تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الاثنين 7 سبتمبر 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

بين اللائحة والكرامة: قراءة تحليلية في أزمة النقاب بالجامعات السودانية

12 أغسطس, 2026
الصورة
بين اللائحة والكرامة: قراءة تحليلية في أزمة النقاب بالجامعات السودانية
Share

لم تكن التدوينة التي نشرتها الطالبة إسراء الدسوقي مجرد شكوى فردية عابرة، بل تحولت إلى شرارة أعادت فتح ملف قديم جرى الحديث عن تراكمه لسنوات داخل مؤسسات التعليم العالي في السودان.

تعود تفاصيل الواقعة إلى حديث الطالبة عن رفض استكمال إجراءات تحويلها الأكاديمي في "جامعة الوطنية" الخاصة نتيجة ارتدائها النقاب. لم تتوقف التفاعلات عند هذا الحد، إذ تبعتها عشرات الشهادات والتعليقات لنساء من أعمار وتخصصات مختلفة روين تجارب مماثلة، تراوحت بين رفض استلام الملفات، أو اشتراط خلع النقاب للقبول بالمعاينة، وصولا إلى التصريح المباشر بعدم قبول المنقبات.

تشير التدوينات المؤرخة إلى أن بعض هذه الشهادات يعود إلى أكثر من عشر سنوات؛ وهو ما ينقل المسألة من إطار التصرف الفردي للموظف إلى شبهة نمط إداري متكرر يتطلب القراءة والتحليل. في مجتمع كالمجتمع السوداني يمثل فيه النقاب خيارا خاضعا لاعتبارات دينية واجتماعية لقطاع من النساء، فإن ربط هذا الخيار بالتعليم يحول الموضوع إلى قضية رأي عام تستدعي قراءة قانونية وإدارية بعيدا عن الانفعال.

تضارب الروايات وتطبيق اللوائح

تتلخص الرواية الأساسية للواقعة في زيارة الطالبة لجامعة الوطنية لاستكمال إجراءات التحويل، حيث قوبلت برفض يستند إلى المظهر بدلا من المعايير الأكاديمية، وفق نقلها لعبارة مفادها أن الجامعة لا تقبل المنقبات مطلقا. في المقابل، تستند المؤسسات التعليمية إلى لوائحها الداخلية، حيث تضمن دليل الطالب للجامعة (إصدار 2022-2024) بنودا صريحة تمنع تغطية الوجه أثناء المحاضرات والأنشطة الجامعية.

بالرجوع إلى دليل الطالب يتبين وجود بند خاص بالزي الجامعي يحظر تغطية الوجه أثناء المحاضرات والأنشطة الأكاديمية، وهو ما يمنح الإدارة سندا تنظيميا مكتوبا. غير أن الإشكال يبرز في مستويين رئيسيين: الأول يتعلق بالتطبيق، حيث تشير الشهادات إلى أن المنع يحدث عند بوابة التقديم ومكاتب الاستقبال قبل التحاق الطالبة رسميا بالجامعة وخضوعها للائحة الأكاديمية داخل القاعات. والثاني متعلق بالخطاب، في طريقة التعامل التي تتسم بالتعميم والإقصاء اللفظي، ما يخلق فجوة ثقة بين المؤسسات التعليمية والمجتمع.

إذا كان الهدف التعرف على الهوية فهل الاستبعاد هو الحل الوحيد؟ أم يمكن التحقق بواسطة موظفة في مكان مخصص كما يحدث في المستشفيات؟

فبحسب شهادة خاصة من إحدى الطالبات المقيدات حاليا بالجامعة الوطنية، أوضحت خلالها طبيعة التعامل الميداني مع الطالبات المنقبات داخل الحرم الجامعي، بقولها "أنا طالبة في الجامعة الوطنية، ولا أريد القول إن الأمر غير ممنوع أو إن هناك خللاً، ولكن أرجو نقل الحقيقة كاملة. نحن المنقبات نرتدي النقاب داخل الجامعة، مع رفعه ليكون مغطيا للجبهة، ونرتدي الكمامة مع الزي الساتر، وهو ذات النظام المطبق في أغلب المستشفيات والعيادات في السودان. لا أتهم الطالبة بالكذب، ولكن الحقيقة لم تُنقل كاملة؛ إما لأنها لم توضح ذلك أو لم تنتظر الشرح. وأتمنى عدم الإساءة للطالبات أو افتراض أن من تدرس في جامعة تُطبق هذه الضوابط هي متبرجة أو غير منقبة".

توضح هذه الشهادة أن التطبيق الفعلي داخل الحرم الجامعي يقرب من أن يكون إجراء تنظيميا أكثر من كونه منعا مطلقا. لكن ذلك يطرح تساؤلا إداريا يتعلق بما إذا كانت هناك حلول تنظيمية بديلة، فلماذا لم تُشرح للطالبة منذ مرحلة التقديم لمنع الالتباس؟

حساسية الموضوع في السياق السوداني

تكتسب هذه القضية حساسيتها من القراءة المتأنية لثلاثة أبعاد رئيسية:

أولا، السياق الاجتماعي إذ يمثل النقاب خيارا لقطاع واسع من الأسر السودانية المحافظة، والشعور بحرمان الطالبات من التعليم العالي بناء على هذا الخيار يُقرأ اجتماعياً كنوع من الاستبعاد.

ثانيا، السياق القانوني حيث ينص الدستور السوداني على كفالة الحق في التعليم دون تمييز، وهو ما يتطلب ملاءمة اللوائح الداخلية للمؤسسات مع الأطر الدستورية العامة.

ثالثا، السياق العملي فالحرم الجامعي نفسه يسمح بارتداء الكمامات الطبية، كما تُطبق المستشفيات والجهات الصحية آليات محددة للتحقق من الهوية مع السماح بالنقاب، مما يطرح علامات استفهام حول مدى تناسب الإجراءات المتخذة.

هذا يحول المسألة من سوء فهم موظف إلى نمط إداري متكرر. في دولة مثل السودان، حيث يمثل النقاب خيارا دينيا واجتماعيا لقطاع من النساء، يصبح ربط هذا الخيار بالحرمان من التعليم قضية رأي عام تستحق التوقف والتحليل، لا الانفعال فقط

تملك الجامعات من الناحية الإدارية تنظيم ضوابطها الداخلية، لكن هذه السلطة يجب أن تبقى خاضعة لثلاثة معايير رئيسية: اختبار المشروعية من خلال التحقق من مدى ملاءمة اللوائح الداخلية مع الحقوق الدستورية التأسيسية، واختبار الشفافية بإعلان وإفصاح المؤسسة عن لوائحها وشروطها بوضوح قبل الشروع في التقديم. واختبار التناسب من خلال توفير حلول بديلة لإثبات الهوية (كالتحقق بواسطة موظفات مختصات في أماكن مخصصة) بدلا من اللجوء للرفض المباشر.

مسارات معالجة الأزمة

لتجاوز هذه الأزمة التفسيرية والإدارية، يُمكن اعتماد أكثر من مسار للمعالجة؛ في مقدمتها المسار المؤسسي الذي ينص على ضرورة إعادة صياغة اللوائح الجامعية لتوضح الأساليب التنظيمية والبدائل المتاحة بوضوح، بدلا من الاكتفاء بنصوص المنع العامة. كما ينبغي التركيز على أهمية تدريب الكوادر التنفيذية وموظفي الاستقبال على مهارات التعامل المباشر، إلى جانب نشر اللوائح بشفافية كاملة أمام الجميع.

في نفس الحرم الجامعي، يُسمح للطالبات بارتداء الكمامة الطبية. كما يُسمح بالنقاب في المستشفيات مع آليات للتحقق. هذا يطرح سؤال التناسب: لماذا الحل الممكن في مكان غير ممكن في مكان آخر؟

يمكن أن يرتقي الأمر إلى تدخل وزاري بإصدار توجيه أو منشور رسمي من وزارة التعليم العالي يحدد الأطر العامة الحاكمة لهذه المسائل، ويضع آليات واضحة ومحددة لتلقي التظلمات والبت فيها. كما يُسلط الضوء على المسار المجتمعي، والذي يركز على فتح قنوات حوار مباشرة بين الإدارات التعليمية والطالبات، بهدف الوصول إلى صيغ توافقية تجمع بين تحقيق الانضباط الأكاديمي وصون الكرامة الشخصية.

حتى اللحظة لم يصدر أي بيان رسمي صريح من وزارة التعليم العالي أو من إدارة "جامعة الوطنية" لحسم هذا الجدل. وتظل المسألة متعلقة بمدى أهمية توافر الشفافية والوضوح والبدائل العملية؛ فالمؤسسات التعليمية تُبنى على الشفافية والتكامل، وقدرتها المستمرة على استيعاب التباينات تعزز من دورها الأكاديمي والمجتمعي.