تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 8 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

بين الدوحة وجوبا.. استراتيجية السودان لإعادة رسم المشهد في زمن الحرب

11 فبراير, 2026
الصورة
بين الدوحة وجوبا.. استراتيجية السودان لإعادة رسم المشهد في زمن الحرب
Share

تشهد الساحة السودانية منذ عام 2023 تصاعدا حادا في الصراع المسلح بين القوات النظامية وقوات الدعم السريع، وهو صراع ألقى بظلاله الثقيلة على الاستقرار السياسي والاقتصادي للبلاد، وجعل من السودان مسرحًا لتداخلات إقليمية ودولية متعددة. في هذا السياق، أصبح التحرك الدبلوماسي جزءًا لا يتجزأ من إدارة الأزمة، إلى جانب الجهد العسكري، حيث تحاول القيادة السودانية إعادة رسم موقفها داخليًا وخارجيًا بما يحفظ الدولة ويحد من العزلة الدولية.

تزامن الزيارات الخارجية للفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، إلى العاصمة القطرية الدوحة، ووجود نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار في جوبا، يعكس توجها استراتيجيا مزدوجا يقوده السودان لموازنة مصالحه عبر مسارين متكاملين: مسار عربي–دولي تحت قيادة القيادة العسكرية، ومسار إقليمي أفريقي بزعامة أحد الوجوه السياسية المرتبطة باتفاقيات السلام. يظهر هذا التوازي أن الخرطوم تدرك أن مواجهة التحديات الحالية لا تقتصر على الحسم العسكري، بل تتطلب إدارة ذكية للدبلوماسية، وتحقيق توازن بين المصالح العربية والأفريقية، ومنع توسع رقعة الحرب أو تحويل الحدود إلى ممر للصراع.

تهدف هذه المقالة إلى تحليل أبعاد التحركات السودانية الخارجية في ظل الحرب المستمرة، وفهم الرسائل السياسية والدبلوماسية التي تحملها زيارات البرهان وعقار، وتقييم تأثيرها على موقع السودان الاستراتيجي إقليميًا ودوليًا. كما تسعى الورقة إلى استشراف السيناريوهات المستقبلية المحتملة للأزمة السودانية، وإبراز الدروس المستخلصة بشأن إدارة الدولة في زمن الحرب والتحديات التي تواجه القيادة السياسية في الحفاظ على وحدة الدولة ومكانتها على الساحة الدولية.

زيارة البرهان إلى الدوحة: تحرك عربي

تكتسب زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى العاصمة القطرية الدوحة في 27 يناير/كانون الثاني 2026 أهمية بالغة في سياق الأزمة السودانية، إذ تمثل هذه الزيارة جزءًا من استراتيجية دبلوماسية متكاملة تهدف إلى تعزيز موقع السودان إقليميًا ودوليًا، وفي الوقت ذاته دعم الجهد العسكري على الأرض. فالسودان، الذي يعاني من حرب مفتوحة أثرت بشكل مباشر على الاقتصاد ووحدة الدولة، يحتاج إلى حشد دعم سياسي واقتصادي خارجي لتخفيف الضغوط الداخلية، وتعزيز قدرته على الصمود أمام التحديات المتعددة، وهو ما تَجسَّد مع وصول رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني إلى الدوحة في زيارة رسمية.

تأتي الدوحة في هذا السياق كفاعل إقليمي رئيس، يمتلك شبكة علاقات واسعة مع عواصم دولية مؤثرة، وقدرة مثبتة على إدارة ملفات الوساطة والاستثمار وإعادة الإعمار. ويعكس اختيار قطر كوجهة للزيارة إدراك القيادة السودانية لأهمية التغطية الدبلوماسية العربية، لا سيما في ظل موقف الدول العربية التي يمكن أن تلعب دورًا مؤثرًا في التخفيف أزمة الحرب والثقل الاقتصادي الذي خلفته على كاهل الحكومة.

يعكس هذا التوازي إدراك الخرطوم أن إدارة الأزمة تتطلب تنسيقًا متعدد الأبعاد، يجمع بين الجهد العسكري والدبلوماسي والسياسي، لضمان حماية الدولة وتعزيز موقعها الاستراتيجي في محيط مضطرب سياسيًا وأمنيًا

ومن المرجح أن المباحثات التي أجراها البرهان ركزت على شرح موقف القيادة العسكرية من الحرب الجارية، وتوضيح ما تعتبره الخرطوم تهديدًا وجوديًا تشكله قوات الدعم السريع، إلى جانب السعي لتأمين غطاء سياسي واقتصادي عربي، كما عكست ذلك مباحثات أمير قطر مع البرهان حول تطورات الأوضاع في السودان.

إلى جانب الجانب السياسي، فإن التحرك في الدوحة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالبعد العسكري للحرب، حيث يسعى السودان من خلال هذا التحرك الدبلوماسي إلى ربط الدعم العربي بمجهوداته على الأرض، سواء عبر تأمين الموارد المالية. كما يمثل الحوار مع الدوحة منصة لإعادة رسم صورة الدولة السودانية أمام المجتمع الدولي، وإظهارها كطرف قادر على إدارة الأزمة وممارسة دور مؤثر في استقرار المنطقة، على الرغم من تداعيات الحرب الداخلية، وهو ما تناولته تغطيات إعلامية حول نتائج زيارة البرهان للدوحة.

كما يعكس هذا التحرك إدراك الخرطوم لأهمية الربط بين الدبلوماسية الاقتصادية والسياسية، إذ تهدف الزيارة أيضًا فتح قنوات استثمارية ومساعدات إنسانية، يمكن أن تخفف من الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، والتي تشمل التضخم الحاد، وتراجع الإنتاج، ونقص السلع الأساسية. من خلال هذه الزيارة، تسعى القيادة السودانية إلى بناء شبكة دعم متعددة المستويات؛ من سياسية إلى اقتصادية وإنسانية، بما يتيح لها زيادة هامش المناورة، وتقوية موقعها التفاوضي أمام الضغوط الإقليمية والدولية، في سياق ما وصفته تحليلات بالتحركات الخارجية الواسعة للبرهان لإدارة الأزمة السودانية.

زيارة مالك عقار إلى جوبا: تحرك أفريقي

في توازي مع التحرك العربي الذي قاده الفريق أول عبد الفتاح البرهان، تحمل زيارة نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، مالك عقار، إلى جوبا بُعدًا استراتيجيًا مختلفًا، لكنه لا يقل أهمية، إذ تركز على تعزيز العلاقات مع الجوار الأفريقي وضمان استقرار الحدود ومنع امتداد الحرب داخل الدولة إلى الخارج. وتعد جوبا مركزًا سياسيًا وجغرافيًا حيويًا للسودان، كونها تمثل العمق الإقليمي والسياسي، وتربط السودان بعلاقات معقدة تشمل ملفات متعددة من التعاون الثنائي. يظهر هذا في وصول نائب رئيس مجلس السيادة السوداني مالك عقار إلى جوبا في زيارة رسمية، تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية ومناقشة قضايا الأمن والسلام.

تمثل زيارة عقار رسالة سياسية واضحة لدول الجوار الأفريقي، مفادها أن الخرطوم حريصة على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع دول مثل جنوب السودان، وأن الحرب الجارية ليست نزاعًا محليًا داخليًا فحسب، بل أزمة لها أبعاد إقليمية تهدد الاستقرار في القرن الأفريقي وحوض النيل، لا سيما في ظل التأكيدات السودانية على الحرص على استقرار الأوضاع في دولة جنوب السودان التي تربط الأمن في البلدين علاقة وثيقة.

يعكس اختيار قطر كوجهة للزيارة إدراك القيادة السودانية لأهمية التغطية الدبلوماسية العربية، لا سيما في ظل موقف الدول العربية التي يمكن أن تلعب دورًا مؤثرًا في التخفيف أزمة الحرب والثقل الاقتصادي الذي خلفته على كاهل الحكومة

يُظهر وجود عقار في جوبا سعي السودان لطمأنة حكومة جنوب السودان، ومنع تحول أراضيها إلى ساحة للصراع أو ممر لدعم أطراف بعينها، بما يحفظ التوازن الإقليمي ويجنب الدول المجاورة تبعات الحرب المباشرة. وقد شمل جدول الزيارة مباحثات مع المسؤولين الجنوب سودانيين بحثت التعاون الأمني والعمل المشترك لوقف انتشار العنف عبر الحدود، إضافة إلى بحث تعزيز الاستقرار والسلام في البلدين، وهو ما يتسق مع سعي السودان لتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي مع جنوب السودان في ظل التوترات الأمنية في المنطقة.

إلى جانب الأبعاد السياسية، تحاول الخرطوم من خلال هذه الزيارة إعادة تعريف الصراع في السودان على المستوى الإقليمي، وتحميل أطراف خارجية مسؤولية استمرار الحرب، لا سيما فيما يتعلق بالدعم المزعوم لقوى تسعى إلى استغلال الوضع في المناطق المتنازع عليها. وفي مباحثاته مع الرئيس سلفا كير، ناقش عقار سبل دعم السلام والأمن المشترك، والدفع نحو إحلال الاستقرار في المنطقة. مما يعكس الاهتمام الثنائي بمنع امتداد الحرب إلى جنوب السودان، وخاصة في ظل التصعيد العسكري في جنوب السودان الذي يهدد استقرارها، ويستدعي تشديد التنسيق الأمني.

كما تسعى زيارة عقار إلى استثمار علاقاته كأحد الموقعين على اتفاقيات تعاون إقليمي، واستغلال مكانته كوجه مقبول لدى بعض القوى الإقليمية والدولية، لتثبيت مكانة الخرطوم كطرف مسؤول قادر على الالتزام باتفاقيات السلام والحفاظ على استقرار المنطقة. ومن المتوقع أن تشمل مباحثاته التركيز على التنسيق الأمني لمنع تسلل الجماعات المسلحة عبر الحدود، وضمان استمرار حركة التجارة وحماية مصالح السودان المشتركة مع جوبا في مجالات متعددة من الاقتصاد والأمن.

يمكن القول إن التحرك الأفريقي الذي قام به عقار يكمل التحرك العربي الذي قاده البرهان، إذ يوازن بين الضغوط الدولية والدعم الإقليمي، ويسعى للحفاظ على استقرار الدولة السودانية من خلال إدارة محكمة للجوار الأفريقي، والتأكيد على التزام الحكومة بآليات السلام والتعاون مع الدول المجاورة. ويعكس هذا التوازي إدراك الخرطوم أن إدارة الأزمة تتطلب تنسيقًا متعدد الأبعاد، يجمع بين الجهد العسكري والدبلوماسي والسياسي، لضمان حماية الدولة وتعزيز موقعها الاستراتيجي في محيط مضطرب سياسيًا وأمنيًا.

التوازي بين المسارين وتأثيره على إدارة الأزمة

يمثل تزامن التحركين الخارجيين لكل من الفريق أول عبد الفتاح البرهان في الدوحة ومالك عقار في جوبا نموذجًا فريدًا لإدارة الأزمة السودانية عبر مسارين متوازيين، أحدهما عربي–دولي والآخر إقليمي–أفريقي. ويكشف هذا التوازي عن وعي متزايد داخل القيادة السودانية بأن الحسم العسكري وحده لا يكفي لإنهاء الصراع، بل يحتاج الأمر إلى مزيج من الجهد السياسي والدبلوماسي يوازن بين المصالح الداخلية والخارجية، ويحد من العزلة التي قد تواجه الدولة في ظل الحرب المستمرة مصدر.

المسار العربي–الدولي، الذي يقوده البرهان، يركز على حشد الدعم السياسي والاقتصادي من العواصم المؤثرة، مع تأكيد قدرة السودان على إدارة الحرب وحماية المدنيين، وإظهار جدارة الدولة السودانية على إعادة الاستقرار بعد انتهاء النزاع. في المقابل، المسار الإقليمي–الأفريقي بقيادة عقار يهدف إلى ضبط الجوار الإقليمي، والحفاظ على استقرار الحدود، وضمان التزام دول الجوار باتفاقيات السلام ومنع تحول أراضيها إلى ممر للصراع أو دعم لأطراف مسلحة؛ وهو ما يتماشى مع جهود الاتحاد الأفريقي للتنسيق بين الأطراف والتوصل إلى وقف شامل وإجراء حوار سياسي متعدد الأطراف مصدر.

يظهر تزامن زيارات البرهان وعقار كخطة استراتيجية متعددة الأبعاد لإدارة الأزمة السودانية، تجمع بين المسار العربي والدولي والمسار الإقليمي الأفريقي، بما يتيح للقيادة السودانية السيطرة على مجريات الأزمة، والحفاظ على تماسك الدولة

كما أن التوازي بين المسارين يمنح الخرطوم قدرة أكبر على إعادة تعريف الصراع في السودان، من نزاع داخلي على السلطة إلى مواجهة مع تأثيرات إقليمية ودولية تتعلق بتدفقات الدعم العسكري والسياسي لقوات بعينها، بما في ذلك تحركات سياسية ومفاوضات دبلوماسية من قبل دول إقليمية ودول عربية تسعى لوقف الحرب أو إعادة توجيهها إلى حوار سياسي شامل مصدر.

علاوة على ذلك، يعكس هذا التوازي فهمًا استراتيجيًا عميقًا لأهمية الربط بين السياسة والدبلوماسية والجيش، فالزيارات المتزامنة لم تنفصل عن الواقع الميداني، بل هدفت إلى خلق تناغم بين الجهد العسكري والتحرك الدبلوماسي بحيث يدعم كل منهما الآخر في حماية مصالح الدولة، وضمان استمرار عمل المؤسسات، وتقوية قدرة الحكومة على مواجهة التحديات الاقتصادية والإنسانية الناتجة عن الحرب.

في المحصلة، يظهر تزامن زيارات البرهان وعقار كخطة استراتيجية متعددة الأبعاد لإدارة الأزمة السودانية، تجمع بين المسار العربي والدولي والمسار الإقليمي الأفريقي، بما يتيح للقيادة السودانية السيطرة على مجريات الأزمة، والحفاظ على تماسك الدولة، وتعزيز قدرتها على المناورة في الساحة الإقليمية والدولية، وتحويل الحرب إلى أداة لإعادة ترتيب موقع السودان السياسي والاقتصادي والاستراتيجي مصدر.

السيناريوهات المستقبلية للأزمة السودانية

مع استمرار الحرب المفتوحة في السودان وتصاعد التدخلات الإقليمية والدولية، تبرز عدة سيناريوهات مستقبلية يمكن أن تتخذها الأزمة، سواء على الصعيد الداخلي أو في العلاقة مع الجوار العربي والأفريقي. وتكشف زيارات الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى الدوحة ومالك عقار إلى جوبا عن رغبة القيادة السودانية في فتح قنوات دبلوماسية متعددة لتأمين مصالح الدولة، وهو ما يجعل استشراف المستقبل ضرورة لفهم خيارات السياسة السودانية مصدر.

أول السيناريوهات المحتملة هو التمسك بالمسار العسكري مع تعزيز الدعم الخارجي، حيث يمكن للقيادة السودانية مواصلة جهودها الحربية مع الاعتماد على الموارد والدعم السياسي الذي توفره بعض الدول العربية المؤثرة، في ظل تدخلات القوى الأجنبية في الأزمة السودانية وتعقيدات الصراع والنفوذ الإقليمي والدولي في أدق تفاصيل الحرب. تدعم هذه القوة العسكرية بعض التحركات الدبلوماسية، لكنها تحمل مخاطر الاستمرار في التصعيد وعدم التوصل إلى تسوية سلمية قريبة مصدر.

السيناريو الثاني هو توسيع المسار الدبلوماسي الأفريقي، عبر تعزيز الحوار مع جوبا ودول الجوار لضمان حماية الحدود ومنع امتداد الصراع إلى خارج السودان. وقد ـهرت دعوات واضحة من بعض الهيئات الإقليمية والأفريقية للعمل على حل شامل للأزمة، وتنسيق جهود السلام، مما يشير إلى إمكانية تعزيز المسار الدبلوماسي على مستوى الإقليم لمحاولة تحقيق تهدئة، وتقليل تأثير النزاع على البلدان المجاورة مصدر.

السيناريو الثالث المحتمل هو دمج المسارين في استراتيجية متكاملة، بحيث تستخدم القيادة السودانية القوة العسكرية على الأرض بالتوازي مع دبلوماسية نشطة على المستويين العربي والأفريقي. هذا الخيار قد يوفّر للخرطوم قدرة أكبر على المناورة ويقلل من انعزالها إقليميًا ودوليًا، مع إتاحة المزيد من الفرص لإعادة ترتيب علاقاتها الدولية والتفاوض على تسويات سياسية قد تحفظ مؤسسات الدولة ووحدة أراضيها مصدر.

وأخيرًا، تبقى المخاطر مستمرة، خصوصًا إذا استمر تشتت الدعم الدولي والإقليمي أو تصاعد التدخل الخارجي في دعم أطراف النزاع، وهو ما يحذر منه بعض المحللين بسبب تهديد الاستقرار في المنطقة وتهديدات الأمن القومي. لذلك فإن السيناريوهات المستقبلية تعتمد بشكل أساسي على قدرة القيادة السودانية على التوازن بين القوة العسكرية والسياسة والدبلوماسية، واستثمار التحركات الدولية والإقليمية لإنهاء النزاع، وتحويل الأزمة من نزاع مهدد للبقاء إلى فرصة لإعادة ترتيب موقع السودان السياسي والاقتصادي والاستراتيجي مصدر.