً لتيار المتعلمين بالعربية

كما سعى أيضاً عقب صدور القانون متمثلاً بـ "اتحاد نساء جيبوتي"، وهو من أقوى منظمات المجتمع المدني في البلاد إلى توسيع نطاق المكاسب القانونية للمرأة، عبر محاولات للالتفاف على القانون وآلياته. ولهذا أنشأ الاتحاد ما سُمّي بـ"مكتب الأسرة"، تحت مظلة حماية المرأة من العنف الجسدي، حيث يتولى المكتب استقبال الشكاوى المتعلقة بحرمان النساء من حقوقهن، إضافة إلى حالات العنف النفسي والجسدي. غير أن الدور المتنامي لهذا المكتب أثار جملة من التساؤلات والإشكالات القانونية، ما اضطر القائمين عليه لاحقاً إلى إعادة هيكلته، وتغيير اسمه إلى "مكتب الإصغاء والإرشاد"، مع حصر اختصاصه في الوساطة وتقديم الإرشاد، دون أن يمتد تدخله إلى عمل القضاء الشرعي. ومع ذلك، بقي الجدل قائماً بشأن مرجعيته القانونية وطبيعة دوره في الساحة الاجتماعية والقضائية.

شكّل الجدل حول قانون الأحوال الشخصية في جيبوتي لحظة فارقة كشفت عن عمق التباينات الفكرية والثقافية بين مكونات النخبة والمؤسسات. ورغم أن المسار انتهى إلى توافق، فقد سلّط الضوء على تحديات التوفيق بين المرجعيات الدينية والخيارات القانونية الحديثة. لقد أرخت تلك التجربة بظلالها على تشكيل الوعي القانوني والاجتماعي في البلاد.