تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الاثنين 9 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

بورصة النفوذ في الكابيتول هيل.. كيف يتنافس الزعماء الأفارقة على شراء الرضا الأمريكي؟

8 فبراير, 2026
الصورة
بورصة النفوذ في الكابيتول هيل.. كيف يتنافس الزعماء الأفارقة على شراء الرضا الأمريكي؟
Share

في نهايات شهر أكتوبر/تشرين الأول 2025 كانت العاصمة التنزانية على موعد مع أحداث عنف انتخابي دموية، خلفت مئات القتلى والمصابين وعدد غير معروف من المعتقلين، لتبدأ السلطات في دودوما البحث عن مخرج من هذه الأزمة التي جلبت لها انتقادات دولية بسبب ملف حقوق الإنسان. لكن حكومة السيدة الملقبة "بماما سامية" لم تتخذ قرارات تتعلق بمحاسبة المسؤولين عن الأحداث؛ بل لجأت لأسلوب تعارفت عليه الديكتاتوريات الأفريقية منذ مرحلة ما بعد الاستعمار، تمثل في التعاقد مع جماعات ضغط أمريكية لتحسين صورتها أمام إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدلا من تحسين العلاقات مع التنزانيين الرافضين لإعادة انتخاب الرئيسية.

عقود غسيل السمعة الأفريقية

في التفاصيل تشير المعلومات إلى أن حكومة الرئيسية سامية حسن تعاقدت مع مجموعة إرفين غريفز للاستراتيجيات، المقربة من الحزب الجمهوري، وبموجب الاتفاقية ستدفع تنزانيا 540 ألف دولار أمريكي سنوياً مقابل القيام بتحسين صورة حكومة البلاد لدى إدارة ترامب، بعد الانتقادات التي طالتها جراء الأزمة الانتخابية. كما ستعمل الشركة المتخصصة في العلاقات العامة للترويج لإمكانيات تنزانيا التعدينية في واشنطن، وتتزامن هذه التحركات مع تصاعد الانتقادات في الداخل الأمريكي جراء حملة القمع التي صاحبت الانتخابات التنزانية، والتي وصفتها وزارة الخارجية الأمريكية بغير المبررة متوعدة بمراجعة علاقاتها مع تنزانيا.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تلجأ فيها حكومة أفريقية لمثل هذه الشركات لتبيض سمعتها لدى واشنطن، بل سجلت التقارير الرقابية والصحفية على مدار العقود الماضية تعاقدات مشابهة، وصلت حتى للحركات المسلحة والجماعات الانفصالية المنتشرة في القارة. وكان آخر دولة انضمت إلى قائمة المتعاملين مع ما يسمى بشركات "العلاقات العامة المظلمة" في أمريكا هي نيجيريا، التي لم تفلح حتى الآن في تعيين سفير لها لدى واشنطن. كما أن علاقاتها متوترة مع إدارة ترامب، على خلفية اتهام الأخيرة بوجود تمييز ضد الأقليات المسيحية في نيجيريا.

بموجب الاتفاقية ستدفع تنزانيا 540 ألف دولار أمريكي سنوياً مقابل القيام بتحسين صورة حكومة البلاد لدى إدارة ترامب، بعد الانتقادات التي طالتها جراء الأزمة الانتخابية

وتشير المعلومات إلى أن الانتقادات زادت في الداخل النيجيري، بعد صدور القرار الأمريكي بوقف إجراءات منح تأشيرات الهجرة للمواطنين النيجيريين، بالإضافة إلى 73 دولة أخرى، وهو ما يعني فشل الصفقة التي خصصت لها أبوجا 9 ملايين دولار. وكان من المفترض أن تُحسّن صورة نيجيريا لدى قيادات البيت الأبيض، إلا أن ذلك لم يحدث على الرغم من تعاقد حكومة نيجيريا مع جماعات ضغط مقربة من إدارة ترامب للدفاع عن مصالحها في الخارج، حيث تُظهر وثائق مُقدّمة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب الأمريكي (FARA)، أن الحكومة استعانت بمجموعة DCI، وهي شركة ضغط وعلاقات عامة مقرها واشنطن، لمواجهة الضغوط الأمريكية المتزايدة على خلفية مزاعم استهداف المسيحيين.

يظهر ملف قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA) أن مجموعة "DCI Group" جرى التعاقد معها من خلال شركة أستر ليغال، وهي شركة محاماة مقرها في مدينة كادونا النيجيرية، تعمل نيابةً عن مستشار الرئيس النيجيري للأمن القومي، نوهو ريبادو، ويُخوّل لها الاتفاق الذي وُقع في 17 ديسمبر/كانون الأول 2025، "مساعدة الحكومة النيجيرية في إيصال إجراءاتها لحماية المجتمعات المسيحية في البلاد إلى المسؤولين في واشنطن، والسعي للحفاظ على دعم الولايات المتحدة لجهود مكافحة الإرهاب ضد الجماعات الجهادية في غرب أفريقيا".

بموجب الاتفاقية، التي نشرت بنودها صحيفة الغارديان، تدفع نيجيريا 750 ألف دولار شهريًا، أي ما يعادل 4.5 مليون دولار لفترة أولية مدتها ستة أشهر، مع تجديد تلقائي قد يرفع القيمة الإجمالية إلى 9 ملايين دولار، وتُظهر سجلات الدفع المرفقة بالملف أن مبلغ 4.5 مليون دولار دُفع في 12 ديسمبر/كانون الأول كدفعة مقدمة، وهو ما جعل قوى سياسية نيجيرية من بينها حزب المؤتمر الديمقراطي الأفريقي، وحزب الشعب النيجيري، تنتقد هذه الإجراءات واصفة إياها إلى وصف مثل هذه ال اتفاقيات بـ"سوء تقدير في الأولويات".

التطبيع مع الإبادة ودعم الديكتاتوريات

بلغة الأرقام، تشير دراسة نشرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إلى أن حوالي 80٪ من الديكتاتوريات التي نشأت في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية جندت متخصصين في العلاقات العامة داخل الولايات المتحدة، للقيام بأعمال غسيل سمعة، وتضخيم الدعاية الإيجابية، أو الإشارة إلى ولاء مثل هذه الأنظمة للإدارة الأمريكية، وأنه في الفترة ما بين (1945-2022) ظهرت أدلة قوية على استخدام الأنظمة الاستبدادية في العالم للقوة الناعمة، والتأثير على الخطاب العام الأمريكي لتجنب الانتقادات.

أسفرت هذه الجهود عن نشر أكثر من 100 مقال إيجابي شهريًا في صحفٍ تتراوح بين نيويورك تايمز وبي بي سي، ورفعت النقاش حول السفر إلى رواندا بنسبة 183٪، وخفضت النقاش حول الإبادة الجماعية بنسبة 11٪

تفيد المعلومات التحليلية إلى أنه على مدار أكثر من 80 عاما عملت شركات علاقات عامة أمريكية لدى نظم استبدادية غالبيتها من النصف الجنوبي للعالم، حيث يستأجر الديكتاتوريون المئات من شركات الاتصالات والضغط والاستشارات، لمواجهة النقد وتعظيم الدعاية وتثبيت الدعم والإشارة إلى الولاء، وفتح قنوات تواصل مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وتخفيف ردود الفعل الدولية على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

على سبيل المثال استأجرت الحكومة الرواندية وكالة العلاقات العامة الأمريكية راسبوينت جلوبال لتغيير صورة البلاد بعد الإبادة الجماعية، باستخدام مجموعة من الاستراتيجيات بما في ذلك تحقير المعارضين ونشطاء حقوق الإنسان، حيث أسفرت هذه الجهود عن نشر أكثر من 100 مقال إيجابي شهريًا في صحفٍ تتراوح بين نيويورك تايمز وبي بي سي، ورفعت النقاش حول السفر إلى رواندا بنسبة 183٪، وخفضت النقاش حول الإبادة الجماعية بنسبة 11٪، وفقًا لشركة ريس بوينت.

عام 2007، قادت ريس بوينت أيضًا حملةً للترويج للزعيم الليبي معمر القذافي بوصفه "مفكرًا وفيلسوفًا"، وذلك قبيل الذكرى الأربعين لحكمه، وبعد أربع سنوات فقط استعان الثوار الليبيون بشركة باتون بوغز، وهي شركة ضغط سياسي مقرها واشنطن، لمساعدتهم في الإطاحة بالقذافي نفسه.

في الوقت الذي كان يوصف فيه الرئيس أوبيانغ نغويما مباسوغو رئيس غينيا الإستوائية بأنه أحد أسوأ الديكتاتوريين في العالم، ويُعتقد أنه اختلس عشرات الملايين من الدولارات من عائدات الموارد الطبيعية للبلاد، دفعت حكومته ملايين الدولارات لمكتب المحاماة لاني ديفيس لتحسين صورته في واشنطن، وبعد سنوات من الضغط السياسي، وُصف أوبيانغ بأنه "صديق حميم" للولايات المتحدة، بل وحصل على فرصة لالتقاط الصور مع الرئيس أوباما، كان ذلك مقابل دفع حكومته لما يصل إلى 3.1 مليون دولار لشركة الاتصالات "كورفيس/إم إس إل غروب"، للمساعدة في تحسين صورة رئيسها، في الفترة ما بين 2010 و2015.

هذه الصفقات كانت حاضرة أيضا إبان انعقاد القمة الأمريكية الأفريقية التي عقدت في واشنطن (4-6 أغسطس/أب 2014) حين استضاف الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما نحو 50 قائدًا أفريقيًا، ووقتها كشف تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA) أن 23 دولة وإقليمًا أفريقيًا أنفقوا 13.9 مليون دولار على التواصل مع الحكومة الأمريكية والهيئات التابعة لها في عام 2013، حيث دفعت حكومات وأحزاب معارضة، وحركات تحرير، ووكالات السياحة، وصناديق سيادية، هذه الأموال للترويج لأجندتها عبر حملات إعلامية أو مراسلات مع مسؤولين أمريكيين في البيت الأبيض ووزارة الخارجية ووكالات أخرى.

تعاقدت الحكومة النيجيرية، بموجب البيانات ذاتها، مع شركة علاقات عامة في أعقاب عمليات اختطاف بوكو حرام لمدنيين للتغطية على الحادثة مقابل دفع 1.2 مليون دولار. كما أن أقل مبلغ أفريقي جرى إنفاقه في هذا العام هو 2407.67 دولارًا، وأنفقته الحركة الشعبية لتحرير السودان، حيث دفعت الأموال لعمل حملات في هيئة منشورات على فيسبوك وتغريدات ومقالات. وكان المغرب هو أكبر دولة أفريقية من حيث الإنفاق في 2013، حيث بلغ إجمالي إنفاقها 4.8 مليون دولار، مقابل تقديم خدمات طلبتها الرباط من الجهة المتعاقد معها، والتي كان من بينها تنظيم اجتماعات مع موظفين من مكتب السيناتور الديمقراطية ديان فاينشتاين والمرشح الجمهوري المحتمل للرئاسة عام 2016 ماركو روبيو.

كما أنفقت الحكومة الإثيوبية إبان حربها التي اندلعت مع عرقية التيغراي (2020/ 2022) ما يقارب 500 ألف دولار أمريكي لتوكيل اثنتين من أكثر شركات المحاماة الدولية للتأثير على صانعي السياسة في الولايات المتحدة لتجاهل أعمال الإبادة الجماعية وجرائم الحرب التي ارتكبت في البلاد، وقبلها بسنوات وتحديدا عقب العنف الانتخابي الذي شهدته كينيا 2014 تعاقدت نيروبي مع شركة تشلوباك ليونارد شيشتر، إحدى أبرز شركات الضغط السياسي في واشنطن، لاستعادة سمعتها بعد أن تصدرت أخبار العنف المرتبط بالانتخابات عناوين الصحف وقتها، وكانت تأمل في تعزيز الدعم الأمريكي لعملها العسكري والاستخباراتي، ومكافحة القرصنة، والتعامل مع الوضع المتدهور في الصومال، وقد نجحت تشلوباك ليونارد في نشر قصص إيجابية في وسائل الإعلام الأمريكية، وتمكنت من لفت انتباه الكونغرس إلى الأزمة الصومالية، بما في ذلك مقالات عن سياسة الرئيس أوباما تجاه الصومال، وتقديم توصيات مقترحة الحكومة الكينية لمكافحة القرصنة والإرهاب.

جامعات ومنظمات دولية تغسل سمعة الأفارقة

انخرطت جامعات دولية ومؤسسات دولية في مثل هذه الممارسات وبات بعضها يلعب أدوار ملحوظة في عمليات غسل السمعة، وكان من بينها ما كُشف في عام 2011، حيث كشفت سلسلةٌ من الفضائح التي تظهر روابط مالية بين كلية لندن للاقتصاد ونظام الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، إذ تبين أنه في مارس/آذار 2009، قدم نجل القذافي سيف الإسلام تبرعًا بقيمة 1.5 مليون جنيه إسترليني عبر مؤسسته الخيرية لمركز الحوكمة العالمية التابع لكلية لندن للاقتصاد، وذلك بعد أشهر قليلة من منحه شهادة الدكتوراه من هناك، وأدت هذه الوقائع إلى استقالة مدير كلية لندن للاقتصاد، هوارد ديفيز، وفتح تحقيق داخلي في إجراءات التدقيق التي تتبعها الجامعة.

وفي عام 2008، وافقت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) على إنشاء جائزة بحثية في علوم الحياة، ممولة من رئيس غينيا الاستوائية تيودورو أوبيانغ، وتحمل اسمه (أُعيد تسميتها لاحقًا في محاولة جزئية لاسترضاء المنتقدين)، حيث قدمت حكومة الرئيس أوبيانغ، أموالا طائلة لإلصاق اسمه بالجائزة في الوقت الذي يفتقر معظم مواطني غينيا الاستوائية إلى الخدمات الطبية الأساسية.

حكم اللصوص

وفي معرض دراستهما لتنامي هذه الظاهرة يشبه الباحثان ألكسندر كولي، مدير معهد هاريمان في جامعة كولومبيا، وجون هيثرشو الأستاذ المشارك في العلاقات الدولية بجامعة إكستر، تعاقدات النظم الشمولية مع شركات العلاقات العامة الأمريكية وجماعات الضغط بـ"حكم اللصوص"، مشيران إلى أن هذه التعاقدات تهدف إلى تبييض الأموال، وتبييض السمعة، وأنه منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي رصدت روايات وحشية عن قادة سيئي السمعة، من بينهم الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس (1965-1986)، والرئيس الهايتي جان كلود دوفالييه (1971-1986)، والرئيس الزائيري موبوتو سيسي سيكو (1965-1997)، الذين أثروا أنفسهم وعائلاتهم على حساب إفقار شعوبهم، وساهمت هذه الشركات في التغطية على جرائم هؤلاء المسؤولين.

أقل مبلغ أفريقي جرى إنفاقه في هذا العام هو 2407.67 دولارًا، وأنفقته الحركة الشعبية لتحرير السودان، حيث دفعت الأموال لعمل حملات في هيئة منشورات على فيسبوك وتغريدات ومقالات

حرص كثير من "الأوليغارشيون والفاسدون" المتورطون في مثل هذه الممارسات على فتح القنوات غير الرسمية لإنشاء شبكات كثيفة من الحلفاء السياسيين والمعلقين المتعاطفين ومواقع النفوذ، حيث يتقاضى المستشارون البارزون وشركات العلاقات العامة المتخصصة في تحسين سمعة الأنظمة في الخارج أجورًا باهظة، ويقدمون مجموعة واسعة من الخدمات. كما تُمارس شركات العلاقات العامة عمليات "إدارة السمعة"، من خلال مراقبة وتوجيه المواد الإعلامية الخاصة بالجهات المتعاقدة معا، مثل المقالات والتحليلات، أو توليد توجهات وحملات مُستهدفة على وسائل التواصل الاجتماعي نيابةً عن عملائها.

ورغم أن هذا العمل قد يبدو قانوني، إلا أنه يتجاوز الحدود الأخلاقية، وقد ينجم عنه خسائر لمقدمي الخدمة والمتعاقدين أيضا، وكان انهيار شركة العلاقات العامة "بيل بوتينجر" التي تتخذ من لندن مقراً لها أبرز الأدلة على ذلك، حيث انهارت على خلفية نشر تقرير يُفصّل كيف شنت الشركة، نيابةً عن حلفاء تجاريين للرئيس الجنوب أفريقي جاكوب زوما، حملةً تُثير الانقسام الاجتماعي بهدف صرف الأنظار عنه.

يشير الباحثان إلى أن مواجهة مثل هذه العمليات تحتاج لجهود حكومية موسعة، وبناء تحالفات من الباحثين الأكاديميين والصحفيين ونشطاء المجتمع المدني، لاسيما في البلدان الأفريقية، لكشف مثل هذه الممارسات وتتبع أصحابها كما يمكن أن تبدأ هذه التحقيقات على المستوى المحلي الأمريكي من خلال النظر في التمويل الذي تتلقاه مراكز الأبحاث والجامعات والجهات المدنية، وزيادة التدقيق في تتبع مسار هذه الأموال، ووضع نظم أكثر شفافية تضمن تضييق الخناق على مثل هذه الممارسات.