الأحد 7 يونيو 2026
في ظل تصاعد التنافس الاقتصادي بين القوى الكبرى، باتت أفريقيا تمثل إحدى الساحات الرئيسية لإعادة تشكيل شبكات التجارة العالمية، مدفوعة بما تمتلكه القارة من موارد طبيعية هائلة وأسواق استهلاكية متنامية وموقع جغرافي حيوي. وفي هذا السياق، كثفت الصين خلال السنوات الأخيرة استخدام أدواتها التجارية والاستثمارية لتعزيز حضورها داخل القارة، مستفيدة من تراجع نسبي في النفوذ الغربي وتصاعد النزعات الحمائية في الولايات المتحدة وأوروبا.
وسعت الصين، في الأول من مايو/ أيار 2026، نطاق الإعفاءات الجمركية ذات التعريفة الصفرية لتشمل 53 دولة أفريقية. وفي اليوم ذاته، خُلصت في مدينة شنتشن بجنوب الصين أول شحنة أفريقية مستفيدة من هذه السياسة، والمتمثلة في 24 طنًا من التفاح الجنوب أفريقي، بما حمل دلالة رمزية على دخول السياسة حيّز التنفيذ العملي. وتأتي هذه الخطوة استكمالًا لمسار بدأته بكين في ديسمبر/ كانون الأول 2024، حين ألغت الرسوم الجمركية عن واردات 33 دولة أفريقية مصنفة ضمن قائمة الدول الأقل نموًا. ويشير هذا التوسع إلى أن الصين باتت تنظر لأفريقيا كشريك تجاري ضمن استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل سلاسل التوريد، في ظل تزايد التنافس على أسواق الجنوب العالمي.
تأتي سياسة الإعفاءات الجمركية الصينية في سياق علاقة تجارية متنامية بين بكين وأفريقيا، إذ حافظت الصين، على مدار الأعوام 16 الماضية، على موقعها كأكبر شريك تجاري لأفريقيا، مدفوعة بتوسع كبير في حجم التجارة الثنائية. فقد سجل التبادل التجاري بين الطرفين ذروته خلال عام 2025، بعدما بلغ نحو 368.4 مليار دولار، مقارنة بـ295.4 مليار دولار في عام 2024، بما يعكس نموًا سنويًا قدره 17.4٪.
غير أن هذا التوسع يخفي اختلالًا هيكليًا متزايدًا في طبيعة العلاقة التجارية، إذ بلغت قيمة الصادرات الصينية إلى أفريقيا نحو 224 مليار دولار، مقابل واردات صينية من القارة قُدرت بحوالي 122 مليار دولار فقط. ما يكشف ذلك عن اتساع فجوة الميزان التجاري لصالح بكين، في وقت تشير فيه تقديرات إلى أن الصين باتت مسؤولة عن نحو 63٪ من إجمالي العجز التجاري العالمي للقارة الأفريقية.
يرتبط هذا الاختلال، بتزايد الطلب الأفريقي على السلع والمنتجات الصينية منخفضة الكلفة، إلى جانب الهيمنة الصينية المتنامية على سلاسل التوريد والصادرات الصناعية عالميًا، الأمر الذي عزز من تغلغل المنتجات الصينية في الأسواق الأفريقية. وفي المقابل، ما تزال الصادرات الأفريقية إلى الصين تُصدر في صورتها الخام والأولية، بما يكرس نمطًا تجاريًا غير متكافئ.
إن هذه السياسة توجه الصادرات الأفريقية نحو القطاعات الزراعية والغذائية ذات القيمة المضافة الأعلى مقارنة بالمواد الخام
استبعدت الصين إسواتيني من نطاق الإعفاءات الجمركية الجديد، ويعود ذلك إلى كونها الدولة الأفريقية الوحيدة التي ما تزال تحتفظ بعلاقات دبلوماسية رسمية مع تايوان منذ عام 1968، وهو ما تنظر إليه الصين باعتباره تحديًا مباشرًا لمبدأ الصين الواحدة. وحافظت إسواتيني على مستوى مرتفع من التنسيق السياسي مع تايبيه، تجسد في الزيارات المتكررة التي أجراها الملك مسواتي الثالث إلى تايوان، والتي بلغت نحو 17 زيارة. أدى هذا الموقف إلى عزل إسواتيني نسبيًا عن مسارات التوسع الاقتصادي الصيني داخل القارة، إذ حُرمت من الاستفادة من التمويل والاستثمارات الصينية التي تدفقت على دول أفريقية أخرى خلال العقدين الماضيين، بما في ذلك التعهدات التي بلغت قيمتها 60 مليار دولار.
في هذ السياق، تواجه الدول الأفريقية مستويات متزايدة من الرسوم الجمركية الأمريكية، إذ فرضت إدارة الرئيس الأمريكي ترامب رسوم جمركية بنحو 15٪ على واردات 18 دولة أفريقية بموجب قرارات صدرت في يوليو/ تموز 2025، فيما ارتفعت هذه النسب إلى ما بين 25٪ و30٪ بالنسبة إلى جنوب أفريقيا وبعض دول شمال أفريقيا. وفر هذا الوضع للصين فرصة لتعزيز حضورها الاقتصادي داخل القارة. ومن ثم، باتت التوترات التجارية الأمريكية تُسهم، في إعادة توجيه الشراكات الاقتصادية الأفريقية بعيدًا عن الولايات المتحدة والغرب عمومًا.
تشير التقديرات إلى أن التأثير الأكثر وضوحًا يظهر في القطاع الزراعي، رغم أن المنتجات الزراعية لا تزال تمثل نسبة محدودة من إجمالي الصادرات الأفريقية إلى الصين. ويعود ذلك إلى أن هذه المنتجات كانت تواجه رسومًا جمركية مرتفعة نسبيًا قبل تطبيق السياسة الصفرية، بما جعل خفضها أن يمنح الصادرات الزراعية الأفريقية ميزة تنافسية أكبر. ويبرز قطاع القهوة ضمن أبرز المستفيدين، إذ كانت بعض منتجات البن الأفريقي تخضع لرسوم جمركية تصل إلى 15٪، الأمر الذي حد من التوسع داخل السوق الصينية.
بدأت ملامح هذا التحول بالظهور عقب قرار بكين إعفاء 33 دولة أفريقية من الرسوم الجمركية، حيث ارتفعت واردات الصين من البن الأفريقي بنحو 70٪ خلال الربع الأول من عام 2025، مما يؤكد أن هذه السياسة توجه الصادرات الأفريقية نحو القطاعات الزراعية والغذائية ذات القيمة المضافة الأعلى مقارنة بالمواد الخام.
كما أشارت دراسة إلى أن المزايا الجمركية التي منحتها الصين سابقًا للدول الأقل نموًا أسهمت في تعزيز تنويع صادرات التصنيع إلى السوق الصينية، فضلًا عن تنشيط التجارة الإقليمية، نتيجة اتجاه المستثمرين والمنتجين إلى توطين بعض الأنشطة الصناعية داخل تلك الدول للاستفادة من الإعفاءات التجارية. غير أن هذه المزايا كان تأثيرها محدودًا على قطاعات الزراعة والتعدين، التي ظلت مرتبطة بتصدير المواد الخام والمنتجات الأولية.
يشير هذا التوسع إلى أن الصين باتت تنظر لأفريقيا كشريك تجاري ضمن استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل سلاسل التوريد، في ظل تزايد التنافس على أسواق الجنوب العالمي
من المتوقع أن تُعزز سياسة الإعفاءات الجمركية الصينية الجديدة من فرص الاقتصادات الأفريقية الأكثر قدرة على التصنيع والتصدير، ولاسيما كينيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا، التي تمتلك بنية إنتاجية وصناعية أكثر تطورًا مقارنة بالاقتصادات الأفريقية الأخرى، بما يضعها في موقع أفضل لتصدير منتجات ذات قيمة مضافة أعلى بدلًا من الاقتصار على المواد الخام. وتشير تقديرات إلى أن الصادرات الأفريقية إلى الصين قد ترتفع إلى ما بين 170 و250 مليار دولار خلال العام المقبل، فيما قد تصل المكاسب التراكمية لهذه السياسة على مدار العقد القادم إلى نحو 400 مليار دولار، الأمر الذي يعكس حجم التحول المحتمل في العلاقات التجارية بين الجانبين.
ولن تتوزع المكاسب الناتجة عن سياسة الإعفاءات الجمركية الصينية بصورة متساوية بين مختلف الاقتصادات الأفريقية، إذ يُتوقع أن تستفيد الدول المصدرة للفحم، ولاسيما موزمبيق وزيمبابوي، من إلغاء الرسوم التي كانت تتراوح بين 3٪ و6٪ على صادرات الفحم إلى الصين، بما يمنحها قدرة تنافسية أكبر داخل السوق الصينية.
غير أن عددًا من السلع الاستراتيجية الأفريقية كان يتمتع بالفعل بإعفاءات جمركية كاملة قبل توسيع السياسة الصفرية. وينطبق ذلك على صادرات النفط الخام، التي تُعد الكونغو الديموقراطية وأنغولا ونيجيريا من أبرز مورديها إلى الصين، إضافة إلى خام الحديد والنحاس والنحاس المكرر والذهب غير النقدي وخردة الذهب والصلب، وهي منتجات كانت معفاة من الرسوم الجمركية بشكل كامل. ويشير ذلك إلى أن الأثر الفعلي للسياسة الصينية الجديدة سيظل متفاوتًا بحسب طبيعة الصادرات وهيكل الاقتصاد المحلي.
يشير تقرير إلى أن سياسة الإعفاءات الجمركية الصينية قد تُفاقم الاعتماد المفرط على تصدير المعادن والمواد الخام والمواد المعالجة مبدئيًا، بدلًا من تطوير صناعات تحويلية ذات قيمة مضافة مرتفعة. فعلى الرغم من أن سياسة صفر جمارك تمنح الصادرات الأفريقية نفاذًا أوسع إلى السوق الصينية، فإنها تعزز في المقابل الحوافز المرتبطة بتكثيف استخراج الموارد الطبيعية وتصديرها، لاسيما أن خفض الرسوم الجمركية يُسهم بصورة مباشرة في تقليل كلفة حصول الصين على هذه الموارد.
تبرز المفارقة في أن الصين لا تستفيد فقط بوصفها أكبر مستورد للمواد الخام الأفريقية، وإنما أيضًا باعتبار شركاتها لاعبًا مهيمنًا داخل قطاعات التعدين نفسها، ولاسيما في الكونغو الديموقراطية، حيث تسيطر الشركات الصينية على جزء واسع من قطاع الكوبالت، بما يمنح بكين نفوذًا مزدوجًا داخل سلاسل توريد المعادن، سواء كمستورد رئيسي للموارد أو كفاعل اقتصادي يتحكم في عمليات الاستخراج والتصدير.
تعكس سياسة الإعفاءات الجمركية الصينية محاولة بكين ترسيخ نفسها كشريك اقتصادي أكثر انفتاحًا ومسؤولية تجاه أفريقيا مقارنة بالقوى الغربية، مستفيدة من تصاعد الحمائية التجارية الأمريكية تجاه صادرات القارة
كما تشير بيانات الجمارك الصينية لعام 2024 إلى أن نحو 94.5٪ من إجمالي الواردات الصينية من أفريقيا دخلت دون رسوم جمركية، مقابل 5.5٪ فقط خضعت لرسوم جمركية، بما يعني أن الإصلاح الحالي يستهدف شريحة محدودة نسبيًا من التجارة الثنائية. كما يرتبط ذلك بضعف القاعدة الصناعية في القارة، إذ لا يساهم قطاع التصنيع سوى بنحو 11٪ في المتوسط من الناتج المحلي الإجمالي للدول الأفريقية، الأمر الذي يقلص قدرة القارة على الاستفادة الكاملة من التسهيلات التجارية عبر تصدير منتجات صناعية ذات قيمة مضافة.
في هذا السياق، اعتبرت إيملي لافيتو، الباحثة في مركز أبحاث العلاقات الدولية، أن إلغاء الرسوم الجمركية الصينية يظل "محدودًا إلى حد ما" بما يشير إلى أن التحدي الرئيسي لا يتعلق فقط بالنفاذ إلى السوق الصينية، وإنما بقدرة الاقتصادات الأفريقية نفسها على تطوير قطاعات إنتاجية وصناعية أكثر تنافسية.
من هنا يبدو أن العقبة الأساسية أمام توسيع الصادرات الأفريقية إلى الصين لا ترتبط فقط بمسألة الرسوم الجمركية، وإنما بطبيعة الاختلالات الهيكلية التي تعاني منها الاقتصادات الأفريقية نفسها، والتي تحد من قدرتها على الاستفادة من التسهيلات. فبالنسبة إلى الدول منخفضة الدخل، تبرز التحديات المرتبطة بضعف البنية اللوجستية للموانئ، ومحدودية أنظمة التتبع وسلاسل الإمداد، إضافة إلى صعوبة الامتثال للمعايير الصحية والنباتية والحيوانية الصينية المعقدة، فضلًا عن الاعتماد الواسع على الوسطاء التجاريين.
أما بالنسبة إلى الدول الأفريقية متوسطة الدخل، فإن معضلة إعادة التوازن التجاري تبدو أكثر عمقًا وترتبط بالبنية الاقتصادية والإنتاجية ذاتها، إذ تعتمد هذه الدول بصورة رئيسية على تصدير السلع المعفاه من الجمارك، ولاسيما النفط والمعادن والمواد الخام، في حين تواجه صعوبة أكبر في تصدير السلع المصنعة والمنتجات الزراعية المعالجة التي تخضع لمتطلبات ومعايير أكثر تعقيدًا كالامتثال الصحي والإنتاجي. ومن ثم، فإن إلغاء الرسوم الجمركية وحده لا يبدو كافيًا لإحداث تحول جوهري في نمط العلاقة التجارية بين الجانبين، ما لم يقترن بتطوير القدرات الصناعية والإنتاجية الأفريقية.
تعكس سياسة الإعفاءات الجمركية الصينية محاولة بكين ترسيخ نفسها كشريك اقتصادي أكثر انفتاحًا ومسؤولية تجاه أفريقيا مقارنة بالقوى الغربية، مستفيدة من تصاعد الحمائية التجارية الأمريكية تجاه صادرات القارة. وفي الوقت ذاته، تسعى الصين عبر هذه السياسة إلى تأمين وصول أكثر استقرارًا وأقل تكلفة إلى الموارد والمعادن الحيوية الأفريقية. لكن المكاسب المحتملة لهذه السياسة بالنسبة إلى الاقتصادات الأفريقية تبقى مرهونة بقدرة دول القارة على تجاوز الاختلالات الهيكلية التي تعاني منها، وتطوير قطاعاتها الصناعية والإنتاجية، وتنويع صادراتها بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على المواد الخام.