الأربعاء 12 أغسطس 2026
تشهد إثيوبيا مرحلة جديدة من الإصلاحات التشريعية التي تقودها حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، في إطار مسار أوسع لإعادة هيكلة النظام السياسي والاقتصادي بعد سنوات من الصراعات الداخلية. وتستهدف هذه الإصلاحات تحديث القوانين المنظمة للحياة السياسية والاقتصاد والإدارة العامة، بالتوازي مع مخرجات الانتخابات العامة التي جرت في يونيو/تموز 2026، والتي منحت حزب الازدهار أغلبية مريحة في البرلمان، الأمر الذي يوفر للحكومة قدرة أكبر على تمرير التشريعات المرتبطة ببرنامجها الإصلاحي.
يرى مراقبون أن المرحلة الحالية لا تقتصر على إصدار قوانين جديدة، وإنما تمثل محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم، وإعادة تنظيم مؤسسات الدولة استعداداً لمرحلة سياسية جديدة.
من أبرز التعديلات التشريعية التي دخلت حيز التنفيذ مراجعة قانون الانتخابات وتسجيل الأحزاب السياسية ومدونة السلوك الانتخابي، حيث أقر البرلمان في يوليو/حزيران 2025 تعديلاً خفض الحد الأدنى المطلوب لتمثيل الأحزاب داخل البرلمان من 15% إلى 10%، وهو تعديل قالت الحكومة إنه يهدف إلى توسيع المشاركة السياسية ومنح الأحزاب الصغيرة فرصة أكبر لدخول البرلمان. ويرى مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية أن هذه الخطوة قد تسهم في زيادة التعددية السياسية، رغم استمرار هيمنة حزب الازدهار على المشهد السياسي، في ظل التحديات الأمنية التي ما تزال تواجه عدداً من الأقاليم.
تتوازى هذه الإصلاحات مع استمرار عمل لجنة الحوار الوطني الإثيوبية، التي قرر البرلمان في فبراير 2026 تمديد ولايتها لمدة ثمانية أشهر إضافية لاستكمال المشاورات الوطنية في مختلف الأقاليم. وبررت الحكومة قرار التمديد بالحاجة إلى منح اللجنة وقتاً كافياً للوصول إلى المناطق التي تعذر إجراء مشاورات فيها بسبب الأوضاع الأمنية، وخاصة في إقليمي تيغراي وأمهرة. ويعد الحوار الوطني أحد أهم المسارات التي تعول عليها الحكومة للوصول إلى توافقات قد تفضي مستقبلاً إلى تعديلات دستورية أو تشريعية تتعلق بشكل الدولة الفيدرالية وتوزيع السلطات بين المركز والأقاليم.
في الوقت نفسه، تتزايد التوقعات بإجراء مراجعات أوسع للبنية الدستورية الإثيوبية. وتشير تحليلات صادرة عن CSIS إلى أن مخرجات الحوار الوطني قد تتضمن توصيات تمنح الحكومة الفيدرالية صلاحيات تنفيذية أكبر، مع إعادة النظر في بعض جوانب نظام الفيدرالية الإثنية الذي تأسس بموجب دستور عام 1995. ويعتقد عدد من الباحثين أن حكومة آبي أحمد تسعى إلى بناء نموذج سياسي يمنح المؤسسات المركزية دوراً أكبر في إدارة الدولة، مع تقليص بعض مظاهر اللامركزية التي ارتبطت بالنظام الفيدرالي خلال العقود الماضية.
على الصعيد الاقتصادي، جاءت الإصلاحات التشريعية موازية لبرنامج التحرير الاقتصادي الذي تنفذه الحكومة بالتعاون مع صندوق النقد الدولي. فقد شهدت البلاد خلال العامين الماضيين إقرار قوانين تتيح دخول البنوك الأجنبية إلى السوق الإثيوبية، وتحرير سوق الصرف، وفتح قطاعات اقتصادية كانت مغلقة أمام الاستثمار الخارجي، وهي خطوات ترى الحكومة أنها ضرورية لجذب الاستثمارات وتحقيق نمو اقتصادي مستدام. ويؤكد صندوق النقد الدولي أن هذه الإصلاحات أسهمت في تحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي، وزيادة الإيرادات الحكومية، وتعزيز الاحتياطيات الأجنبية، مع الدعوة إلى الحفاظ على زخم الإصلاح خلال السنوات المقبلة.
ورغم ذلك، تواجه بعض مشاريع القوانين الجديدة انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان. فقد حذرت هيومن رايتس ووتش من أن التعديلات المقترحة على قانون منظمات المجتمع المدني تمنح السلطات التنفيذية صلاحيات واسعة للتدخل في عمل المنظمات غير الحكومية وفرض قيود على أنشطتها وتمويلها، معتبرة أن هذه التعديلات قد تؤدي إلى تقليص مساحة العمل المدني إذا أُقرت بصيغتها الحالية. ودعت المنظمة البرلمان الإثيوبي إلى مراجعة مشروع القانون بما ينسجم مع المعايير الدولية الخاصة بحرية تكوين الجمعيات والعمل المدني.
يرى محللون أن الإصلاحات التشريعية في إثيوبيا تعكس مسارين متوازيين؛ الأول يركز على تحديث الاقتصاد وتهيئة البيئة القانونية للاستثمار والانفتاح المالي، والثاني يستهدف إعادة تنظيم النظام السياسي والمؤسسات الدستورية بعد سنوات من النزاعات الداخلية. غير أن نجاح هذه الإصلاحات سيظل مرتبطاً بقدرة الحكومة على تحقيق توازن بين توسيع سلطات الدولة والحفاظ على التعددية السياسية وضمان استقلال المؤسسات، في ظل استمرار التحديات الأمنية في عدد من الأقاليم، واستمرار النقاش الداخلي حول مستقبل النظام الفيدرالي وطبيعة توزيع السلطات بين الحكومة المركزية والسلطات الإقليمية. وتشير تقارير دولية إلى أن السنوات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الإصلاحات ستؤدي إلى بناء مؤسسات أكثر استقراراً وشمولاً، أم أنها ستواجه عقبات سياسية وأمنية تحد من تأثيرها على المدى الطويل.