الجمعة 17 أبريل 2026
توفي أثول فوجارد في 8 مارس/آذار 2025 في مدينة ستيلينبوش بجنوب أفريقيا، عن عمر ناهز 92 عاما، بعد أن خلّف إرثا مسرحيّا استثنائيّا. كان الراحل من أبرز الكتّاب المسرحيين الذين بلوروا مسرحا مقاوما ومركّبا في جنوب أفريقيا، خلال واحدة من أكثر الفترات قسوةً وظلمة في تاريخ البلاد، هي فترة الفصل العنصري. لم يتعامل مع المسرح كمنصة للخطابة السياسية أو التنديد الظرفي، بل مختبرا للكشف عن جوهر الإنسان في مواجهة الطغيان، ومجال لاستبطان التمزّقات الداخليّة التي يُحدثها القمع في الذات الفرديّة كما في الوعي الجمعي. تميّز مشروعه المسرحي بقدرة فريدة على التقاط التوتّرات الدقيقة بين الصمت والبوح، بين الخوف والرغبة في التحرّر، مجسّدا بذلك شكلا من أشكال الكتابة التي تُنصت أكثر مما تُصرّح، وتُحمّل التفاصيل اليوميّة أثقالا رمزية عميقة.
وُلد فوجارد في 11 يونيو/ حزيران 1932، في مدينة ميدلبورغ، لعائلة مزدوجة الهويّة العرقيّة والثقافية، وهو ما أتاح له منذ طفولته وعيًا مبكّرا بالتفاوتات البنيويّة التي تقوم عليها البنية الاجتماعية في بلده. هذا الوعي ترسّخ لاحقًا خلال دراسته للأنثروبولوجيا والفلسفة، ثم في رحلته الطويلة عبر القارّة الأفريقية، قبل أن يعمل كاتبا في محكمة عنصريّة تُحاكم السود على خلفيّة انتهاك قوانين التصاريح؛ تجربة وصفها لاحقًا بأنّها لحظة تشكّل تشاؤمه الجذري.
لم يعد المسرح بالنسبة إليه مجرّد فن، بل شهادة حيّة على القمع والمقاومة، ومساحة لتقاطع الذوات المقموعة، تتجاوز العرق واللّغة والتاريخ الرسمي
انطلقت مغامرته المسرحيّة من علاقته بسكان صوفياتاون، الحيّ المختلط الذي كان مسرحا للتعدّد والاضطهاد في آن، وهناك كتب أعماله الأولى، مثل: "نونغوغو" و"لا جمعة عظيمة"، بالشراكة مع ممثلين سود، وباللّغة التي تعكس واقعهم. منذ تلك اللحظة، لم يعد المسرح بالنسبة إليه مجرّد فن، بل شهادة حيّة على القمع والمقاومة، ومساحة لتقاطع الذوات المقموعة، تتجاوز العرق واللّغة والتاريخ الرسمي.
اختار الرجل أن يُقيم الجزء الأكبر من حياته في مدينة بورت إليزابيث، التي تحوّلت بدورها إلى فضاء درامي ورمزي في عدد من مسرحيّاته. ومع أنّ كثيرا من نصوصه كُتبت تحت رقابة صارمة، بل وبأسماء مستعارة أحيانًا، فإنّها تمكّنت من أن تفتح كوّة في جدار الصمت، وأن تُعيد تعريف العلاقة بين المسرح والسياسة والذاكرة.
كان فوجارد جزءا من واقع عنصري يقمع حرية التعبير ويُقصي الأغلبيّة السوداء، لكنّه اختار أن يتموضع ككاتب شاهد ومؤتمن على سرديات المهمّشين، من خلال عمله المشترك مع فنانين من أعراق مختلفة، وتأكيده الدائم على قيمة الحوار، ليس بوصفه تقنية درامية فقط، بل بوصفه موقفا أخلاقيّا. لذا، لا يُمكن فهم إسهامه في المسرح الجنوب أفريقي خارج سيرته الشخصيّة المنخرطة سياسيا وجماليا، فقد مثّل جسده ولغته وعلاقاته منصّة مقاومة قائمة بذاتها، سعت إلى اختراق الجدران السميكة للفصل العنصري بوسائط فنيّة دقيقة وملتحمة بالواقع في آن.
في سياق تحوّل المسرح الجنوب أفريقي، خلال القرن العشرين، إلى مساحة نضاليّة بديلة عن الإعلام المراقب والمؤسّسات الرسميّة، أتى صوت فوجارد ليركّز على البعد الداخلي من الكفاح، حيث تتقاطع قضايا العرق والسلطة والهويّة مع أسئلة أكثر اتساعًا حول الندم والاعتراف والكرامة. بهذا، أسّس لتقليد مسرحي لا يكتفي بالاحتجاج، بل يقدّم دراما معقّدة عن الإنسان في زمن اللاعدالة، بين العتمة والضوء.
مثّلت مسرحيّة عقدة الدم (1961) نقطة تحوّل في مشروع أثول فوجارد المسرحي، كونها أوّل عمل درامي يُعرض في جنوب أفريقيا يجمع ممثلينِ بيضا وسودا في وقت كانت فيه قوانين الفصل العنصري تمنع ذلك. لكنّها كانت أكثر من خرق قانوني، إذ قدّمت مقاربة حميميّة للعنصرية من خلال علاقة أخويّة بين زاك وموريس، أحدهما أبيض المظهر والآخر أسود، يعيشان في كوخ هامشي، ويحاولان صياغة معنى الأخوّة في ظلّ نظام يقنّن التفرقة. اعتمدت المسرحيّة على التوتّر النفسي والرمزيّة، مجسّدة كيف تتحوّل الهويّة إلى عبء يُثقل العلاقات الخاصّة.
العائلة عند فوجارد ليست ملاذا من النظام العنصري، بل مرآته الأكثر قسوة، حيث تتكثّف التمزّقات بين القرب الدموي والانفصال المؤسّسي
هذا التوظيف العائلي كاستعارة للانقسام المجتمعي تكرّس لاحقا فيما عُرف ب"ثلاثية بورت إليزابيث": عقدة الدم، مرحبًا وداعًا (1965) وبوسمان ولينا (1969)، وجمعتها سمات مشتركة: الفضاء المغلق ومحدودية الشخصيات وثيمات الاغتراب والذنب والبحث عن اعتراف في سياق عنصري منكر للروابط الأوليّة. في مرحبا وداعا، تستعيد الأخت علاقتها المهشّمة بأخيها في بيت الطفولة، بينما تُصوّر بوسمان ولينا ثنائيّا تائها يحمل آثار التهجير والفقد. وقد جسّد فوجارد شخصيّة بوسمان بنفسه في نسختها السينمائية (1973)، في تأكيد على شخصنة التجربة.
تنتمي هذه الأعمال إلى "دراما نفسية رمزية" تُعيد تركيب الواقع العرقي من خلال علاقات مهدّدة. لا تُعالج الثلاثيّة الفصل العنصري كحدث خارجي، بل كحالة وجوديّة تتسرّب إلى اللغة والجسد والعلاقات العائليّة. من هذا المنظور، فالعائلة عند فوجارد ليست ملاذا من النظام العنصري، بل مرآته الأكثر قسوة، حيث تتكثّف التمزّقات بين القرب الدموي والانفصال المؤسّسي. المسرح هنا يصبح فضاءً لتجربة الألم الشخصي بوصفه انعكاسا لعنف جماعي.
شهد منتصف السبعينيات تحوّلًا جذريًا في مسيرة فوجارد، إذ انتقل من الدراما النصيّة الكلاسيكيّة إلى شكل أكثر انفتاحا يُعرف بـ"المسرح التشاركي"، كردّ على انتقادات وجّهت إليه محليّا باعتبار نصوصه الأولى استمرارا لدراما غربيّة رمزيّة لا تُشرك الواقع الجنوب أفريقي مباشرة. في هذا السياق، تبلورت "مرحلة التفويض الدرامي"، حيث أفسح فوجارد المجال لتجارب الممثلين وخبراتهم اليومية في صياغة بيانات العرض.
كثير من نصوصه كُتبت تحت رقابة صارمة، بل وبأسماء مستعارة أحيانًا، لكنها تمكّنت من أن تفتح كوّة في جدار الصمت، وأن تُعيد تعريف العلاقة بين المسرح والسياسة والذاكرة
نتج عن هذه التقنية أعمال بارزة، مثل: "مات سيزوي بانسي" و"الجزيرة"، و"بيانات بعد الاعتقال"، والتي نُشرت في كتاب "بيانات: ثلاث مسرحيات" (1974). استندت هذه الأعمال إلى شهادات حيّة ومواقف حقيقيّة، مُشكّلة نمطا من "المسرح الوثائقي المقاوم" الذي دمج بين السرد الواقعي والتجريب الفني.
تميّزت هذه المرحلة بجعل الجسد والذاكرة عناصر إبداعيّة أساسيّة، متجاوزة مركزيّة النص والمؤلّف، ما يقارب تصوّر أوغوستو بوال لمسرح المقهورين. لقد تحوّل الممثل إلى فاعل سياسي ومُشارك في إنتاج المعنى، لتصبح التجربة المسرحيّة نفسها فعل مقاومة، لا فقط من حيث المضمون، بل أيضا من حيث آليات الإنتاج. هكذا قدّم فوجارد نموذجا دراميّا يُعيد تمثيل الشهادة الجماعيّة بوصفها فعلا جماليّا وسياسيّا في آنٍ واحد.
رغم الطابع التجريبي الذي طبع مرحلة منتصف السبعينيّات في مسيرة فوجارد، فإنّ النصف الثاني منها شهد عودة مدروسة إلى البنية الدراميّة الكلاسيكيّة، مع التركيز على الحبكة المتماسكة والصراع الداخلي، في انتقال من مسرحة القهر الجماعي إلى دراما التصدّع الفردي.
مثّلت "ديميتوس" (1977) بداية هذا التحوّل، حيث أعاد فوجارد توظيف التراجيديا في سياق رمزي، يعكس صراعا وجوديا داخليا، في ما يشبه مراجعة لدور الفن باعتباره أداة استبطان لا مجرّد مقاومة. وتواصل هذا التوجّه في "درس الصبّار" (1981)، من خلال دراما صامتة، تتجلّى في تفاصيل الحياة اليوميّة، وتُفكّك الخيبات السياسية داخل علاقات هشّة.
بلغت هذه النزعة ذروتها في "ماستر هارولد… والأولاد" (1982)، عبر مشهديّة مكثّفة تكشف الانفصام الأخلاقي في الوعي الأبيض الليبرالي. في حين جاءت "الطريق إلى مكة" (1985) لتربط بين الالتزام الفني والبحث عن الحرية الداخليّة، مستلهمة تجربة فنانة تقاوم العزلة المجتمعيّة بنورها الخاص.
هكذا، يوسّع فوجارد في هذه المرحلة من أفق المسرح السياسي، من خلال الغوص في أعماق الذات، حيث تُطرح السياسة كأخلاق وتأمّل، لا كخطب وشعارات.
مع سقوط نظام الفصل العنصري مطلع التسعينيّات، واجه فوجارد سؤالا محوريّا: ما وظيفة المسرح بعد زوال العدو السياسي؟ في هذه المرحلة، تحوّلت كتاباته من التنديد المباشر إلى التأمّل في الذات والذاكرة، متتبّعا الجراح التي خلّفها النظام حتى بعد نهايته الرسميّة.
في مسرحية "أرض اللعب" (1992)، تنفتح مساحة اللعب المهجورة على حوار بين جندي أبيض وحارس أسود، كلاهما يحمل ماضيا مثقلا بالعنف. لا تطرح المسرحيّة صراعا خارجيّا بقدر ما تكشف عن الخراب الداخلي، حيث يصبح الاعتراف بداية ممكنة للمصالحة.
يظهر فوجارد في شخصية الكاتب المتأمّل في "أغنية الوادي" (1995)، في حوار أجيال مع فتاة شابّة تطمح لمستقبل مختلف. هنا، يطفو القلق من ضياع المعنى السياسي في زمن الحريّة الملتبسة، وتُطرح أسئلة التغيير بلهجة إنسانيّة متردّدة.
ينتقل فوجارد من المسرح الجماعي إلى الحكاية الذاتيّة، ومن التنديد إلى التأمل، مُعيدا تعريف الفن السياسي كأداة للإنصات لا للتعبئة، وللتفكّر في أعماق التجربة الإنسانيّة لما بعد العدو
يبلغ هذا التوجّه ذروته في "القبطان" (1997) و"في أحزان وابتهاجات" (2001)، حيث تتحوّل الذات إلى ساحة للنبش في الطفولة والعلاقات والكتابة. لا يُستدعى الماضي باعتباره حنينا، بل عبء وأسئلة، بينما تصبح اللّغة أداة لكشف هشاشة الهويّة وندوب التاريخ.
يتواصل هذا الخط في "النصر" (2009) و"سائق القطار" (2010)، حيث تتلاشى ثنائيّة الجلّاد والضحية. في الأولى، يواجه رجل أبيض عنفا جديدا من شبّان سود. وفي الثانية، يبحث سائق قطار عن خلاص لا يجده إلّا في صمت بلا إجابة. وفي "الصخور المطلية في ريفولفر كريك" (2015)، يُستعاد الفنان الأسود موكوانا بوصفه شاهدًا فنيّا على معاناة جماعيّة، وتُطرح الذاكرة كفعل مقاومة سرديّة لما بعد التحرير.
هكذا، ينتقل فوجارد من المسرح الجماعي إلى الحكاية الذاتيّة، ومن التنديد إلى التأمل، مُعيدا تعريف الفن السياسي كأداة للإنصات لا للتعبئة، وللتفكّر في أعماق التجربة الإنسانيّة لما بعد العدو.
ينبثق أثر فوجارد المسرحي لا من الصخب الأيديولوجي، بل من عمق التوتّرات التي التقطها بين التجربة الفرديّة والتاريخ الجماعي، وبين الألم الشخصي والبُنى القمعيّة التي تصنعه. لقد شكّل مشروعه الفني مختبرا دائمًا لإعادة التفكير في الإنسان تحت وطأة النظام العنصري، ليس بوصفه ضحيّة فقط، بل كذات مقاومة، متشظيّة، ومتورّطة أيضا في معضلاتها الأخلاقيّة. بفضل أسلوبه المتأرجح بين الكثافة الرمزيّة والواقعيّة الخشنة، استطاع أن يُنتج دراما لا تكتفي بتوثيق الكفاح ضدّ الفصل العنصري، بل تحفر في طيّاته وأسئلته الحارقة.
امتد هذا الاشتغال العميق إلى خارج الخشبة أيضًا، حيث كتب فوجارد رواية "تسوتسي" (1980)، التي تحوّلت إلى فيلم حاز جائزة الأوسكار عام 2005، وشارك في أفلام بارزة، مثل: "زهور القطيفة في أغسطس" (1980) و"حقول القتل" (1984). كما وثّق تأملاته في المسرح والحياة والسياسة في "دفاتر، 1960–1977" (1983) و"كارو وقصص أخرى" (2005)، ما يعكس اتساع أفقه الإبداعي وقدرته على تحويل المعيش إلى مادّة فنيّة متعدّدة الوسائط.
من خلال انتقاله بين الكتابة الكلاسيكيّة والتجريب الجماعي، بين المسرح والسيرة، وبين اللّغة والنظرة، أرّخ فوجارد لأزمنة متحوّلة من القمع إلى التحرير، كاشفا أنّ الضوء، في نهاية المطاف، لا يسطع إلّا عبر شقوق العتمة.